ليس كل من يروي تجربته … يملك الشجاعة أن يرويها كما كانت .
بعضهم يجمّل البدايات … وبعضهم يختصر الطريق … وبعضهم يقفز مباشرة إلى لحظة النجاح، وكأنها وُلدت مكتملة منذ أول خطوة .
لكن حين يتحدث الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني … فإنه لا يروي من القمة … بل يأخذنا إلى السفح ، إلى تلك اللحظات الأولى التي لم تكن مثالية ، إلى أخطاءٍ قد يخجل منها البعض … لكنه اختار أن يجعلها درسًا..
وهنا … يكمن الفرق .
فهو لا يقول لنا : “كونوا متواضعين” … بل يخبرنا : “لم أكن كذلك … حتى تعلّمت”.
لا يقدّم نموذجًا مكتملًا … بل يقدّم إنسانًا كان في طور التشكّل ، وقع … وانتبه … وتغيّر .
وفي هذا الصدق تحديدًا … تولد القيمة .
لأن الرسالة التي تصلنا من بين سطور تجربته ليست أن الإخفاق عيب … بل أن العيب الحقيقي هو أن نرى الخطأ … ثم نُصرّ عليه .
وليست المشكلة أن نجهل أنفسنا في البدايات … بل أن نرفض من يكشفها لنا .
كم من معلمٍ مرّ بموقفٍ عابر … فمرّ معه بلا أثر ، وكم من آخر توقّف عنده … فغيّر به مسار حياته .
الفارق ليس في الموقف … بل في القلب الذي استقبله .
وهنا تظهر ملامح شخصية لا تتشكّل صدفة :
مرونة تقبل التوجيه … وشغف لا يكتفي بما لديه … وعقل يرى في النقد بابًا … لا تهديدًا .
لذلك … لم تكن هذه الحكاية مجرد “موقف صفّي” … بل كانت لحظة وعي ، لحظة أُزيل فيها “ورم البدايات” … ذلك الوهم الخفي الذي قد يسكن أي معلم ، فيقنعه أنه وصل … قبل أن يبدأ .
ومن هنا تبدأ الحكاية …
حكاية معلمٍ لم يكبر لأنه كان مميزًا فقط … بل لأنه تجرأ أن يرى نفسه كما هي … ثم اختار أن يتغيّر .
في كل سيرةٍ تربويةٍ عميقة … لا يكون التحوّل وليد يوم ، بل ثمرة لحظات صغيرة تتراكم بهدوء حتى تغيّر اتجاه الإنسان دون أن يشعر .
بل إن أكثر التحولات صدقًا … هي تلك التي لا يلاحظها صاحبها إلا متأخرًا .
الحياة التربوية لا تعترف بالبدايات المضيئة وحدها … بل تختبرها ، وتكشف ما خلفها بهدوء شديد ، حتى يتعلم الإنسان أن الكفاءة ليست لحظة انبهار … بل رحلة وعي مستمرة .
ومن أخطر ما يمرّ على المعلم في بداياته … أن يظن أن التفوق الأكاديمي وحده يكفي لصناعة المعنى داخل الصف ، بينما الحقيقة أن الصف لا يُدار بالمعرفة فقط … بل بالبصيرة .
وهكذا يتحول الدرس كله من قصة معلم ومشرف … إلى رسالة أوسع :
أن التربية ليست أداءً يُعرض … بل مسؤولية تُعاش ، وأن الإنسان لا يُقاس بما يقدمه من شرح ، بل بما يحدثه من أثر في كل من حوله .
وهذه التجربة التي سنقرأها … ليست مجرد حكاية مهنية ، بل سيرة وعي إنساني ، تتجاوز حدود الصف ، لتصل إلى فهم أعمق لمعنى الإنسان حين يتعلّم أن يرى نفسه من جديد .
هكذا أخذنا الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني إلى بداية الطريق … لا إلى نهايته .
إلى تلك الأيام التي كان فيها المعلم ما يزال يتلمس خطواته الأولى ، يحمل حماسًا كبيرًا ، لكنه لم يكن يدرك بعد أن الحماس وحده لا يكفي .
يحكي عن نفسه … عن أسبوعين فقط قضاها في مدرسة مسائية ، يدخلها بعد الظهر ، ويخرج منها وقد سبق الليل خطاه ، مبنى مستأجر بلا روح ، كأن الجدران فيه صامتة أكثر مما ينبغي ، لا حياة فيه ، ولا ما يشبه الشغف الذي كان يتقد داخله .
ومن هنا بدأ الشعور …
ذلك الشعور الصادق الذي لا يخطئه الإنسان حين لا يكون في مكانه الصحيح .
لم يحتمل ذلك الانطفاء … فذهب إلى إدارة التعليم ، يحمل رغبة بسيطة في ظاهرها ، عميقة في حقيقتها : أن ينتقل إلى مدرسة صباحية تمنحه حياةً أكثر اتساعًا .
لم تكن الإجراءات معقدة ، سؤال عن السكن … ثم عرض لمدرسة في قرية قريبة لا تبعد سوى ثلاثة كيلومترات … فكان الجواب سريعًا : نعم .. وكان من حسن الحظ – وقبل ذلك توفيق الله – أن المدرسة كانت بحاجة إلى معلم لغة عربية ، فاجتمع السبب مع التيسير ، فجاءت الموافقة على نقله بسرعة لم يكن يتوقعها .
وكأن هذه الـ “نعم” لم تكن مجرد انتقال مكاني … بل كانت بداية انتقال داخلي لم يكن يدركه بعد .
تم النقل بسهولة بدت له مفاجئة ، وودّع مدرسته الأولى ، ومديرها الشاب الذي كان يحمل من الحماس والخلق ما جعل الفراق صعبًا ، لا لأن المكان مميز … بل لأن الإنسان فيه كان كذلك .
قلت له أنني لو ذهبت لكل مدارس المملكة لن أجد مديرا في رقيك وخلقك وحماسك ونشاطك …
ولم تكن تلك النهاية آخر ما بقي منه في الذاكرة …
فبعد سنوات ، حين عاد إليه القدر في لقاءٍ غير متوقّع ، وجده وقد تغيّرت ملامح الحياة عليه …
فقد بصره إثر حادثٍ أليم … لكنه لم يفقد روحه ، ولا دفء حضوره ، ولا تلك الحيوية التي كانت تملأ المكان ..وقد اصبح معلمًا للقرآن الكريم .
سلّم عليه … فسبقه صوته قبل عينيه ، وعاد إليه شيء من الزمن القديم ، بينما كان في داخله وجعٌ صامت … يستعيد به تلك الأيام القليلة التي كانت — رغم قصرها — ممتلئة بالأثر .
وهنا يتجلّى درس آخر لا يُقال كثيرًا :
أن بعض الناس … لا تتغيّر قيمتهم مهما تغيّرت أحوالهم ، فقد يفقد الإنسان بصره … لكنه لا يفقد بصيرته .
وهنا يتسلل معنى عميق :
أن العلاقات في الميدان التربوي لا تُقاس بالوظيفة … بل بالأثر .
ثم دخل مدرسته الجديدة …
قرية هادئة … معلمون من أهلها ، وآخرون من بلاد عربية متعددة ، خبرات متباينة ، وأجواء أقرب إلى الحياة … إلى البساطة التي تمنح المعلم مساحة ليكون .
وهنا … عاد الصوت الخفي من جديد :
“أنا متميز … أنا مختلف … أنا في مكاني الصحيح .”
ذلك الشعور الذي يزور كثيرًا من البدايات … ويحمل في داخله أول اختبار حقيقي .
حتى جاء اليوم الفاصل …
دخل مشرف اللغة العربية ، الفلسطيني ، الأستاذ عبدالحافظ – رحمه الله – جلس بصمت … يراقب … لا يقاطع … لا يعلّق .
وكان المعلم الشاب يشرح بثقة ، يسأل ، ويتلقى الإجابات بسرعة … لكن من طالب واحد فقط .وكان ذلك الطالب – كما يذكر لاحقًا – يجيب عن معظم الأسئلة بسرعة لافتة .. حتى ظن المعلم أنه بلغ غايته في إيصال المعلومة .. وقد أصبح هذا الطالب فيما بعد مهندسًا في أرامكو ..
وكان يعتمد – دون أن يشعر – على الأسئلة المباشرة التي تبحث عن إجابة سريعة أكثر مما تصنع تفكيرًا عميقًا .. فكانت تُظهر تميز هذا الطالب … وتُخفي احتياج البقية .. وقد يكون تميّزه امتدادًا لبيئةٍ داعمة أو جهدٍ سابق … لا نتيجة مباشرة لمهارات التدريس داخل الصف .
لكن تلك اللحظة كشفت له حقيقة أعمق : أن تميّز طالب واحد … لا يعني أن التعلم قد حدث للجميع.
طالب واحد … كان يختصر الفصل كله .
في ظاهر المشهد … كل شيء يبدو ناجحًا ، لكن في عمق التربية … كان هناك خلل لا يُرى بسهولة .
انتهت الحصة …
وانتظر المعلم كلمات الثناء … لكن السؤال جاء مختلفًا :
كم طالبًا تُدرّس ؟
“ثلاثين تقريبًا …”
فجاءت الجملة التي غيّرت كل شيء :
“لا … أنت تُدرّس طالبًا واحدًا فقط .”
لم يكن يوجّه بعلمٍ فقط … بل بحكمة ، لا يكتفي برصد الخطأ … بل يعرف كيف يصل إلى قلب من أمامه ، كيف يفتح له باب القبول ، وكيف يجعل من الملاحظة دافعًا لا عبئًا .
فالتوجيه الحقيقي … ليس كلمات تُقال ، بل فهمٌ عميق للإنسان … قبل الموقف .
في تلك اللحظة … لم يكن الصمت في الغرفة فقط ، بل في الداخل أيضًا .
لم يكن نقدًا عابرًا … بل إعادة تعريف كاملة لمعنى التدريس .. وكأن تلك الكلمات لم تُصحّح أداءه فقط … بل كشفت له وهمًا كان يسكن بداياته .. إذ أدرك أن تفوقه الأكاديمي .. وثناء أساتذته في مرحلة الإعداد .. لم يكن كافيًا ليصنع منه معلمًا حقيقيًا داخل الصف .
أدرك – كما يروي – أن المشكلة لم تكن في الشرح ، بل في “توزيع الحياة” داخل الصف .
كان يهرب – دون وعي – إلى الإجابة الأسرع، إلى الطالب الأقوى ، إلى الراحة الذهنية التي تختصر الوقت … لكنه في المقابل … كان يُقصي البقية .
وهنا حدث التحول .. بدأ يرى نفسه من زاوية لم يعتدها من قبل … زاوية الفقر لا الامتلاء .. وتساءل بصدق : من أين تعلّمت مهارات التدريس التي أظن أنني أمتلكها ؟ فلم يجد جوابًا ..
حينها فقط … بدأ الطريق الحقيقي .
لم يدافع … لم يغضب … بل أنصت .
وهذه اللحظة تحديدًا … هي التي تصنع الفارق بين معلمٍ يبقى كما هو ، ومعلمٍ يبدأ من جديد .
وصف تلك اللحظة بأنها أشبه باستئصال “ورم خفي” … ورم ليس في الجسد … بل في الفكرة ، في وهم البدايات … حين يظن الإنسان أنه اكتمل .
ومن هنا … لم يعد المشرف مقيّمًا … بل أصبح مرآة .
ولم تعد الزيارة عبئًا … بل فرصة .
بل وصل الأمر أن يقول له :
“لا تكفيني زيارة واحدة …”
فيجيبه المشرف بدهشة :
“أنت أول معلم يطلب أكثر من زيارة .” ولم يكن طلبه شكليًا .. بل كان يحرص على أن تتكرر الزيارة في أكثر من حصة .. وفي أكثر من فرع .. بحثًا عن مواضع ضعفه ورغبة صادقة في أن يُبنى من جديد .
فيرد بصدق نادر :
“بدأت أرى فقري … وأريد أن أتعلم .”
وهنا … يولد المعلم الحقيقي .
ليس حين يُحسن الشرح … بل حين يُحسن التعلّم .
ثم كأن الدكتور – وهو يروي تجربته – لا يكتفي بسرد الموقف … بل يهمس لنا بحقيقة أعمق ، حقيقة لا تُرى في الموقف وحده … بل في النفس التي تستقبله .
يقول لنا بوضوحٍ لا يحتمل التجميل : إن أكثر ما يحرم الإنسان من الاستفادة … ليس قلة الفرص ، بل حساسيته من النقد .
ذلك الشعور الخفي الذي يجعله يتهرّب ، أو يبرّر ، أو يظن أنه “ممتلئ” … بينما هو في الحقيقة يحمل “ورمًا” لا صحة .
فليس كل امتلاءٍ عافية … ولا كل ثقةٍ نضجًا .
وأحيانًا … يمرّ بنا من يستطيع أن يختصر علينا سنوات من التجربة ، لكننا – بدافع المكابرة – نغلق الباب ، فنخسره … ونخسر ما كان يمكن أن نتعلمه منه .
والحقيقة التي لا تُقال كثيرًا … أن الناس لا ينتظروننا طويلًا ، فمن لم يتعلّم … تجاوزه الطريق ، ومضى غيره .
ومع مرور السنوات …
غاب ذلك المشرف ، وجاء غيره ، زيارة سريعة ، تقييم مرتفع، كلمات جميلة … لكنها بلا روح .
وهنا يظهر وعي آخر :
أن التقييم الذي لا يلامس الحقيقة … لا يصنع معلمًا .
لم يفرح بالتقدير … بل شعر بفراغه .
لأنه ذاق من قبل طعم النقد الصادق … فلم يعد يقنعه المديح السريع .
ثم تعود الحياة لتفاجئه …
في مدرسة أخرى … وفي صباحٍ عادي …
يعود الأستاذ عبدالحافظ من جديد .
كأن الدرس لم ينتهِ بعد .
يقترب منه … يهمس :
“ما هذا الخطأ الذي لا يُغتفر ؟”
ويشير إلى لوحة في أعلى المبنى … فيها خطأ إملائي .
لم يكن الموقف توبيخًا … بل توسيعًا للدائرة .
أن تكون معلم لغة عربية … يعني أنك مسؤول عن كل حرف … لا عن حصتك فقط .
وعندما سأله : ماذا استفدت ؟
جاء الجواب وقد اكتمل النضج :
“تعلمت أنني مسؤول عن كل ما يُكتب حولي …”
فقال :
“لله درك … فهمت ما أريد.”
وهنا … تكتمل الحكاية .
لا عن درسٍ في الصف … بل عن إنسانٍ تعلّم كيف يرى .
تعلم أن المعلم لا يُصنع في لحظة تفوق … بل في لحظات تصحيح .
وأن النقد الصادق … قد يكون أعظم هدية .
وأن أثر المربين … لا يقاس بوجودهم … بل بما يتركونه فينا بعد أن يغيبوا .
ولكل مشرفٍ تربوي ، ولكل معلمٍ ، ولكل أبٍ وأم … هذه التجربة ليست للحكاية ، بل للوعي ؛ فكل من حولنا يحمل خبرة ، لكن قليلًا من يُحسن إنزالها في حياة من بعده ، وبين من يتعلم ، ومن يوجّه ، ومن ينقل الخبرة … تُبنى إنسانية الميدان ..
وفي النهاية …
لم تكن هذه قصة معلمٍ أخطأ … بل قصة معلمٍ شُفي .
شُفي من وهمٍ كان يمكن أن يكبر معه … لولا أن الله أرسل له من يوقظه في الوقت المناسب .
فبقي الأثر … وغاب الأشخاص … وبقيت الحكاية … درسًا لكل من يظن أنه وصل … قبل أن يبدأ .
✨ وبقيت التربية … موقفًا لا يُنسى
فبعض المعلمين … يفنون بأجسادهم … لكنهم يبقون أثرًا في كل من تعلّم منهم .
ولأن الوفاء لا يُختصر في الحكاية … ولا يُؤدّى بمجرد السرد … فإن من صنع هذا الأثر … يستحق أن يُذكر بالدعاء ، كما ذُكر بالأثر .
ذلك المعلم ، ذلك المشرف ، ذلك الإنسان الذي لم يكن عابرًا في حياة طلابه ومعلميه … بل كان نورًا يوقظ ، وقلبًا يعلّم ، وبصيرةً ترى ما لا يُرى .
رحم الله الأستاذ عبدالحافظ الحتة … رحمةً واسعة ، وجزاه عن كل كلمةٍ صادقة ، وكل توجيهٍ حقيقي ، وكل أثرٍ تركه في نفسٍ لم ينطفئ خير الجزاء ..وفي حديثه عنه وفاءٌ لا يفارقه .. ودعاءٌ لا يغيب ..رحمك الله استاذي العزيز عبدالحافظ الحتة وجعل الجنة دارك وبلغك بنصحك المثوبة والأجر العظيم .. وما أجمل هذا الأثر ..حين يبقى بعد الغياب .
اللهم كما فتح به أبواب الفهم لغيره … فافتح له أبواب رحمتك ، وكما زرع الوعي في قلوب من حوله … فاجعل له من كل أثرٍ نورًا لا ينقطع .
فبعض الناس … لا يرحلون ، بل يبقون فينا … دعاءً … وأثرًا … وحياة .
ولمن أراد أن يعيش تفاصيل هذا الموقف كما رواه الدكتور الفاضل مسفر بن ناصر القحطاني حفظه الله ، وأن يقرأه كما كُتب من قلبه لا كما نُقل عنه ، فليدخل إلى الحكاية من بابها الحقيقي ، حيث تُروى التربية كما تُرى لا كما تُختصر ، وتبدأ الحكاية من الوعي لا من السطر ..
أثر لا يُنسى
جدة … السبت ٨ ذو القعدة … ١٤٤٧ …
٢٥ أبريل ٢٠٢٦

