💎 الجديد   ..   أم الجدير؟

screenshot ٢٠٢٦٠٩١٩ ١٩٢٨٥٥ photo editor


💎 الجديد   ..   أم الجدير؟
حين لا يكون الجديد أفضل …
بل يكون الصحيح أحقّ بالاتباع  ..

في الخامسة فجرًا   ..
حين يكون الليل قد بلغ آخر أنفاسه   ..
ويبدأ الضوء في الصعود إلى السماء على استحياء   ..
وصل تسجيل الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني إلى قروب «مدربون ومدربات مبدعات»   ..
كان صباحًا هادئًا   ..
والمدينة لم تستيقظ بكامل ضجيجها بعد   ..
وبعضنا كان قد عاد لتوّه من صلاة الفجر   ..
وبعضنا كان لا يزال يتلمس بقية نومه   ..
بينما كانت كلمات الدكتور قد سبقت النهار إلى عقولنا   ..
توقيت عابر في ظاهره   ..
لكنه بدا لي جزءًا من الرسالة نفسها   ..
فالفجر لا يقتحم السماء دفعة واحدة   ..
يتسلل إليها قليلًا قليلًا   ..
ويكشف ما كان مختبئًا في الظلام دون ضجيج   ..
وبعض الأفكار كذلك   ..
لا تحتاج إلى أن تصرخ كي تغيّرنا   ..
وإنما تحتاج إلى عقل مستعد لأن يرى الأشياء كما هي   ..
لا كما اعتاد أن يراها   ..
كان الدكتور قد غاب عن القروب أيامًا لانشغاله ببرامجه التدريبية   ..
ثم عاد إلينا بحديث بدا في بدايته عن استراتيجيات التدريس   ..
لكنه شيئًا فشيئًا اتسع حتى صار حديثًا عن المعرفة   ..
وعن الإنسان   ..
وعن الطريقة التي نختار بها ما نتعلمه   ..
وعن ذلك الوهم الجميل الذي قد يصيبنا حين نظن أن كثرة الممارسة تعني بالضرورة صحة الممارسة   ..
وكان أول ما شدني في حديثه حرصه على أن يقدم الاستراتيجيات بطريقة سهلة وواضحة   ..
بعيدة عن التعقيد والتداخلات التي جعلت بعض الناس ينفرون من مجرد سماع عبارة «استراتيجيات التدريس»   ..
فما إن يبدأ الحديث عنها حتى تتردد العبارات نفسها   :
الوقت لا يكفي   ..
الاستراتيجيات كثيرة   ..
التطبيق صعب   ..
نحتاج إلى شيء أسهل   ..
ثم إذا جاءت استراتيجية جديدة   ..
بدأ السؤال الآخر   :
هل هي فعلًا بهذه السهولة؟
وكأن عقولنا أحيانًا لا تصدق أن الشيء العظيم يمكن أن يكون بسيطًا   ..
وهنا أخذ الدكتور الفكرة إلى مكان أعمق   ..
فاستشهد بما ورد في السيرة من موقف أولئك الذين أرادوا أن يتقربوا إلى الله بالتشدد على أنفسهم   ..
فهذا لا يأكل اللحم   ..
وذاك لا يتزوج النساء   ..
وآخر لا يستظل   ..
حتى بيّن النبي ﷺ أن الطريق إلى الله ليس في اختراع مشقة لم يجعلها الله طريقًا   ..
وقال   :
«فمن رغب عن سنتي فليس مني»   ..
ثم ذكر الرجل الذي جاء يسأل النبي ﷺ أن يوصيه   ..
فذكر له أركان الإسلام   ..
فقال الرجل إنه لن يزيد عليها   ..
فقال له النبي ﷺ   :
«أفلح إن صدق»   ..
المعنى الذي أراد الدكتور أن يقربه إلينا كان واضحًا   :
هناك أصول عظيمة   ..
وإذا فهم الإنسان أساسها وأداها كما ينبغي   ..
فلا يحتاج إلى أن يصنع حولها تعقيدات من عنده   ..
والتعلم كذلك   ..
قد تكون الفكرة عظيمة   ..
لكنها ليست بالضرورة معقدة   ..
وقد تكون الاستراتيجية عميقة   ..
لكنها لا تحتاج إلى عشرات المصطلحات حتى تصبح عميقة   ..
قال الدكتور   ..
بمعنى حديثه   :
قد تقول للمعلم إن التعلم التعاوني يمكن أن يُفهم في كلمات قليلة   ..
فينظر إليك مستغربًا   :
«معقول؟ بهذه السهولة؟»
نعم… بهذه السهولة   ..
لكن العقل الذي لُقّن طويلًا أن الشيء صعب   ..
قد يحتاج إلى وقت حتى يصدق أنه سهل   ..
مثل مسألة رياضية يعتقد الطالب أنها شديدة التعقيد   ..
ثم يأتيه معلم متميز فيشرحها بطريقة واضحة   ..
فيقول   :
«معقول؟ المسألة سهلة إلى هذا الحد؟»
نعم   ..
سهلة إلى هذا الحد   ..
لكن المشكلة أن من لقّنك إياها منذ البداية أقنعك بأنها معقدة   ..
حتى أصبح التعقيد جزءًا من تصورك عنها   ..
ومن هنا يبدأ النفور   ..
ثم دخل الدكتور إلى واحدة من أكثر صور حديثه متعة وطرافة   ..
حين شبّه تعامل بعض الناس مع الاستراتيجيات التعليمية بتعامل بعض النساء مع فساتين المناسبات   ..
الثوب الذي ظهرت به في عرس سابق   ..
لا تريد أن تظهر به مرة أخرى   ..
حتى لو كان جميلًا   ..
حتى لو كان ثمينًا   ..
حتى لو كان يستحق أن ترتديه سنوات   ..
المهم أنه ظهر أمام الناس من قبل   ..
ثم قال   ..
في مقابل ذلك   ..
إن الرجل قد يلبس الثوب نفسه ويحضر به سبعة آلاف مناسبة  ولا يرى في الأمر مشكلة   !
ضحكنا   ..
لكن خلف الضحكة كانت هناك فكرة ثقيلة تستحق أن تُحمل بجدية   ..
لقد انتقلت ثقافة «الثوب الجديد» إلى التعليم   ..
تقول المشرفة أو المديرة   :
«نريد استراتيجيات جديدة… لا نريد استراتيجيات مستهلكة»   ..
التلقين؟
مللنا منه   ..
المناقشة؟
استخدمناها   ..
التعلم التعاوني؟
نعرفه   ..
تمثيل الأدوار؟
قديم   ..
القبعات الست؟
استخدمناها   ..
العصف الذهني؟

لبسناه في أكثر من «عرس»   ..
التعلم للإتقان؟
حل المشكلات؟
خلاص… نريد شيئًا جديدًا   !
وهنا يتغير السؤال دون أن نشعر   ..
بدل أن نسأل   :
هل هذه الاستراتيجية فعالة؟
نسأل   :
هل هي جديدة؟
وبدل أن نسأل   :
هل عليها دليل؟
نسأل   :
هل ستبهر الآخرين؟
وبدل أن نسأل   :
هل تناسب الهدف التعليمي؟
نسأل   :
هل ستعجب المشرفة؟
ومن هنا يبدأ سباق الأسماء الغريبة   :
حبل الغسيل…
تويتر…
البطيخة…
القطط الزرقاء…
وقد يكون الاسم وحده كافيًا ليجعل البعض يقول   :

«واو! هذه جديدة!»   ..
لكن الدكتور يعيدنا إلى السؤال الذي لا يملك الاسم أن يجيب عنه   :
أين الدليل؟
وهنا تتضح المشكلة   ..
لقد أصبح الإبهار أحيانًا هو الذي يمنح الفكرة قيمتها في أعيننا   ..
نريد شيئًا يجعل الآخرين يلتفتون   ..
نريد أن نقول   :
«عندي استراتيجية لا يعرفها أحد»   ..
وكأن المعلم إذا استخدم استراتيجية يعرفها الجميع أصبح أقل تميزًا   ..
وهنا حكى الدكتور عن «القطّة الزرقاء» بطريقة جعلت الفكرة تعيش أمامنا   ..
يقول للمعلمة   :
ما الاستراتيجيات التي تطبقينها؟
فتذكر له اسمًا جديدًا   ..
فيقول   :
«ما شاء الله… اسم جديد! خلينا نشوف هذه القطاوة كيف بتطبقونها؟ وهل بتصبغونها في البرنامج؟»   ..
فضحكنا مرة أخرى   ..
لكن القطّة لم تكن هي المقصودة   ..
المقصود أن بعض المسميات قد تتحول إلى غطاء لإبهار لا يحمل بالضرورة قيمة علمية   ..
قد تكون هناك أنشطة لطيفة   ..
وأفكار جميلة   ..
ومسميات محببة   ..
ولا مشكلة في أن نحلي بها الحصة قليلًا   ..
لكن الدكتور وضع إصبعه على موضع مهم   :
التحلية ينبغي أن تبقى تحلية   ..
أما الطبق الأساسي   ..
فينبغي أن يكون شيئًا يستحق أن نبني عليه   ..
فليس كل جديد أفضل   ..
كما أن كل قديم ليس بالضرورة باليًا   ..
أحيانًا نترك الشيء لا لأنه فقد قيمته   ..
وإنما لأنه فقد قدرته على إبهارنا   ..
وهذه مشكلة خطيرة حين تدخل إلى العلم   ..
فالحقيقة لا تفقد قيمتها لأنها تكررت   ..
والاستراتيجية لا تصبح ضعيفة لأنها استُخدمت كثيرًا   ..
والفكرة لا تفقد صلاحيتها لأنها حضرت في «عرس» سابق   ..
بل ربما يكون العكس هو الصحيح   :
إذا نجحت الفكرة مرة بعد مرة، فهذه ليست تهمة عليها.
ثم انتقل الدكتور إلى «القبعات الست» لإدوارد دي بونو   ..
ليشرح أن القضية في أصلها ليست معقدة كما قد نتخيل   ..
إنها محاولة لصناعة التفكير المتوازن   ..
هناك البيانات والمعلومات   ..
وهناك المشاعر   ..
وهناك الإيجابيات   ..
وهناك السلبيات والمخاطر   ..
وهناك الإبداع والبدائل   ..
وهناك إدارة التفكير والنظر إلى الصورة كاملة   ..
ثم لم يكتفِ بالتعريف   ..
بل أخذنا معه إلى الحياة نفسها   ..
ذكر أنه في فترة من حياته كان يميل إلى أن يكون مستشارًا أسريًا   ..
لكنه ترك هذا الميل بعدما استمع إلى عدد من المشكلات وتأثر بها   ..
ثم رسم لنا مشهدًا لا يكاد يُنسى   ..
تأتيه امرأة تتحدث عن مشكلة مع زوجها   ..
هي لا تريد كل القبعات   ..
هي تريد القبعة السوداء   ..
تقول   :
«خلني أقول لك ماذا فعل هذا المجرم!»   ..
فيقول لها   ..
بطريقته الممتعة   :
«خلاص… عرفنا أنه مجرم في روايتك، لكن أعطينا القبعة الصفراء… ما إيجابياته؟»   ..
فتقول   ..
من شدة غضبها   ..
إنه لا إيجابية له في الحياة سوى أنه يأكل ويشرب وينام ويتنفس   !
ثم تبلغ الحكاية ذروتها حين تقول إن حتى الأنفاس التي يتنفسها أولى بها القطط والحمام   ..
لأن القطط والحمام   ..
على الأقل   ..
قد تكون لهما فائدة في قتل بعض الحشرات المضرة بالبشر   ..
أما هو فلا فائدة منه   !
نضحك   ..
لكن بعد الضحكة تأتي الفكرة   ..
إذا كانت المشكلة أمامك   ..
فلا يكفي أن تسمع رواية واحدة عنها   ..
ما البيانات؟
كم سنة وأنت متزوجة؟
هل هناك أبناء؟
ما الظروف؟
وما المشاعر؟
قد تشتكي من زوجها   ..
لكنها في الوقت نفسه تحمل تجاهه مشاعر إيجابية   ..
وقد تكون غاضبة الآن   ..
لكن غضبها لا يمثل بالضرورة القصة كلها   ..
إذن لا يمكن أن أحبس الحقيقة في زاوية واحدة   ..
ولا أن أبني فهمي على قبعة واحدة   ..
وهنا تحولت القبعات الست من استراتيجية تدريبية إلى درس في الحياة   :
لا تحكم قبل أن تعرف القصة كاملة.
ولهذا   ..
إذا استشار الإنسان شخصًا   ..
ثم حصل منه على جواب جاهز دون أن يسأله شيئًا   ..
فهنا ينبغي أن يتوقف قليلًا   ..
فالإجابة التي لا تسبقها أسئلة قد تكون إجابة تناسب صاحبها أكثر مما تناسب مشكلتك   ..
المستشار الحقيقي لا يسارع دائمًا إلى الكلام   ..
يسأل أولًا   :
ماذا حدث؟
ما المعلومات؟
ما الظروف؟
ما المشاعر؟
ثم يبدأ التفكير   ..
وهذه ليست فقط مهارة في الاستشارات   ..
إنها أخلاق في التعامل مع الناس   ..
ثم أخذ الدكتور الفكرة إلى القروب نفسه   ..
الأستاذة شريفة تقول شيئًا   ..
والأستاذة حياة تقول شيئًا   ..
والأستاذة حصة تقول شيئًا   ..
والدكتور يقول شيئًا   ..
وليس ضروريًا أن يكون أحدنا مالكًا للحقيقة كاملة   ..
في كلامنا صواب وخطأ   ..
محاولة واقتراب   ..
فكرة تحتاج إلى تعديل   ..
وأخرى تحتاج إلى استكمال   ..
لكن العبرة في النهاية أن نصل إلى الحقيقة   ..

وهنا قال الدكتور معنى يستحق أن يبقى   :
إعطاء المعلومة مباشرة ليس دائمًا أفضل طريقة لتثبيتها في الرأس   ..
فالنقاش يكشف المعلومة   ..
ويوضحها   ..
ويعمقها   ..
ويساعد العقل على استيعابها استيعابًا جيدًا   ..
ولهذا   ..
عندما بدأ الحديث عن العصف الذهني   ..
كان يستطيع ببساطة أن يقول   :
«هذه الاستراتيجية لها خمس نقاط»   ..
وينتهي الأمر   ..
لكنه لم يفعل   ..
أدخلهم في السؤال   :
كيف؟
ولماذا؟
وماذا لو؟
وجعلهم يحاولون   ..

حتى قالت إحدى الأستاذات   :
«دكتور   ..   بحاول».
فقال   :
«حلو   ..   حاولي».
قد تبدو كلمة عادية جدًا   .
لكنها تحمل فلسفة تعليمية كاملة   .
فالتعلم الحقيقي لا يحدث دائمًا عندما أعطيك الإجابة   .
أحيانًا يحدث عندما أتركك قليلًا أمام السؤال   .
عندما تحتار   .
عندما تخطئ   .
عندما تحاول مرة أخرى   .
ثم تكتشف شيئًا لم تكن تراه قبل أن تحاول   .
ولهذا فالحوار الحقيقي ليس مباراة   .
ليس المطلوب أن أدخل النقاش لأثبت أنني الأذكى   .
ولا أن أخرج منه منتصرًا   .
ولا أن أحصل على شهادة تقول إن رأيي كان صحيحًا منذ البداية   .
الحوار الحقيقي رحلة إلى المعلومة   .
ومن هنا وصل الدكتور إلى واحدة من أخطر الجمل التي قد يقولها المتعلم دون أن ينتبه   :
«أنا أطبقه».
يقولها الإنسان وكأنها شهادة صحة   .
أنا أطبقه   ، إذن أنا أعرفه   .
أنا أطبقه   ، إذن أنا أطبقه بشكل صحيح   .
لكن هناك سؤالًا صغيرًا جدًا يستطيع أن يهز هذه القناعة كلها   :
هل تطبقه صح   ؟
فقد يكون الإنسان يمارس الشيء فعلًا   ، لكنه لا يمارسه بالطريقة الصحيحة   .
وقد يعرف الجانب النظري   ، لكنه يخطئ في التطبيق   .
وقد يكرر الممارسة سنوات   ، دون أن ينتبه إلى أن الخطأ صار عادة   .
وهنا حكى الدكتور موقفًا حدث له في إحدى الدول الخليجية   .
كان يتحدث عن التعلم التعاوني   ، فقال للحاضرين   ، بطريقته الممتعة   :
«أنا جايكم من المملكة العربية السعودية باستراتيجية جديدة لم تسمعوا بها».
ثم قال   :
«التعلم التعاوني».
فضحك الرجال والنساء من أنحاء العالم العربي   .
سألهم   :
«ليش تضحكون   ؟»
فقالت إحدى المشاركات   :
«أنا يا دكتور أطبقه من 25 سنة».
قال لها   :
«ممتاز».
ثم طلب ممن يطبقونه أن يرفعوا أيديهم   .
فارتفعت الأيدي   .
ثم قال   :
«طيب   ..   من يصعد معي على المسرح ويشرح لي فهمه للتعلم التعاوني في دقيقتين أو ثلاث   ؟»
لم يصعد أحد   .
وهنا أصبحت الضحكة سؤالًا   .
إذا كنت تطبق الشيء منذ ربع قرن   ، فلماذا يصعب عليك أن تشرحه   ؟
ثم ضرب الدكتور مثال الكبسة   .
إذا كنت تطبخين الكبسة منذ عشرين سنة   ، ثم أعطيتك ميكروفونًا وقلت لك   :
«اشرحي لنا كيف تطبخينها».
فلن تحتاجي إلى كتاب   ، ولا إلى ورقة   .
ستقولين ببساطة   :
أحضر القدر   ..
أضع الزيت   ..
أضع البصل   ..
ثم الطماطم   ..
ثم كذا وكذا   ..
لماذا   ؟
لأن الممارسة الطويلة صنعت عندك معرفة حقيقية بالطريقة   .
لكن عندما يتعلق الأمر بشيء نظن أننا نطبقه   ، قد نكتشف أن معرفتنا به ليست بالعمق الذي تصورناه   .
وهنا شرح الدكتور الفارق بين العمل في مجموعات والتعلم التعاوني   .
فليس كل مجموعة من الطلاب تعلمًا تعاونيًا   .
هناك عناصر محددة لا بد أن تتحقق   ، منها الاعتماد المتبادل الإيجابي   ، والمسؤولية الفردية   ، والمهارات الاجتماعية   ، والتفاعل بين أفراد المجموعة   ، ومعالجة عمل المجموعة وتقويمه   .
وحين سألهم   :
«هل تفعلون هذه الأشياء   ؟»
جاءت الإجابة بصراحة   :
«والله لا».
وهنا كانت الجملة التي تستحق أن تعلق في الذهن   :
لا تستعجل في الحكم على نفسك بأنك تطبق   .
قد تقول   :
«أنا أطبق».
لكن تعال نتأكد   .
قد تقول   :
«أنا أعرف».
لكن دعنا نختبر المعرفة   .
قد تقول   :
«أنا فعلت هذا عشرين سنة».
لكن السنوات لا تتحول تلقائيًا إلى دليل على صحة الممارسة   .
قد نكرر الخطأ حتى يصبح عادة   .
وقد نمارس الشيء عشرين عامًا دون أن نفهم جوهره   .
وهذا من أخطر ما يمكن أن يحدث للمتعلم   :
أن تتحول كثرة الممارسة إلى وهم الخبرة   .
ومن هنا انتقل الدكتور إلى فكرة لا تقل أهمية   .
أحيانًا تقول المعلمة   :
«أنا أطبق هذه الاستراتيجية   ، والمشرفة فلانة لها فضل كبير علي   ، والمديرة دعمتني   ، وأخذت خطاب شكر   ، وزارني أشخاص وأعجبوا بما رأوه».
كل هذا جميل   .
لكن لا شيء منه يجيب وحده عن السؤال الأهم   :
هل ما أفعله صحيح   ؟
قد يكون دعمهم صادقًا   .
وقد يكون تشجيعهم جميلًا   .
وقد تكون التجربة مؤثرة   .
لكن التأثر ليس دليلًا علميًا   .
والإعجاب ليس دراسة   .
والتصفيق ليس برهانًا   .
ولهذا كان الدكتور يعود مرة بعد مرة إلى فكرة واحدة   :
أريد أن أتحقق   .
لا يريد أن يعرف فقط هل أعجب الناس بما فعل   .
يريد أن يعرف   :
هل ما أفعله صحيح   ؟
وهذا فرق شاسع بين من يبحث عن المديح   ، ومن يبحث عن العلم   .
ثم ذكر الدكتور موقفًا آخر يتعلق بالخطة التشغيلية   .
لو ذهبت إلى متخصصة في هذا المجال   ، فلا تدخل عليها لتقول   :
«المشرفة الفلانية جاءت وأعجبت بخطتي   ، وتأثرت   ، وبكت من شدة الفرح».

لا   .
قل ببساطة   :
«هذه خطتي   . هل هي صحيحة   ؟ هل فيها خلل   ؟ هل فيها نقص   ؟ ماذا أحتاج أن أعدل   ؟»
هنا يبدأ العلم   .
لأنك لا تبحث عن شخص يؤكد لك ما تفعله   .
أنت تبحث عمن يكشف لك ما لا تراه   .
وهذه عقلية مختلفة تمامًا   .
فمن يطلب المديح يريد أن يخرج مطمئنًا   .
أما من يطلب العلم   ، فقد يخرج وفي يده قائمة طويلة من الأخطاء   .
لكن الثاني خرج بشيء أثمن   :
خرج وهو يعرف أين يحتاج إلى الإصلاح   .

ولعل هذه إحدى أجمل الخدمات التي يمكن أن يقدمها لنا المتخصصون   :
أن يكشفوا لنا خطأ كنا سنستمر فيه سنوات   .
ثم عاد الدكتور إلى قصة دموع المعلمات والزائرات   ، ومضى بها في مساحة من الطرافة حتى كأن الدموع تحولت إلى أنهار   ، وحتى احتاج الأمر إلى الدفاع المدني   ، بل واستدعاء طائرات الهليكوبتر لنقل سلسلة هذه الدموع   !
نضحك   .
لكن خلف الضحكة سؤال ثقيل   :
ماذا أريد أنا من التعلم   ؟
هل أريده لأجمع المديح   ؟
أم أريده لأعرف أنني على الطريق الصحيح   ؟
قد تبكي المعلمة من التأثر   .
وقد تنبهر   .

وقد تكتب خطاب شكر   .
وقد تقول   :
«ما شاء الله   !»
لكن كل ذلك لا يجيب عن السؤال العلمي   :
هل الطريقة صحيحة   ؟
وهنا تتضح المسافة بين من يشتري العلم ليظهر   ، ومن يشتريه ليعرف   .
الأول يريد شهادة تقول   :
«أنا ممتاز».
والثاني يريد متخصصًا يقول له   :
«هنا أخطأت   ، وهنا تحتاج إلى تعديل   ، وهنا أنت قريب   ، وهنا أنت على الطريق».
ثم جاءت فكرة المرجع   .
يسأل الدكتور   :
«ما مرجعك   ؟»
فيأتي الجواب   :
«فلان».
فتتوقف قليلًا   .
هل الشخص نفسه هو المرجع   ؟
قد يكون متخصصًا   .
وقد يكون خبيرًا   .
وقد يكون قوله مهمًا   .
لكن العلم لا ينبغي أن يتحول إلى سلسلة من   :
قال لي فلان   ..
وفعل فلان   ..
ونحن أخذناها من فلان   ..
العلم له أصول   .
وله مراجع   .
وله أدلة   .
وله نقاش   .
وله مراجعة   .
وله تحقق   .
ليس معنى ذلك أن الأشخاص لا قيمة لهم   ، بل معناه أن احترام الشخص لا يعفينا من احترام الحقيقة   .
ولهذا كانت كلمة «لا أدري» التي تحدث عنها الدكتور في سياقات المعرفة من أجمل ما يمكن أن يحمله المتعلم في قلبه   .
لا أدري   .
دعني أتأكد   .
سأبحث   .
سأراجع   .
سأعرض ما عندي على متخصص   .
هذه ليست كلمات ضعف   .
بل ربما كانت من أنضج الكلمات التي يمكن أن يقولها إنسان يتعلم   .
كلما أعدت التفكير في حديث الدكتور   ، شعرت أن القضية لم تعد قضية استراتيجيات تدريس فقط   .
إنها قضية أوسع بكثير   :
كيف نتعامل مع المعرفة   ؟
هل نبحث عن الجديد لأننا نحتاجه   ؟
أم لأن القديم أصبح مألوفًا   ؟
هل نترك استراتيجية نافعة لأنها تكررت   ؟
هل نرفض فكرة صحيحة لأنها لم تعد تثير «الواو»   ؟
هل نقيس قيمة ما نتعلمه بمدى إعجاب الآخرين به   ؟
وهل يمكن أن نكون قد مارسنا شيئًا سنوات طويلة   ، ثم نكتشف أننا لم نفهمه كما ينبغي   ؟
ربما تكون أخطر عبارة في التعلم ليست   :
«أنا لا أعرف».
بل   :
«أنا أطبقه».
لأن «لا أعرف» تفتح باب التعلم   .
أما «أنا أطبقه» فقد تغلقه إذا لم يتبعها سؤال آخر   :
لكن   ..   هل أطبقه بشكل صحيح   ؟
ومن هنا يصبح التواضع العلمي قوة   ، لا ضعفًا   .
أن تقول للمتخصص   :
«هذه تجربتي   ..   صححها لي».
أن تعرض خطتك لا لتسمع المديح   ، بل لتكتشف الخلل   .
أن تدخل النقاش لا لتنتصر   ، بل لتقترب من الفهم   .
أن تسمح لعقلك أن يحتار قليلًا   .
أن تقول   :
«لا أدري».
«سأحاول».
«دعني أتأكد».
ثم تكتشف أن كلمة «حاولي» قد تكون أحيانًا أهم من ألف إجابة جاهزة   .
وربما نحن في حياتنا كلها نرتكب الخطأ نفسه   .
نبحث عن ثوب جديد   ، لا عن لباس صحيح   .
نريد فكرة لم نسمع بها   .
واسمًا لم نره   .
ومصطلحًا يثير الإعجاب   .
وطريقة تجعل الآخرين يقولون   :
«ما شاء الله   ..   ما هذه الفكرة الجديدة   ؟»
بينما قد يكون الشيء الذي نحتاجه موجودًا أمامنا منذ سنوات   ، لكننا هجرناه لأنه أصبح مألوفًا   .
نحن أحيانًا لا نكره القديم لأنه خاطئ   .
نكرهه لأنه لم يعد يبهرنا   .
وهذه مصيبة حين تدخل إلى العلم   .
فالمعلومة ليست ثوبًا في مناسبة   .
والاستراتيجية ليست فستانًا لا يجوز أن يتكرر   .
والحقيقة لا تفقد قيمتها لأنها حضرت في عرس سابق   .
قد تكون الاستراتيجية التي استخدمتها ألف مرة هي نفسها التي تحتاج إليها اليوم   ، لكنك أهملتها لأنك تريد شيئًا أزرق   ، أو أخضر   ، أو على هيئة بطيخة   ، أو قطة زرقاء   !
ولعل المشكلة أعمق من ذلك   .
ربما نحن لا نريد دائمًا أن نتعلم   .
أحيانًا نريد أن نثبت أننا تعلمنا   .
وهناك فرق هائل بين الاثنين   .
الأول يجعلك تقول   :
«علّمني».
والثاني يجعلك تقول   :
«أنا أطبّق».
الأول يفتح عقلك   .
والثاني قد يغلقه   .
الأول يترك باب الخطأ مفتوحًا   .
والثاني يخاف من الاعتراف بأن وراء الباب شيئًا لم نعرفه بعد   .
ولهذا   ، ربما لا يكون أعظم ما نتعلمه في رحلة التعلم أن نعرف استراتيجية جديدة   ، أو نحفظ اسمًا جديدًا   ، أو نبحث كل مرة عن فكرة تثير إعجاب الآخرين   .
ربما يكون أعظم ما نتعلمه أن نعرف متى نتوقف عن المطاردة   .

أن نتوقف لحظة   .
أن ننظر إلى ما بين أيدينا   .
وأن نسأل   :
هل تركت هذا لأنه لم يعد نافعًا   ؟
أم لأنني اعتدت عليه   ؟
وهل أبحث عن الجديد لأنه أفضل   ؟
أم لأنه جديد فقط   ؟
فليس كل قديم عتيقًا   .
وليس كل جديد جديرًا بأن نتبعه   .
أحيانًا لا نحتاج إلى شيء جديد   ..
بل نحتاج إلى عين جديدة   .
عين ترى قيمة ما اعتدناه   .
وعقل لا يخلط بين الغرابة والجودة   .

وقلب لا يخاف من أن يقول   :
«ربما كنت مخطئًا».
وربما تكون الحكمة ليست في أن نعثر كل يوم على فكرة جديدة   ، بل في أن نرى الفكرة التي نملكها منذ سنوات بطريقة لم نرها من قبل   .
وهنا يصبح العلم شيئًا آخر   .
لا يصبح استعراضًا   .
ولا سباقًا خلف الأسماء   .
ولا مجموعة شهادات شكر   .
ولا دموع إعجاب   .
ولا حكايات عن عدد من أثنوا علينا   .
بل يصبح سؤالًا بسيطًا   ..
صادقًا   ..
وشجاعًا   :
هل ما أفعله صحيح   ؟
هذا السؤال   ، على بساطته   ، قد ينقذ سنوات كاملة من الوهم   .
قد ينقذ معلمًا من أن يكرر خطأ عشرين عامًا   .
وقد ينقذ أمًا وأبًا من أن يربيا أبناءهما على قناعة لم يراجعاها   .
وقد ينقذ قائدًا من أن يخلط بين إعجاب من حوله وصحة قراره   .
وقد ينقذ مستشارًا من أن يعطي جوابًا قبل أن يفهم السؤال   .
وقد ينقذ متعلمًا من أن يخلط بين كثرة الممارسة وصحة الممارسة   .
وقد ينقذ إنسانًا كاملًا من أن يعيش عمره وهو يقول   :
«أنا أطبّق».
بينما لم يسأل نفسه يومًا   :
لكن   ..   هل أطبّق صح   ؟
ولعل العلم الحقيقي لا يبدأ حين نقول   :
«أنا أعرف».
بل حين نملك الشجاعة لنقول   :
«أنا مستعد أن أكتشف أنني لا أعرف كما كنت أظن».
وحينها فقط   ، لا تعود الاستراتيجية ثوبًا نبحث عن غيره   ، ولا يصبح العلم زينة   ، ولا يصبح النقاش ساحة لإثبات الذات   .
بل يصبح الحوار شيئًا آخر تمامًا   :
مكانًا نخلع فيه غرور المعرفة   ..   لنرتدي ثوب الحقيقة.
وربما لهذا بقي ذلك التسجيل في ذاكرتي   .
لم يكن حديثًا عن «التعلم النشط» فحسب   .
كان تذكيرًا بأن الإنسان قد يقضي عمره يطارد الجديد   ، بينما كان الصحيح واقفًا إلى جواره منذ البداية   .
وأن أخطر ما يمكن أن يحدث للعقل ليس أن يجهل   ، وإنما أن يظن أنه عرف   .
فيا من تقرأ هذا الكلام   ، أيًا كنت؛ معلمًا أو معلمة   ، أمًا أو أبًا   ، قائدًا أو موظفًا   ، مستشارًا أو متدربًا   ، باحثًا عن المعرفة أو إنسانًا يحاول أن يفهم حياته   :
لا تسأل دائمًا   :
ما الجديد   ؟
اسأل قبلها   :
ما الصحيح   ؟
ثم اسأل سؤالًا أشد شجاعة   :
وهل ما أفعله الآن صحيح فعلًا   ..   أم أنني فقط اعتدت عليه حتى صار الخطأ في يدي يبدو مألوفًا   ؟
هناك   ، عند هذا السؤال تحديدًا   ، يبدأ التعلم   .
وهناك أيضًا   ..
يبدأ الأثر   .

1789840648361


أثر لا يُنسى
جدة
الأحد ٩ ربيع الثاني ١٤٤٨هـ
٢٠ سبتمبر
٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *