🌱 النجاح اليتيم   ..

screenshot ٢٠٢٦١٠٠٣ ٠٧٢٤٥٠ gallery


بسم الله الرحمن الرحيم   ..
ماذا لو كان النجاح الذي نفرح به اليوم هو نفسه الشيء الذي يمنعنا غدًا من نجاحٍ أكبر   ؟
السؤال يبدو غريبًا في بدايته   ..
فنحن اعتدنا أن نرى النجاح بابًا يُفتح   ..
وطريقًا يتسع   ..
ودرجةً تقود إلى درجة   ..
لكن بعض النجاحات لا تفعل ذلك   ..
بعضها ينجح مرة   ..
ثم يستقر في مكانه طويلًا   ..
حتى يتحول من نعمة إلى إقامة دائمة   ..
ومن محطة إلى نهاية   ..
ومن إنجاز جميل إلى شيءٍ يستهلك صاحبه كلّه   ..
وهنا تبدأ حكاية النجاح اليتيم   ..
النجاح اليتيم ليس نجاحًا فاشلًا   ..
ولا نجاحًا قليل القيمة   ..
ولا هو شيء ينبغي أن نخجل منه   ..
هو نجاحٌ حقيقي   ..
لكنه وُلد وحده   ..
لم يتبعه نجاح آخر   ..
ولم يفتح لصاحبه نوافذ جديدة   ..
ولم يتحول إلى مهارة تُنتج مهارات   ..
ولا إلى خبرة تصنع خبرات   ..
حتى أصبح الإنسان بعد سنوات يكتشف أنه كان يستطيع أن يذهب أبعد بكثير   ..
لكنه ظل واقفًا عند أول محطة وصل إليها   ..
وهذه الفكرة هي التي ظل الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني يعود إليها   ..
وهو يضع يده على منطقة دقيقة في حياة الإنسان   ..
الفرق بين أن تنجح مرة أو مرتين   .. وبين أن تمتلك مهارات تحقيق النجاح   ..
فكل إنسان   ..
كما يقول   ..
لا يخلو من نجاح   ..
صغيرًا كان أو كبيرًا   ..
قد ينجح في دراسة   ..
أو وظيفة   ..
أو مشروع   ..
أو علاقة   ..
أو مهمة   ..
أو موقف   ..
وقد يكون هذا النجاح كافيًا ليفرح به الإنسان ويعتز به   ..
وهذا حقه   ..
لكن السؤال الأعمق ليس   :
هل نجحت   ؟
بل   :
هل أصبحت قادرًا على أن تنجح مرة أخرى   ؟
امتلاك مهارات النجاح يعني أن تستطيع أن تحقق نجاحات كثيرة   ..
ونجاحات واسعة   ..
وأن تملك ديمومة النجاح واستمراريته   ..
وأن تستطيع تجاوز العقبات التي تعترض طريقك   ..
وأن تخطط لنجاحات جديدة بطريقة ذكية   ..
وأن تعرف كيف تتكيف وتوائم بين قدراتك والتغيرات الجديدة في الحياة   ..
وأن تعرف الأشخاص الأكثر قوة وتأثيرًا ودعمًا لك   ..
وأن تميز الأماكن والأوقات التي يكون فيها نجاحك أكثر فاعلية   ..
وأن تعرف العادات والممارسات الخاطئة التي تقلل من نجاحاتك وتضعف توهجها   ..
وأن تعتني بصوتك الأقوى ومهاراتك الأكثر تأثيرًا في صناعة نجاحات جديدة   ..
هذه النقاط العشر وصفها الدكتور مسفر بأنها «دستوري الشخصي في رحلة النجاح»   ..
والأجمل في هذا الدستور أنه لم يقدمه من برجٍ عالٍ   ..
ولا بوصفه شهادةً مكتملة عن ذاته   ..
بل قال بصدق   :
«لا أدعي أنها تتوافر لدي   .. لكن يكفي أنها حاضرة كل الوقت في عقلي»   ..
وهذه الجملة وحدها تستحق أن نتوقف عندها   ..
فربما لا يكون الإنسان ناجحًا لأنه يمتلك الإجابات كلها   ..
وإنما لأنه يعرف الأسئلة التي ينبغي ألا يغفل عنها   ..
حتى حين يفشل   ..
لا يبحث مباشرة عن شماعة يعلق عليها فشله   ..
بل يقول إن التوفيق بيد الله سبحانه وتعالى   ..
ثم يعود إلى نفسه ليتساءل   :
أين قصرت   ؟
أيّ نقطة من هذه النقاط العشر لم أعتنِ بها كما ينبغي   ؟
هنا يصبح الفشل معلّمًا   ..
لا جلادًا   ..
ويصبح النجاح مراجعةً مستمرة   ..
لا صورةً معلقة على الجدار   ..
ولكل إنسان فلسفته الخاصة في النجاح   ..
لكن المشكلة تبدأ حين يختصر الإنسان حياته كلها في بعد واحد   ..
ثم يظن أنه وصل   ..
قد ينجح الإنسان في عمله الوظيفي   ..
ويحصل على منصب جيد   ..
ويصبح معروفًا ومؤثرًا في محيطه   ..
ثم يكتشف بعد سنوات أن قدراته كانت مهيأة لنجاحات أوسع   ..
وأن المهارات التي امتلكها في طريقه كانت تستطيع أن تفتح له أبوابًا أخرى   ..
لكنه منح كل عمره لذلك النجاح الواحد   ..
وهنا تظهر خطورة ما سماه الدكتور مسفر   :
«النجاح الذي يمنع النجاح»   ..
تخيل إنسانًا أصبحت وظيفته معه في صحوه ونومه   ..
في أكله وشربه   ..
في حديثه وقلقه وتفكيره   ..
كل شيء في يومه يدور حولها   ..
فإذا جاءت فرصة أخرى   ..
صرف النظر عنها   ..
وإذا لمح مجالًا جديدًا   ..
قال   :
ليس الآن   ..
وإذا وجد مهارة يمكن أن يتعلمها   ..
أجّلها   ..
وإذا ظهرت أمامه مساحة أخرى من الحياة   ..
لم يرها أصلًا   ..
لأن النجاح الأول ملأ عينيه حتى لم يعد يرى سواه   ..
هذا ليس فشلًا في الوظيفة   ..
قد يكون نجاحًا وظيفيًا ممتازًا   ..
لكن المشكلة أن النجاح الوظيفي ابتلع الإنسان   ..
ولهذا كان حديث الدكتور مسفر عن النجاح الشمولي متعدد الأبعاد مختلفًا عن فكرة التشتت   ..
فهو لا يدعو الإنسان إلى أن يبعثر وقته في عشرات الاتجاهات   ..
ولا أن يطارد كل فرصة   ..
ولا أن ينهك نفسه تحت شعار   :

«أريد أن أنجح في كل شيء»   ..
بل يقول شيئًا أكثر حكمة   ..
أن تنجح في أبعاد جديدة يسمح لها وقتك وجهدك وصحتك ومسؤولياتك الدينية والاجتماعية والشخصية   ..
وهنا يكمن الفرق بين التوسع والتشتت   ..
أن تعرف متى تقول نعم   ..
ومتى تقول ليس الآن   ..
أن تعرف ما الذي يناسبك   ..
وما الذي يستهلكك   ..
أن تعرف متى يكون التركيز حكمة   ..
ومتى يصبح التركيز نفسه سجنًا   ..
وقد التقطت الأستاذة وضحاء القحطاني المعنى بدقة حين قالت إن المقصود ليس أن يختزل الإنسان جهده وشغفه في مكان معين   ..
بحيث تصبح المحطة التي كان يفترض أن تقوده إلى نجاح آخر هي نفسها التي تقيده في مكان واحد   ..
فالنجاح الأول ينبغي أن يكون محطة   ..
لكنه يستطيع أن يكون أيضًا انطلاقة تفتح مدى أوسع من النجاحات   ..
وأضافت معنى بالغ الأهمية   ..
إن تعدد النجاحات ليس بالضرورة تشتتًا   ..
إذا كان تخطيطًا مدروسًا ومرونةً في استغلال المهارات من غير ضغط أو إنهاك   ..
ثم كشفت شيئًا من تجربتها حين قالت إنها تقف دائمًا عند عتبات التأجيل والانتظار   ..
وأنها ترى أن هذين الأمرين كانا مما قيّدها في دوائر محددة   ..
وهنا نصل إلى قيدٍ آخر لا يُرى بسهولة   ..
أن ينتظر الإنسان كثيرًا حتى يفوته العمر الذي كان يستطيع فيه أن يبدأ   ..
فالنجاح لا يقتل النجاح وحده   ..
أحيانًا يقتله التأجيل   ..
وأحيانًا تقتله الشبهة التي نسجها الإنسان في رأسه   ..
وأحيانًا يقتله خوفه من أن يترك المكان الذي عرف فيه نفسه ناجحًا إلى مكان لم يختبر نفسه فيه بعد   ..
وضرب الدكتور مسفر مثالًا قريبًا جدًا من الحياة   ..
محل يبيع الرطب والتمر والليمون   ..
بينما بجواره محل خضار متكامل   ..
يستطيع الزائر أن يجد فيه أشياء كثيرة   ..
فالمشكلة ليست أن الرطب أو التمر أو الليمون منتجات سيئة   ..
بل أن الاقتصار على جزئية واحدة قد يجعل الأرباح محدودة   ..
بينما إضافة منتجات أخرى قد تجعل الزائر يجد ما يحتاج إليه في المكان نفسه   ..
ثم استدرك بفكرة مهمة   ..
إذا كان تخصصك الواحد قد صنع لك علامة حقيقية   ..
وصار الناس يأتون إليك من أجله تحديدًا   ..
فلا مشكلة   ..
لكن ليس كل نجاح واحد علامةً مسجلة   ..
وهذه العبارة تصلح أن تكون ميزانًا لكثير من حياتنا   ..
ليس كل تخصصٍ ضيق تميزًا   .. وليس كل تنوعٍ تشتتًا   ..
المعيار هو الأثر   ..
ثم جاءت الصورة الأخرى الأكثر إيلامًا   ..
الإنسان الذي يخرج من وظيفته بعد سنوات طويلة   ..
فيشعر بالغضب والنقمة   ..
لأنه كان ينتظر أن تكافئه الوظيفة على كل ما قدمه   ..
وكأنه كان يعمل مجانًا   ..
وكأن المؤسسة مدينة له بكل عمره   ..
هنا سأل الدكتور مسفر سؤالًا ضمنيًا شديد الأهمية   :
ماذا بقي لك بعد الوظيفة   ؟
إذا كانت الوظيفة هي نجاحك الوحيد   ..
فقد يكون خروجك منها أشبه بانطفاء المصباح كله   ..
أما إذا كنت قد صنعت في حياتك نجاحات أخرى   ..
وعلاقات إنسانية حقيقية   ..
ومعرفة   ..
ومهارات   ..
ومشاريع   ..
وأثرًا   ..
وذاتًا جميلة   ..
فإن الوظيفة تغادر مكانها الطبيعي   :
جزء من حياتك   .. لا حياتك كلها   ..
واستشهد الدكتور مسفر بما قاله الأستاذ عبدالله جمعة عن سنوات عمله الطويلة   ..
حين ذكر أنه في فترة من حياته كان يعيش امتيازات السفر والدرجة الأولى والسيارات التي تنتظره في المطارات   ..
ثم بعد خروجه من أرامكو تغيّر كل شيء   ..
حتى أصبح يسعى إلى الحصول على مقعد في الدرجة السياحية   ..
لم يكن المثال عن الطائرة   ..
كان عن شيء أعمق   :
لا تجعل الامتياز الذي يمنحك إياه منصبك دليلًا على قيمتك الشخصية   ..
فالمنصب قد يمنحك أبوابًا تفتح لك   ..
وأشخاصًا يسألون عنك   ..
وخدماتٍ تُقدَّم لك   ..
لكن حين ينتهي المنصب   ..
يبقى السؤال الحقيقي   :
من أنت   ؟
وما الذي بقي منك   ؟
وهنا تأتي واحدة من أجمل الأفكار في الحوار   ..
أن احترام الإنسان لا ينبغي أن يكون مرهونًا بوظيفته   ..
أن يخدمك شخص لأنك رئيس   ..
أو مدير   ..
أو صاحب منصب   ..
شيء   ..
وأن يحترمك لأنك إنسان يستحق الاحترام   ..
شيء آخر   ..
الأول قد ينتهي بانتهاء البطاقة الوظيفية   ..
أما الثاني فيبقى   ..
ولهذا فإن تعدد النجاح ليس مجرد كثرة إنجازات   ..
إنه أيضًا حماية للذات من أن تختصر قيمتها في لقب   ..
ومن هنا امتد الحديث إلى العمل نفسه   ..
وإلى ذلك الولاء الذي قد ينقلب   ..
إذا أسيء فهمه   ..
إلى استنزاف   ..
يقول الدكتور مسفر إن بعض الناس يقولون   :
«أنا طول وقتي في المدرسة»   ..
فيسأل   :
ومن الذي طلب منك أن تكون كل وقتك في المدرسة   ؟
هناك دوام محدد   ..

وهناك عمل يؤدى بإخلاص   ..
وهناك وقت ينتهي فيه العمل   ..
أما أن يتحول الإنسان إلى شخص يعيش داخل وظيفته   ..
ثم يمنّ عليها بأنه قدم عمره كله   ..
فهذه ليست بالضرورة بطولة   ..
قد تكون علامة على أنه لم يبنِ نجاحًا آخر   ..
وقد يكون ولاؤه للمكان جميلًا   ..
لكن الولاء لا يعني أن تهب المؤسسة كل ساعاتك   ..
ثم تكتشف بعد سنوات أنك لم تترك لنفسك شيئًا   ..
ومن هنا اتسع الحديث إلى معنى أكبر من الوظيفة نفسها   ..
الوطن   ..
وإلى الطريقة التي ينبغي أن نعلّم بها أبناءنا معنى العطاء والانتماء   ..
كان الدكتور مسفر يتوقف عند تلك العبارة التي قد يرددها الإنسان بعد سنوات من العمل   :
«خدمنا الوطن ثلاثين سنة»   ..
وكأن ما قدمه أصبح رصيدًا يطالب به   ..
وكان يرى أن العطاء للوطن لا ينبغي أن يتحول إلى منّة   ..
فحين يقول الإنسان   :
ماذا قدمتُ للوطن؟
عليه أن يتذكر أيضًا ما منحه الله له في وطنه من راتبٍ كريم   .. وأمنٍ واستقرار   .. ونعمٍ كثيرة   ..
ثم يسأل نفسه السؤال الأجمل   :
ماذا أستطيع أن أقدّم له؟
وهذا ما ينبغي أن نغرسه في أبنائنا   ..
أن يعرفوا نعمة وطنهم   ..
وأن يكونوا نافعين فيه   ..
مخلصين في أدوارهم   ..
شاكرين نعمته   ..
وأن يظهر أثر انتمائهم في أعمالهم وأخلاقهم وتربيتهم   ..
لا في تعداد ما قدموه وانتظار الاعتراف به   ..
فليست القضية أن نتوقف عن العطاء   .. بل أن نتوقف عن المنّ بالعطاء .
ومن أجمل ما قاله الدكتور مسفر في هذا السياق أن النجاح الحقيقي الذي نتحدث عنه هو النجاح الشخصي الذي يُنسب إليك وتتحمل مسؤوليته   ..
لا النجاح العام الذي شارك فيه مئات الأشخاص ثم جاء أحدهم لينسبه إلى نفسه   ..
فنجاح وزارة   ..
أو إدارة تعليم   ..
أو مدرسة   ..
أو فريق   ..
لا يصح أن يختزل في شخص واحد   ..
قد تكون شريكًا في نجاحه   ..
وقد تكون جزءًا منه   ..
وقد تكون مؤثرًا فيه   ..
لكن النجاح الشخصي هو الذي خططت له   ..
وعملت له   ..
واستطعت أن تقول عنه   :
هذا أثر جهدي   ..
وهذا ما أتحمل مسؤوليته   ..
وهنا فرّقت الأستاذة دلال الحميضي بين تعدد النجاحات وبين تشتيت الجهد من واقع خبرتها في الإشراف   ..
فقد كان هدفها أن تعدد النجاحات في مدارس كثيرة   ..
لكنها وجدت أن كثرة الدوائر قد ترهق الإنسان وتضعف النتاج   ..
بينما التركيز على نجاح واحد في نطاق محدد يمنح فرصة للتخطيط والمتابعة والقياس والتطوير والديمومة   ..
وكانت تجربتها هي التي جعلتها تطلب الترشيح لمدرسة تكون مديرة فيها   ..
لتستطيع أن تركز   ..
وتخطط   ..
وتتابع   ..
وتقيس الأثر   ..
وتسعى إلى التطوير   ..
وهنا صحح الدكتور مسفر زاوية النظر بدقة   :
هذا كله   ..
مهما تعددت مستوياته   ..
ما زال داخل النجاح الوظيفي   ..
مشرفة   ..
مديرة   ..
وكيلة   ..
معلمة   ..
مساعدة إدارية   ..
كلها دوائر داخل النجاح الوظيفي   ..
أما حديثه فكان عن شيء آخر   :
النجاح الشخصي   ..
والفارق بينهما ليس بسيطًا   ..
حين تنجح مدرسة   ..
فهناك مدير   ..
ومعلمون   ..
وطلاب   ..
وأسر   ..
وإدارة تعليم   ..
وبيئة   ..
ومنظومة كاملة   ..
وحين ينجح كتاب شارك في تأليفه ألف شخص   ..
لا يستطيع أحدهم أن يقول   :
أنا سبب نجاح الكتاب   ..
النجاح الذي يبحث عنه الدكتور مسفر هو النجاح الذي يستطيع الإنسان أن ينسبه إلى نفسه بصدق   ..
كما يستطيع أن ينسب إليه الفشل بصدق   ..
وهذا الفهم وحده يحمينا من وهم خطير   ..
أن نخلط بين كوننا جزءًا من نجاح كبير   ..
وبين امتلاكنا القدرة على صناعة نجاح شخصي مستقل   ..
ثم عاد الحوار إلى نقطة أكثر عمقًا   :
النجاح منظومة   ..
وكان الدكتور مسفر قد ذكر رؤيته الشخصية للنجاح بوضوح   :
النجاح = عقلية نجاح + نفسية نجاح + جسدية نجاح   ..
ثلاثة أشياء   ..
إذا اختل أحدها   ..
اختل شيء من المعادلة   ..
فالعقل الذي لا يرى الفرص قد يملك الطاقة لكنه لا يعرف أين يذهب   ..

والنفس التي أنهكها الخوف والتردد والتأجيل قد ترى الطريق ولا تملك القدرة على السير فيه   ..
والجسد الذي أُهمل طويلًا قد لا يحمل العقل والنفس إلى المكان الذي يريدان الوصول إليه   ..
وهكذا لا يصبح النجاح مجرد إنجاز خارجي   ..
بل حالة متكاملة يعيشها الإنسان من الداخل إلى الخارج   ..
العقل يرى   ..
والنفس تحتمل   ..
والجسد يحمل   ..
ثم تأتي بقية المهارات لتصنع الطريق   ..
ولهذا كانت عبارة الأستاذة وضحاء   :
«أحيانًا النجاح فقط يحتاج رؤية واضحة»   ..
تختصر بابًا كاملًا من الحديث   ..
فكم من إنسان يملك الهمة   ؟
وكم من إنسان يملك القدرة   ؟
وكم من إنسان يملك الرغبة   ؟

ثم لا يصل   ..
ليس لأنه عاجز   ..
بل لأنه لا يعرف الطريق   ..
قد تكون لديه طاقة عظيمة   ..
لكنه يخرج يمينًا حين يكون الطريق يسارًا   ..
ثم يعود   ..
ثم يجرب طريقًا آخر   ..
ثم يلوم نفسه لأنه لم يصل   ..
وهنا تصبح الأسئلة أهم من الشعارات   ..
وهذا ما أشار إليه الدكتور مسفر حين تحدث عن التعلم الذاتي   ..
وعن تلك الخانات الأربع التي تفتح للحوار أبوابًا أوسع   :
ماذا تعرف   ؟ ماذا تريد أن تعرف   ؟ ماذا عرفت   ؟ وكيف تعرف أكثر   ؟
وهنا تظهر قيمة الحوار   ..
فالفكرة التي يقدمها الإنسان ليست نهاية الحديث   ..
إنها بدايته   ..
ما يدور في رأس الدكتور مسفر قد يكون مهمًا   ..
لكن ما يدور في رؤوس الأستاذات وضحاء   ..
ودلال   ..
وآمال   ..
وعفاف   ..
وشريفة   ..
وليلى   ..
وأمينة   ..
وغيرهن   ..
قد يفتح زاوية لم تكن حاضرة في الفكرة الأولى   ..
ولذلك قال إن السؤال الجيد لا يقل أهمية عن الإجابة   ..
قد يقدم شخص فكرة   ..
ثم يأتي سؤال واحد فيوسعها   ..
ويكشف فيها طريقًا جديدًا   ..

ويجعل المتحدث نفسه يرى فكرته بطريقة لم يرها من قبل   ..
وهنا لا يعود الحوار تبادلًا للكلام   ..
بل يصبح توسيعًا للعقل   ..
ولهذا أيضًا كان الدكتور مسفر حريصًا على ألا يأخذ الإنسان نجاحه من شخص لم يعش تجربة النجاح نفسها   ..
ليس بمعنى أن الفكرة لا قيمة لها إذا جاءت من شخص لم يحققها   ..
فقد تلهمنا فكرة عظيمة من إنسان لم يعشها   ..
لكن التجربة العميقة تمنح الرؤية شيئًا آخر   ..
إنسان مارس   ..
وأخطأ   ..
وفشل   ..
وعدّل   ..
وأعاد   ..
وصبر   ..
ونجح   ..

يعرف الطريق بطريقة مختلفة   ..
ليس لأنه أفضل من الآخرين   ..
بل لأنه مشى فيه   ..
وهذا يقودنا إلى مشكلة أخرى تكاد تكون وباءً في حديث الناس عن النجاح   ..
أن يتحول النجاح إلى استعراض للذات   ..
يقول الدكتور مسفر   ..
بمعنى شديد الوضوح   ..
لا تأتِ لتقول للناس   :
أنا مدرب ناجح   ..
حققت نجاحات كثيرة   ..
عندي مئات المتدربين   ..
بل الملايين   ..
واجهت صعوبات   ..
وحسدني الناس   ..
واجتمعت عليّ الدنيا كلها   ..
ثم ماذا   ؟
ماذا سيستفيد الإنسان الذي أمامك   ؟
لقد عرف أنك نجحت   ..
لكن هل عرف كيف ينجح   ؟
هل أعطيته طريقًا   ؟
هل أخبرته أين أخطأت   ؟
هل كشفت له قرارًا ندمت عليه   ؟
هل قلت له عن فرصة أضعتها بسبب سوء التخطيط   ؟
هل أخبرته أنك خسرت برنامجًا لأنك ضقت صدرًا أو انفعلت أو صرخت حين لم يكن هناك داعٍ   ؟
هل قلت له إنك وضعت إعلانًا ووعدت الناس بأشياء ثم اكتشفت أن ما قدمته لم يكن بالمستوى   ؟
هل قلت له إنك دخلت برنامجًا لم تكن متقنًا له   ؟
هل قلت له عن النظرة التي قرأتها في عين متدرب وظلت معك   ؟
هنا فقط يبدأ نفع النجاح   ..
لأن الناس لا يحتاجون إلى مشاهدة ميدالياتك   ..
يحتاجون إلى خريطة   ..
لا يحتاجون أن تقول لهم كم كنت عظيمًا   ..
يحتاجون أن تقول لهم أين كنت ضعيفًا   ..
وكيف أصبحت أقوى   ..
لا يحتاجون إلى سماع عدد انتصاراتك   ..
يحتاجون إلى معرفة الأخطاء التي كان يمكن أن توفر عليهم سنوات   ..
وهذه واحدة من أجمل هدايا الإنسان لغيره   :
أن يحول ندوبه إلى علامات طريق   ..
وقد اعترف الدكتور مسفر بتجربة من بداياته   ..

دخل برنامجًا لم يكن متمكنًا منه بما يكفي   ..
وكان وراء ذلك الطمع وإصرار المركز التدريبي على أنه كفؤ وقادر   ..
واجتمعت الرغبتان في لحظة لم تكن موفقة   ..
لكنه خرج منها بدرس لم ينسه   ..
قرأ نظرة في عيون أحد المتدربين   ..
نظرة لا يمكن أن ينساها   ..
وكانت تلك النظرة درسًا أعمق من كثير من الشهادات   ..
علّمته أن البرنامج الذي لا يستطيع أن يقدمه فوق مستوى الامتياز   ..
عليه أن يتركه   ..
وأن ينجح في البرامج التي يجيدها   ..
وألا يخضع لإصرار مركز يريد أن يحقق مكاسب منه مهما كان الموضوع   ..
وهنا تتحول التجربة المريرة إلى شيء جميل   ..
ليس لأن الألم جميل   ..
بل لأن الإنسان استطاع أن يستخرج منه معرفة تنقذ غيره   ..
ثم روى تجربة أخرى تتصل بالحقيبة التدريبية   ..
حين كان في برنامج في جدة   ..
وحين بلغ المقابل مبلغًا كبيرًا   ..
قرر بعض الحضور أنهم كانوا مستعدين للخروج بسبب مدرب لم يكن متمكنًا من الحقيبة التدريبية   ..
رغم حمله درجة الدكتوراه   ..
ثم تحدث عن موقفه هو حين رفض أن يقدم الحقيبة تحت ضغط الجهة المنظمة   ..
لم يكن يروي ذلك ليبرئ نفسه   ..
بل ليقول   :
لا تخدعك الشهادة   .. ولا يغريك المال   .. ولا تجعل إصرار المركز عليك دليلًا على أنك جاهز   ..
قد يكون المركز يريد مكسبه   ..
وقد يريد المدرب مكسبه   ..
لكن المتدرب جاء يبحث عن قيمة   ..

وإذا غابت القيمة   ..
فلن تنقذها الألقاب   ..
وهنا تعود «قاعدة عشرين عشرين» التي تحدث عنها الدكتور مسفر في حواراته السابقة   ..
لا تجعل التدريب مساحةً تقول فيها   ..
«أنا فعلت   .. وأنا حققت   .. وأنا قدمت   .. وأنا أنجزت»   ..
المتدرب لا يأتي ليشاركك سيرتك الذاتية   ..
هو يأتي وفي يده حياته   ..
يريد شيئًا يغير فيها   ..
وهذا هو الفارق بين مدرب يتحدث عن نجاحه   ..
ومدرب يمنحك أدوات نجاحه   ..
الأول يقول   :
انظر ماذا فعلت   ..
والثاني يقول   :
تعال   ..
سأريك كيف فعلت   ..
وأين أخطأت   ..
وما الذي تعلمته   ..
وأين يجب أن تنتبه   ..
الأول يتركك منبهرًا به   ..
والثاني يتركك أقوى بنفسك   ..
وهنا ربما يكون السؤال الأجمل   :
أي نجاح تريد   ؟
نجاحًا يصفق له الناس ثم ينصرفون   ؟
أم نجاحًا يبقى فيك حين لا يكون هناك أحد يصفق   ؟
نجاحًا يجعلك مشهورًا في مكان واحد   ؟
أم نجاحًا يجعلك قادرًا على صناعة أثر في أكثر من مساحة   ..
بالقدر الذي تسمح به حياتك وصحتك ووقتك ومسؤولياتك   ؟

نجاحًا يجعلك تقول   :
أنا نجحت   ؟

أم نجاحًا يجعلك تقول   :
أصبحت أعرف كيف أنجح   .. وأعرف أيضًا كيف أنهض إذا لم أنجح   ؟
ربما ليست المشكلة أن لدينا نجاحًا واحدًا   ..
ربما المشكلة أن بعضنا أعطى نجاحه الأول كل شيء   ..
حتى لم يبقَ لنفسه شيء   ..
أعطاه وقته كله   ..
وفكره كله   ..
ومشاعره كلها   ..
وطاقته كلها   ..
حتى صار إذا خرج من الوظيفة خرج من هويته   ..
وإذا انتهى المنصب انتهى شعوره بقيمته   ..
وإذا أغلق المشروع أغلق معه باب الحياة   ..
وهنا يصبح النجاح يتيمًا بالفعل   ..
لأنه لم ينجب نجاحًا آخر   ..
لم يعلّم صاحبه كيف يبدأ من جديد   ..
لم يمنحه مهارةً قابلةً للانتقال   ..
لم يترك له ذاتًا تستطيع أن تقول   :
إن سقط هذا الباب   ..
فهناك أبواب أخرى بنيتها بيدي   ..
ولذلك فالنجاح الحقيقي ليس أن تمتلك شيئًا واحدًا ناجحًا   ..
بل أن تمتلك الإنسان القادر على إعادة صناعة النجاح   ..
أن تصبح أنت رأس المال   ..
إذا تغيرت الوظيفة بقيت   ..
إذا انتهى المنصب بقيت   ..
إذا سقط مشروع بدأت من جديد   ..
إذا أغلقت مؤسسة بحثت عن طريق آخر   ..
إذا أخطأت تعلمت   ..
إذا فشلت راجعت   ..
إذا تأخرت بدأت   ..
إذا تغيرت الحياة تكيفت معها   ..
وإذا اكتشفت أن نجاحًا قديمًا صار يضيق عليك   ..
امتلكت الشجاعة والوعي لتعيد ترتيب حياتك دون أن تهدم ما بنيته   ..
وهنا لا يعود النجاح قمةً يصل إليها الإنسان ثم ينزل   ..
بل يصبح طريقة مشي   ..
عقلية   ..
ونفسًا   ..
وجسدًا   ..
وعادةً في التخطيط   ..
وفنًا في التكيف   ..
وقدرةً على قراءة الفرص   ..
ووعيًا بمن يعينك   ..
ومعرفةً بما يضعفك   ..
وصوتًا داخليًا يعرف أين قوته   ..
وقبل ذلك كله   ..
توفيقًا من الله سبحانه وتعالى   ..
فالإنسان يخطط   ..
ويسعى   ..
ويتعلم   ..
ويجتهد   ..
لكن التوفيق بيد الله   ..
ولعل أجمل ما في رؤية الدكتور مسفر أنه لم يقدم النجاح كصورة مكتملة عن نفسه   ..
بل كفكرة يعيشها ويعيد مراجعتها   ..
قال بوضوح إنه لا يدعي امتلاك هذه النقاط العشر كلها   ..
وإنما يكفيه أنها حاضرة في عقله   ..
وهذا هو الإنسان الذي يمكن أن يتعلم   ..
الذي لا يقول   :
وصلت   ..
بل يقول   :
ما زال في الطريق شيء لم أعرفه   ..
وما زالت في نفسي مساحة تحتاج إلى إصلاح   ..
وما زالت هناك نجاحات لم أولدها بعد   ..
ولعل هذا هو الفارق الحقيقي بين إنسان يملك نجاحًا   ..
وإنسان يمتلك قابلية النجاح   ..
فالأول قد يروي لك قصةً جميلة عن الماضي   ..
أما الثاني   ..
فيستطيع أن يصنع معك مستقبلًا جديدًا   ..
وفي نهاية هذا الحوار   ..
لا أظن أن السؤال الذي ينبغي أن يبقى معنا هو   :
كم مرة نجحت   ؟
بل سؤال آخر   ..
أكثر قسوةً وصدقًا   :
لو سقط نجاحك الأول غدًا   .. فكم نجاحًا آخر ستستطيع أن تصنع   ؟
وإذا كانت الإجابة لا تزال مرتبكة   ..
فربما لم تكن مشكلتك أنك لم تنجح بما يكفي   ..
ربما كانت مشكلتك أنك نجحت مرة واحدة   .. ثم توقفت عن تعلّم كيف تنجح   ..
أما إذا استطعت أن تبدأ من جديد   ..
وتتعلم من فشلك   ..
وتحافظ على صحتك   ..
وتبني نفسك   ..
وتوسع مهاراتك   ..
وتعرف حدودك   ..
وتحسن اختيار الناس والفرص والأوقات   ..
وتترك للوظيفة مكانها الطبيعي   ..
وللأسرة حقها   ..
ولروحك حقها   ..
ولجسدك حقه   ..
ولحياتك مساحات لا تبتلعها مهنة ولا منصب   ..
فهنا فقط يبدأ النجاح الذي لا يُسمى يتيمًا   ..
لأنه لم يعد نجاحًا واحدًا   ..
صار منظومة حياة   ..
وصار كل نجاح يفتح بابًا لنجاح آخر   ..

وكل تجربة تضيف مهارة   ..
وكل عثرة تمنح بصيرة   ..
وكل مرحلة تُنضج الإنسان الذي سيصنع المرحلة التي بعدها   ..
وربما يكون أجمل نجاح يمكن أن يصل إليه الإنسان في آخر الطريق   ..
ليس أن يقول   :
لقد نجحت   ..
بل أن يلتفت إلى حياته كلها   ..
فيجد أن نجاحاته لم تكن جزرًا متباعدة   ..
بل كانت خيطًا واحدًا   ..
نسجه الله له من التجربة   ..
والسعي   ..
والتعلم   ..
والصبر   ..
والوعي   ..
والتوفيق   ..
ثم يكتشف   ..
متأخرًا أو مبكرًا   ..
أن أعظم إنجاز لم يكن في أي منصبٍ وصل إليه   ..
ولا في أي لقبٍ حمله   ..
ولا في أي تصفيقٍ سمعه   ..
بل في أنه أصبح إنسانًا يستطيع أن يصنع من كل نهاية بداية   ..
فهل نجاحك اليوم يفتح لك أبوابًا جديدة   ؟
أم أنك   ..
من حيث لا تشعر   ..
تقف على باب نجاحك الأول   ..
وتحرسه من الحياة   ؟

screenshot ٢٠٢٦٠٩٢١ ٠٨٣٢٤١ gallery

أثر لاينسى
جدة
السبت ٢٢ ربيع الثاني ١٤٤٨
٣ أكتوبر٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *