ليست كلُّ قشطةٍ تُباع في علبةٍ قشطةً كما نتخيّل ..
وليست كلُّ حصةٍ تُملأ بالأنشطة درسًا تعلّم فيه الطالب ..
وليست كلُّ دورةٍ تُعرض فيها الشرائح تدريبًا يستحق ما يُدفع فيه ..
قد تتشابه الأشياء في أسمائها وصورها .. حتى نظنّها واحدة .. ثم نكتشف حين نقترب منها أن بين الأصل والشبيه مسافةً لا تكشفها العبوات .. ولا العناوين .. ولا كثرة الحركة .
ومن هنا بدأت حكايةٌ طريفة في ظاهرها .. ثقيلةٌ في معناها .. حين تحدّث الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني عن دهشته من بعض المنتجات التي تُقدَّم بوصفها شبيهةً بمنتجات أخرى .. وعن تساؤله عمّا يدفع الإنسان إلى شراء ما يشبه الأصل بدلًا من الأصل نفسه .
لم تكن القشطة هي القضية التي أراد أن يقف عندها طويلًا .. بل كانت بابًا دخل منه إلى سؤال أكبر :
هل يمكن أن يكون في تعليمنا شيءٌ يشبه التدريس .. لكنه لا يمنح المتعلّم حقيقة التعلّم ؟
وهل يمكن أن تنشغل المدرسة بالحركة .. والاستراتيجيات .. والأنشطة .. وأوراق العمل .. فيما يظلّ العقل في المكان الذي كان فيه ؟
إنّ المشكلة ليست في أن يتحرّك الطالب .. ولا في أن تتنوّع طرائق التدريس .. ولا في أن تمتلئ الحصة بالمشاركة .. فكل ذلك قد يكون نافعًا حين يخدم غايةً واضحة .
المشكلة أن تصبح الوسيلة هي الغاية .. وأن نطمئنّ إلى المشهد لأنّه يبدو تعليميًّا .. من غير أن نسأل السؤال الذي ينبغي أن يسبق الاحتفال بكل هذه التفاصيل :
ماذا تعلّم الطالب حقًّا ؟
وما الذي أصبح قادرًا على فهمه .. وتحليله .. وتفسيره .. وتطبيقه بعد انتهاء الدرس؟
قد نرى طلابًا ينتقلون بين المجموعات .. ويجيبون عن الأسئلة .. ويشاركون في المسابقات .. وتتعالى أصواتهم بالحماس .. ثم نكتشف أن نصيبهم من التفكير أقلّ بكثير مما توحي به تلك الصورة النابضة بالحركة .
فليست كثرة النشاط دليلًا كافيًا على كثرة التعلّم .. كما أن امتلاء السبورة بالمعلومات لا يعني أن العقول قد امتلأت بالفهم .
وهنا وضع الدكتور مسفر إصبعه على موضعٍ يستحق أن نتأمله جميعًا :
قبل أن نتحدث طويلًا عن مهارات التفكير لدى الطلاب .. لنسأل عن مهارات التفكير لدى المعلم نفسه .
هل نحن أمام معلّم يتأمل ويفكّر .. أم معلّم يستدعي ويذكّر ؟
هل يعرف لماذا اختار هذه الاستراتيجية دون غيرها ؟
وهل يستطيع أن يفسّر ما يفعله .. ويبرّر اختياراته .. ويناقش فكرته .. ويعيد النظر فيها حين يظهر ما يستدعي ذلك ؟
أم أنه تعلّم مجموعةً من الإجراءات .. ثم أخذ يكرّرها لأنّه اعتادها .. أو لأنّها وردت في دليل .. أو لأنّها أصبحت من الممارسات المألوفة في الميدان ؟
كان الدكتور يرى أن الفارق بين النمطين قد يظهر في دقائق معدودة من الحوار :
في طريقة الكلام .. والتعليق .. وطرح الفكرة .. والتبريرات .. والتصورات .. وطريقة التفكير .. وكيفية التعامل مع المشكلات .
فالتفكير ليس مصطلحًا نضعه في عرضٍ تقديمي .. ولا عنوانًا نكتبه في خطةٍ تدريبية ..
إنه طريقةٌ تظهر في إجاباتنا .. وتنكشف في أسئلتنا .. وتتجلى حين نُطالَب بأن نوضّح ما نعرفه بدلًا من الاكتفاء بالقول إننا نعرفه .
وحين قالت إحدى المشاركات إن مهارات التفكير واضحة .. لكن بعض المعلمين لا يوظّفونها في الوقت المناسب .. لم يكتفِ الدكتور مسفر بالموافقة على العبارة .. بل أخذ يسأل :
ما هذه المهارات تحديدًا ؟
وما مثال إحداها ؟
وحين ذُكرت مهارات التفكير الإبداعي .. مثل الطلاقة والمرونة والأصالة .. طلب توضيح المقصود بها .
وحين قُدّم مثالٌ من درس الرابطة الفلزية .. تطلب فيه المعلمة من الطالبات ذكر أكبر عدد ممكن من خصائص الفلزات خلال دقيقة .. رأى أن هذا المثال أقرب إلى استدعاء المعلومات وتذكّرها منه إلى التفكير الذي يريد مناقشته .
لم يكن جوهر المسألة أن ننتصر في تعريفٍ أو نُحرج صاحبة إجابة .. بل أن نكتشف ما إذا كانت الكلمات التي نستخدمها تحمل في أذهاننا المعنى نفسه .
فقد نقول «تفكير إبداعي» .. و«تعليم نشط» .. و«فهم قرائي» .. ونظن أننا متفقون .. بينما يختلف تصور كل واحد منا عن الآخر اختلافًا كبيرًا .
وما لم ننتقل من الأسماء إلى المعاني .. ومن الشعارات إلى الأمثلة الدقيقة .. فقد نظل نتحدث اللغة نفسها .. لكننا لا نتحدث عن الشيء نفسه .
ولذلك كان السؤال عنده يتكرر بإصرار :
ما مهارات التفكير ؟
ما صورها ؟
ما أنواعها ؟
وإلى أي مرجع علمي نستند في معرفتها ؟
لم يكن يريد إجابةً تنتهي عند اسم مدرب .. أو عنوان منصة .. أو مقطعٍ شاهدناه .. أو تجربةٍ سمعنا عنها .
كان يريد أن يعرف المتحدث أين قرأ .. وما الذي رجع إليه .. وكيف توصّل إلى ما يقول .
فهناك فرقٌ بين أن نستفيد من خبيرٍ يشرح لنا موضوعًا .. وبين أن نجعل الخبير نفسه مرجعًا نهائيًّا لا يُسأل عمّا يستند إليه .
المدرب قد يدلّنا على الطريق .. لكن ذلك لا يعفيه ولا يعفينا من معرفة المصادر العلمية التي يقوم عليها الكلام .
وهنا ظهر جانبٌ مهم من الحوار :
ضرورة التمييز بين المصدر والمرجع .. وبين الرأي الشخصي والمعلومة التي تحتاج إلى سند .
فليس كل ما يقوله شخصٌ معروف حقيقةً علمية .. وليس كل ما نسمعه في دورةٍ تدريبية يصبح معرفةً راسخة لمجرد أننا دوّنّاه في دفاترنا .
قد يكون الكلام صحيحًا .. وقد يكون ناقصًا .. وقد يحتاج إلى مراجعة ..
ومن حقّ المتعلّم أن يسأل :
من أين جاءت هذه المعلومة ؟
وعلى أي دراسةٍ أو كتابٍ أو بحثٍ تقوم ؟
إنّ السؤال عن الدليل ليس إساءةً إلى المتحدث .. بل احترامٌ للعلم وللمتحدث معًا .
فالذي يثق في فكرته لا يحتاج إلى حمايةٍ دائمة من الأسئلة .. والذي يريد أن يتعلم لا ينبغي أن يخشى أن يكتشف أنه أخطأ .
إنما تبدأ المشكلة حين تتحوّل الفكرة إلى جزءٍ من كرامتنا الشخصية .. فيصبح الاعتراض عليها كأنه اعتراضٌ علينا .. ويغدو تصحيح المعلومة تهديدًا لصاحبها .
ومن هنا نفهم لماذا كان الدكتور مسفر حريصًا على أن تكون القروبات التي يشرف عليها مساحاتٍ للنقاش .. لا مجالس للمجاملة وحدها .
يقول بوضوح إن أحدًا لا ينبغي أن يترك له فكرةً تمرّ لمجرد أنه الدكتور .. وإنه لا يريد من المشاركين أن يسيروا خلف كلامه من غير سؤال .
بل يريدهم أن يناقشوه .. وأن يطلبوا منه الدليل .. وأن يصححوا له إذا أخطأ .
فالمعرفة لا تنمو حين نُصفّق لكل ما نسمع .. وإنما تنمو حين نُحسن الإصغاء .. ونفحص الفكرة .. ونقبل أن تتغيّر قناعاتنا إذا ظهر ما هو أقوى منها .
يجب أن نختلف لنصل ..
هذه العبارة تختصر جانبًا من فلسفة الحوار التي ظهرت في النقاش .
فالاختلاف ليس عيبًا في ذاته .. ولا دليلًا على سوء النية .. بل قد يكون الطريق الذي نكتشف به نقصًا لم نكن نراه .
أما أن نُسكت الأسئلة باسم الاحترام .. أو نرفض الرأي المختلف لأن صاحبه لا ينتمي إلى جماعتنا .. أو نعتبر نقد الممارسة انتقاصًا من أصحاب المهنة .. فذلك يحوّل الجماعة من بيئةٍ للتعلّم إلى مساحةٍ لتبادل الطمأنينة .
وحين تتحول القناعة إلى شيءٍ لا يجوز الاقتراب منه .. يصبح الإنسان أسيرًا لها .. حتى لو كانت خاطئة .
وقد يظلّ يكرّر الفكرة نفسها سنواتٍ طويلة .. لا لأنها صمدت أمام الفحص .. بل لأنها لم تتعرض له أصلًا .
لهذا حذّر الدكتور من الفكر الجمعي .. ومن ثقافة القطيع التي تجعل الإنسان يستمدّ صحة رأيه من كثرة من يوافقونه .. لا من قوة الدليل الذي يحمله .
ولعلّ من أصعب ما يكشفه الحوار أن بعضنا لا يناقش الفكرة كما هي .. بل يناقش ما يظنّ أنها تعنيه عن نفسه أو عن الفئة التي ينتمي إليها .
فإذا طُرحت مشكلةٌ في التعليم .. نهض للدفاع عن المعلمين .. وكأن الحديث عن خللٍ في ممارسةٍ ما يعني اتهام كل معلم .
وإذا نوقشت ممارسات الإشراف .. شعر بعض المشرفين أن مكانتهم موضع هجوم .
وإذا انتُقد إجراءٌ إداري .. بدا الأمر عند بعضهم وكأنه انتقاصٌ من الإدارة كلها .
وقد حكى الدكتور مسفر عن خبرته في تقديم برامج حضورية في مناطق ومحافظات متعددة من المملكة .. وعن ملاحظته أن بعض المشاركات كنّ يبادرن إلى الدفاع عن الإشراف التربوي حين يناقش في البرنامج .. حتى اضطر أحيانًا إلى أن يوضح أن حديثه عن مشرفات في دول أخرى .. كالفلبين أو الصين .. ليخفّ التوتر ويستمر النقاش .
ثم توقف أمام هذه الحيلة نفسها .. متسائلًا:
لماذا نحتاج إلى أن نغيّر هوية الشخص الذي نتحدث عنه حتى نستطيع مناقشة ممارسته بهدوء ؟
إن كانت الفكرة صحيحة .. فلا ينبغي أن تتوقف صحتها على كونها تتناول معلماتنا أو معلمات بلدٍ آخر .
وإن كانت الممارسة تحتاج إلى مراجعة .. فلا تصبح صحيحة لمجرد أنها صادرة عن جهةٍ ننتمي إليها .. ولا تصبح باطلة لمجرد أنها صدرت عن جهةٍ نختلف معها .
نحن بحاجة إلى أن نفصل بين الإنسان ووظيفته .. وبين الفكرة وصاحبها .. وبين نقد الممارسة والحكم على أصحابها .
ليس المطلوب أن نتخلّى عن الانتماء .. بل أن نتحرر من تحويله إلى حاجزٍ يمنعنا من رؤية الحقيقة .
فالمعلم ليس مطالبًا بأن يدافع عن كل معلم .. والمدير ليس مطالبًا بأن يبرر كل قرار إداري .. والمشرف ليس مطالبًا بأن ينصر كل ممارسة إشرافية .
لكل مهنة جوانب قوة وجوانب ضعف .. والاعتراف بالضعف ليس خيانةً للمهنة .. بل قد يكون أول صور الوفاء لها .
وقد لخّص الدكتور مسفر هذا المعنى حين دعا الجميع إلى أن يبتعدوا عن وظائفهم .. بمعنى أن يدخلوا الحوار بصفتهم أصحاب أفكار .. لا سفراء لجهاتهم .
فإذا كانت المشاركة في القروب محكومةً بما نريد إثباته عن مدارسنا أو إداراتنا .. فلن نرى إلا ما يخدم دفاعنا .
أما إذا دخلنا لنسأل ونتعلم .. فربما اكتشفنا أن الحقيقة أكثر تعقيدًا مما تخيلنا .. وأننا نستطيع أن نحب المهنة وننتقد بعض ممارساتها في الوقت نفسه .
وهذا يقودنا إلى سؤالٍ أشد عمقًا :
لماذا ينفعل الإنسان أحيانًا حين يُسأل عن أمرٍ يقول إنه يعرفه ؟
قد يذكر أحدهم أن مهارات التفكير معروفة لدى المعلمين .. وأن المشكلة ليست في معرفتها بل في تطبيقها .
وحين يُسأل عن مثالٍ محدد .. أو عن مرجعٍ علمي .. أو عن صورةٍ واضحة لمهارةٍ بعينها .. قد يجد صعوبةً في تقديم إجابةٍ دقيقة .
هنا لا يكون السؤال بالضرورة تعجيزًا .. بل فرصةً لاختبار الفكرة التي أطلقناها .
فإذا قلنا إن الأمر واضح .. فمن الطبيعي أن نطلب توضيحه .
وإذا قلنا إننا نعرفه .. فمن حقّ الحوار أن يمنحنا فرصةً لبيان ما نعرفه .
وقد ضرب الدكتور مثالًا بسيطًا:
لو قال شخصٌ إن جميع السعوديين يعرفون مناطق المملكة الثلاث عشرة .. ثم قيل له:
تكرمًا .. اذكر بعض هذه المناطق ..
فليس في السؤال انتقاصٌ من اعتزازه بوطنه .. ولا تشكيكٌ في محبته له .
المطلوب فقط أن نتحقق من الفكرة التي قالها .
فإذا ذكر المناطق .. انتقلنا إلى النقطة التالية .. وإذا تعثر في ذكرها .. عرفنا أن هناك فرقًا بين الاعتقاد بأن المعرفة موجودة وبين القدرة على استدعائها وشرحها .
والفرق نفسه يظهر في التعليم .
فقد يقول المعلم إنه يعرف مهارات الفهم القرائي .. أو استراتيجيات التعلم النشط .. أو أنواع التفكير .. لكن حين يُطلب منه تحديد مهارةٍ بعينها وشرحها بمثالٍ دقيق .. قد تتضح المسافة بين المعرفة العامة والمعرفة التي يمكن التعبير عنها وتوظيفها .
وليس المقصود أن نُصدر حكمًا نهائيًّا على معلمٍ من إجابةٍ واحدة .. بل أن نتعلم كيف نختبر ادعاءاتنا بهدوء .. وكيف نميّز بين المعرفة الحقيقية والانطباع الذي نحمله عنها .
وهنا ينبغي أن ننتبه إلى أمرٍ بالغ الأهمية:
ليس كل انفعالٍ دليلًا على الجهل .. ولا كل صمتٍ دليلًا على ضعف المعرفة ..
فقد يخطئ المرء في التعبير .. أو يتوتر .. أو لا يحسن عرض ما يعرفه .
لكن حين يتكرر الهروب من السؤال .. أو يتحول طلب التوضيح إلى اتهامٍ للآخر بسوء النية .. فإننا نحتاج إلى أن نتوقف ونسأل أنفسنا:
هل ندافع عن حقيقةٍ نعرفها .. أم عن صورةٍ نريد أن تبقى لنا أمام الآخرين؟
لقد أكد الدكتور أن الحوار لا يستهدف ذوات المشاركين .. وأنه لا يتحدث عن شخصٍ بعينه حين يطرح قضيةً عامة .
بل إن من حقّ الجميع أن يعبروا عن وجهات نظرهم .. مع ضرورة أن يبقى النقاش متصلًا بالفكرة .
وهذا توازنٌ يحتاج إلى تدريب :
أن نسمح للآخر بأن يختلف معنا .. وأن نردّ على حجته لا على نيته .. وأن نناقش كلامه من غير أن نحمله ما لم يقله .
فالاختلاف لا يمنح أحدًا حقّ التجريح .. كما أن الاحترام لا يفرض علينا الصمت .
نستطيع أن نكون مهذبين وحازمين في آنٍ واحد .. وأن نرفض الفكرة من غير أن نهين صاحبها .. وأن نطلب الدليل من غير أن نشكك في كرامة المتحدث .
وحين يفقد الحوار هذا التوازن .. يصبح الانفعال بابًا يغلقه الإنسان على نفسه .. بدل أن يكون السؤال نافذةً يطلّ منها على ما لم يكن يراه .
لكن المشكلة لا تتوقف عند الأفراد .. إنها تمتدّ إلى طريقة تفكيرنا في المؤسسات التعليمية .. وفي أسباب ضعف نواتج التعلم .
وهنا استحضر الدكتور مسفر مقولة جون ديوي:
«أول خطوة في حل أي مشكلة هي الشعور بها»
فكيف نبحث عن حلٍّ لمشكلةٍ لا نعترف بوجودها؟
وكيف نطوّر ممارسةً نعتقد أنها مكتملة؟
وكيف نطلب من المعلم أن يغيّر طريقته .. إذا كان المدير نفسه لا يعرف ما الذي ينبغي أن يلاحظه داخل الصف؟
يرى الدكتور أن بعض المدارس التي زارها .. في سياق الحديث عن ضعف نواتج التعلم في اختبارات نافس .. كان المديرون والمعلمون فيها لا يملكون تصورًا واضحًا عن أسباب ذلك الضعف .
وكانت الإجابة التي تتكرر في البداية هي عدم تعاون ولي الأمر .
ثم بدأ هذا الاتهام يتراجع في بعض الحوارات .. وظهر البحث عن ضحيةٍ أخرى .
وهنا لا تكمن المشكلة في أن ولي الأمر لا يتحمل أي مسؤولية .. ولا في أن المعلم أو المدير هو المسؤول وحده ..
بل في أن نختار متهمًا قبل أن نفهم المشكلة .
حين نضع سببًا واحدًا أمامنا ونتمسك به .. قد نغلق أبوابًا كثيرة كان يمكن أن تقودنا إلى الحل .
أما حين نفحص العوامل المحتملة .. ونجمع الشواهد .. ونختبر الفرضيات .. فإننا نقترب من التشخيص الذي يمكن أن يُبنى عليه عملٌ حقيقي .
قال الدكتور إن بعض المديرين كانوا يطمئنون إلى أن مدارسهم على مستوى عالٍ .. ثم يفاجؤون حين يناقشون الممارسات بتفاصيلها .
وهذا يفتح سؤالًا مهمًّا :
كيف يستطيع المدير أن يحكم على أداء المعلمين إذا كان لا يعرف المهارات التي يريد منهم توظيفها؟
وكيف يستطيع أن يطلب تنمية التفكير لدى الطلاب إذا لم يكن قادرًا على تحديد صور التفكير .. أو التمييز بين سؤالٍ يستدعي معلومةً محفوظة وسؤالٍ يفتح مسارًا للتحليل والاستنتاج ؟
قد يزور المدير صفًّا .. فيرى سؤالًا وجوابًا .. فيظن أن التفكير حاضر .
وقد يشاهد نشاطًا جماعيًّا .. فيحسب أن التعلم النشط قد تحقق .
لكن المشهد وحده لا يكفي .
السؤال الحقيقي هو:
ما نوع العمل العقلي الذي يمارسه الطالب؟
هل يستعيد معلومةً سبق أن حفظها .. أم يربط بين معارفه .. ويحلل .. ويستنتج .. ويبرر .. ويقترح حلولًا؟
وهل يعرف المعلم الفرق بين هذه العمليات .. أم يكتفي باستخدام اسم الاستراتيجية؟
إنّ الوعي بالمشكلة يسبق علاجها .. والمعرفة الدقيقة تسبق الحكم عليها .
ومن هنا شدد الدكتور على أن المدير ينبغي أن يكون من أوائل من يستهدفهم التطوير .. لا لأن المدير هو سبب كل خلل .. بل لأن قدرته على فهم المهارات وتحديدها وملاحظة ممارستها تؤثر في نوع الأسئلة التي يطرحها .. وفي التغذية الراجعة التي يقدمها .. وفي المسار الذي يقود به مدرسته .
فإذا كان المدير لا يعرف المهارة .. فلن يستطيع أن يلاحظ غيابها بدقة .
وإذا لم يستطع ملاحظتها .. فقد يكتفي بتقييم المظهر الخارجي للحصة .
وإذا أصبح المظهر هو المعيار .. أمكن أن تستمر الممارسة سنواتٍ طويلة من غير أن نعرف هل حققت الغاية التي وُجدت من أجلها .
ومن هنا أيضًا نفهم لماذا لا يكفي أن نكثر من الدورات التدريبية .. ولا أن نملأ الميدان باستراتيجياتٍ جديدة .. ما لم يصاحب ذلك فهمٌ عميق لما نريد تحقيقه .
فقد تتعدد الاستراتيجيات وتنتشر القنوات التعليمية والمواقع الإثرائية .. ومع ذلك يظلّ الضعف قائمًا في مهارات التفكير لدى الطلاب .. لأن المعلم نفسه قد لا يملك تصورًا واضحًا عن تلك المهارات .. أو لأنه يستخدم الاستراتيجية بوصفها إجراءً جاهزًا لا بوصفها اختيارًا واعيًا يخدم هدفًا محددًا .
فالاستراتيجية ليست عصًا سحرية ..
قيمتها في عقل من يختارها .. وفي قدرته على توظيفها .. وفي معرفته بما ينتظره من الطالب من خلالها .
وقد يكون المعلم قد استخدم التعلم التعاوني أو التعليم المتمايز أو العصف الذهني .. لكن مجرد استخدام الاسم لا يثبت أن الطالب تعلّم التعاون .. أو مارس التفكير الإبداعي .. أو انتقل من التذكر إلى التحليل .
وهنا يعود بنا الحديث إلى التدريب نفسه .. وإلى مسؤولية المدرب تجاه من يجلسون أمامه .
فقد حكى الدكتور مسفر عن موقفٍ مرّ به مع أحد المتدربين .. كان رجلًا قمةً في الذوق .. وأخبره بعد البرنامج أنه استفاد منه كثيرًا .
ومع ذلك خرج الدكتور من التجربة غير مرتاحٍ إلى أدائه .. وشعر أن الموضوع لم يكن من العلم الذي أحسن الاستعداد له بالقدر الذي يرضيه .
كان بإمكانه أن يكتفي بمديح المتدرب .. وأن يعدّ رضاه شهادةً كافية على نجاح البرنامج .. لكنه تعلّم من الموقف درسًا آخر:
أن مجاملة الناس لا ينبغي أن تدفع الإنسان إلى تقديم ما لم يستعد له كما ينبغي .
وقد عبّر عن ذلك بوضوح حين قال إنه عاهد نفسه ألّا يجامل في عمله .. حتى لو كان أمامه استعطافٌ أو دموع امرأة .
ليس لأن المشاعر لا قيمة لها .. بل لأن احترام الإنسان لا يعني أن نقدّم له عملًا لا نملك الاستعداد الكافي لتقديمه .
إنّ الرحمة بالمتدرب ليست أن نمنحه برنامجًا ناقصًا حتى لا نجرح مشاعره .. كما أن الوفاء له ليس أن نطمئنه بكلماتٍ جميلة بعد تجربةٍ لم نرضَ نحن عن مستواها .
الرحمة الحقيقية أن نحترم حاجته إلى معرفةٍ نافعة .. وأن نكون صادقين مع أنفسنا قبل أن نطلب منه أن يثق بنا .
ومن هنا طرح الدكتور سؤالًا جوهريًّا عن معنى التدريب نفسه :
لماذا يستعد المدرب ؟
ولماذا ينبغي أن يعرف الموضوع بكل صوره ؟
لأن التدريب .. كما شدد ..
ليس عرض شرائح .
وهذه من العبارات التي تستحق أن يتوقف عندها كل من يقف أمام جمهور .. سواء أكان مدربًا في قاعة .. أم معلمًا في فصل .. أم قائدًا يعرض فكرةً على فريقه .
فالشرائح ليست إلا الجزء المرئي من العمل .. أما الاستعداد الحقيقي فيظهر حين تنتهي الشرائح وتبدأ الأسئلة .
قد يجهز المدرب عرضًا أنيقًا .. ويختار ألوانًا متناسقة .. وينظم المعلومات .. ويستخدم صوته وحركته ونظراته بمهارة .
وهذه كلها عناصر مهمة في تقديم البرنامج .. لكنها لا تعوّض نقص المعرفة .
فحين يسأل المتدرب عن تفصيلٍ لم يظهر في الشريحة .. أو يطلب مثالًا آخر .. أو يعترض على تفسيرٍ ما .. أو يربط الموضوع بمشكلةٍ يعيشها في عمله .. هنا يبدأ الاختبار الحقيقي .
قد يقرأ المدرب من أجل الشرائح .. فيعرف ما سيقوله في الدقائق المحددة .
وقد يقرأ من أجل العلم .. فيصبح قادرًا على الإجابة .. والتوضيح .. والمقارنة .. والاستدلال .. والانتقال من المثال إلى القاعدة ومن القاعدة إلى التطبيق .
الأول يستعد لما سيعرضه .. والثاني يستعد لما قد يحتاج إليه المتعلم .
ولهذا قال الدكتور إن الشرائح التي يعرضها المدرب الحقيقي لا تمثل .. في تقديره .. أكثر من عشرة في المئة من قراءته للمادة .. وإن التسعين في المئة الباقية تظهر في ردوده على تساؤلات المتدربين والمتدربات .
وهذه النسبة ليست دعوةً إلى قياس القراءة بالأرقام .. بل صورةٌ توضح الفارق بين ما يظهر على الشاشة وما يسنده من معرفةٍ أوسع لا تتسع لها الشرائح .
فالمتدرب لا يحتاج إلى أن يرى كل ما قرأه المدرب .. لكنه يحتاج إلى أن يشعر بأن وراء العرض علمًا حقيقيًّا .
يحتاج إلى أن يسأل فلا يواجه مراوغةً أو ارتباكًا يخفي نقص الاستعداد .. بل يجد إجابةً مدروسة .. أو توضيحًا صادقًا بأن السؤال يحتاج إلى مراجعة .
وحين يرى المتدرب أن المدرب يعرف موضوعه .. ويستطيع أن يربط بين أجزائه .. وأن يقدم أكثر من طريق للفهم .. تتكون الثقة على أساسٍ متين .
أما حين يكتشف أن المدرب لا يملك إلا ما ورد في الشرائح .. وأن الأسئلة تضعه أمام حدودٍ لم يستعد لها .. فإن الثقة تبدأ في التراجع .
قد لا يحدث ذلك في اللحظة نفسها .. وقد يخرج المتدرب شاكرًا وممتنًّا .. لكنه سيحمل معه انطباعًا يتشكل مع الوقت .
فالمتدربون ليسوا سواءً في خبراتهم وتوقعاتهم .. لكن من يدفع لقاء التدريب من حقه أن ينتظر قيمةً حقيقية .. ومن حقه أن يعبّر عن رضاه أو عدم رضاه .
وقد لخّصت الأستاذة وضحاء القحطاني هذا المعنى حين رتبت أولويات المدرب في ثلاثة جوانب :
مهاراته الشخصية في التدريب .. من الصوت وتوزيع النظر والحركة وإدارة الحوار ..
ثم الاستعداد الكامل والخلفية العلمية العميقة لموضوع الدورة ..
ثم الشغف وحب ما يقدمه .
وأضافت أن التغذية الراجعة تمنح المدرب وسيلةً لتقييم إتقانه .. فلا يكتفي بشعوره الشخصي أو بمستوى حماسه لما يقدّم .
وقد وافقها الدكتور .. ثم أضاف نقطةً مهمة :
من المهم ألّا يتحدث المدرب عن نفسه .. بل أن يستمع إلى حديث الناس عنه .. إيجابًا وسلبًا ؛ لأنهم هم الذين تُقدَّم لهم الخدمة .
فالمدرب ليس الجهة التي تمنح نفسها شهادة النجاح .. ولا يكفي أن يقول عن برنامجه إنه رائع .. أو أن يصف نفسه بأنه متميز .
المستفيد هو الذي يختبر القيمة .. وإن كانت أحكام المستفيدين متفاوتة .. ولا يمكن إرضاء الجميع بسبب اختلاف طبائع البشر واحتياجاتهم .
وقد أوضح الدكتور ذلك بمنحى اعتدالي .. وذكر أن هناك من يمدحون المدرب مدحًا مبالغًا فيه .. وهناك من يذمونه ذمًّا مبالغًا فيه .. بينما تمثل الغالبية التي أشار إليها في الحوار ــ وقدّرها بنحو ستةٍ وتسعين في المئة ــ صورةً أقرب إلى الصدق في التعبير عن الرضا أو عدم الرضا .
فإذا خرج هؤلاء من البرنامج وهم ممتنون لما استفادوه .. كان ذلك مؤشرًا إيجابيًّا يستحق أن يلتفت إليه المدرب .
المغزى ليس أن يتحول المدرب إلى أسيرٍ لكل رأي .. أو أن يغيّر برنامجه مع كل ملاحظة .. بل أن يتعلم الإصغاء .. وأن يميّز بين النقد الذي يكشف موضعًا يحتاج إلى تطوير .. والرأي الذي يعكس تفضيلًا شخصيًّا .. وأن يراجع أثره بدل أن يكتفي بتقييم نفسه .
فليس صحيًّا أن يجعل الإنسان رضا الجميع شرطًا لنجاحه .. كما أنه ليس حكيمًا أن يتجاهل أصواتهم جميعًا .
المطلوب أن يفهم أن المستفيدين يختلفون .. وأن التغذية الراجعة ليست حكمًا نهائيًّا على قيمته .. بل مادةٌ تساعده على تحسين عمله .
وإذا كان هذا هو حال المدرب .. فهو أولى بالمعلم .
فالمعلم الذي لا يسمع إلا ثناء نفسه قد لا يلاحظ أن طلابه لم يفهموا ..
والمعلم الذي يفسر كل نتيجةٍ ضعيفة بأنها مشكلةٌ في الطالب أو الأسرة قد لا يلتفت إلى طريقته ..
والمعلم الذي يظن أن استخدام الاستراتيجية دليلٌ كافٍ على إتقانها قد لا يسأل عن الأثر الذي أحدثته في تعلّم طلابه .
ولعلّ أخطر ما في هذا كله أن الإنسان قد يعتاد ممارسةً ناقصة حتى يظنّها هي الممارسة الصحيحة .
فإذا رأى الآخرين يفعلون الشيء نفسه .. ازداد اطمئنانًا .
وإذا سمع النقد .. شعر أنه يستهدفه شخصيًّا .
وإذا طُلب منه الدليل .. اعتقد أن السؤال تشكيكٌ في مكانته .
وهكذا تتراكم السنوات .. وتستمر الممارسة .. بينما يظلّ السؤال المؤجل في مكانه :
هل نفعل ما نفعله لأننا فهمناه .. أم لأننا اعتدناه؟
إنّ التعليم القديم والجديد ليسا خصمين ينبغي أن ينتصر أحدهما على الآخر بمجرد المقارنة بينهما .
وقد نبّه الدكتور إلى أن القول بأن التعليم القديم أخرج أطباء ومهندسين لا يكفي لإثبات أنه كان أفضل من التعليم الحالي .. فالأعداد والظروف والفرص تغيّرت .. ولا يصح أن نختصر قضيةً معقدة في حنينٍ إلى الماضي أو إعجابٍ بالحاضر .
كما أن كثرة الخريجين في زمنٍ ما لا تجيب وحدها عن سؤال جودة التعلم .. ولا تكفي لإثبات أن كل ما كان قديمًا أفضل أو أن كل ما هو جديد أفضل .
السؤال الذي أراد الدكتور أن يعود إليه لم يكن :
من الجيل الأفضل ؟
ولا :
أي زمنٍ كان أكثر تميزًا ؟
بل :
هل أنا معلم استدعاء وتذكّر .. أم معلم تأمل وتفكير ؟
هذا هو السؤال الذي يمكن أن يبدأ منه التغيير .. لأنه يعيدنا إلى أنفسنا بدل أن يتركنا نتنقل بين المقارنات التي لا تنتهي .
قد يكون في الماضي ما يستحق أن نتعلم منه .. وقد يكون في الحاضر ما يستحق أن نطوره .. لكن ذلك لن يحدث ما لم نعرف أولًا ما الذي نفعله .. ولماذا نفعله .. وما أثره الحقيقي في المتعلم .
والمعلم الذي يريد أن ينمّي التفكير لا يكفي أن يطلب من طلابه أن يفكروا ؛ عليه أن يمارس التفكير أمامهم .
أن يسأل نفسه عن دليله .. وأن يراجع تفسيره .. وأن يقبل احتمال الخطأ .. وأن يفرّق بين ما يعرفه وما يظنه .. وأن يتعلم من الأسئلة التي لم يكن مستعدًّا لها .
فكيف ننتظر من الطالب أن يتعلم الشجاعة الفكرية إذا كان معلمه يخشى السؤال ؟
وكيف نطلب منه أن يراجع إجابته إذا كان المعلم يعدّ مراجعة رأيه تنازلًا عن مكانته ؟
إنّ التفكير ليس درسًا يقدمه المعلم ثم يغلق كتابه عند نهايته .. إنه ممارسةٌ تمتد إلى طريقة فهمه للناس .. وتفسيره للمواقف .. وحكمه على المشكلات .
ولذلك فإن أول ما يحتاج إليه التعليم ليس مزيدًا من العناوين اللامعة .. بل عقولًا تعرف كيف تسأل .. وكيف تتحقق .. وكيف تتعلم .
وحين طرح الدكتور سؤالًا عن أسباب ضعف نواتج التعلم .. لم يكن يبحث عن شخصٍ يحمّله المسؤولية .. بل عن طريقةٍ تجعلنا نرى المشكلة من جوانبها المختلفة .
فقد اعتدنا أحيانًا أن نبدأ من الاتهام :
ولي الأمر لا يتعاون ..
أو الطالب لا يهتم ..
أو المعلم لا يجتهد ..
أو الإدارة لا تتابع .
لكن أيًّا من هذه العبارات لا يصبح تفسيرًا كافيًا لمجرد أننا كررناه .
إنها فرضيات تحتاج إلى فحص .. لا أحكامٌ نهائية نرتاح إليها .
وقد عبّر الدكتور عن ذلك بقوله إن ما يحدث في بعض المواقف يشبه البحث عن ضحيةٍ جديدة كلما تراجع الاتهام السابق .
فإذا لم يعد ولي الأمر هو المتهم .. بحثنا عن غيره .
وإذا استبعدنا الطالب .. اتجهنا إلى المعلم .
وإذا نوقشت الإدارة .. أسرع بعضنا إلى الدفاع عنها .
وفي خضم هذا الانتقال قد ننسى أن غايتنا ليست أن نثبت براءة جهةٍ أو إدانة أخرى .. بل أن نصل إلى السبب الذي يمكن أن يساعدنا على تحسين التعلّم .
وهذا ما يجعل الاعتراف بالمشكلة فضيلةً مهنية .. لا علامة ضعف .
فالمدير الذي يقول: لا أعرف بعدُ لماذا تراجعت النتائج .. ثم يبدأ في البحث .. أقرب إلى الحل من مديرٍ يعلن أن كل شيءٍ على ما يرام قبل أن يفحص الواقع .
والمعلم الذي يسأل :
ما الذي لم يصل إلى طلابي ؟
وما الذي أحتاج إلى تغييره ؟
يفتح بابًا للتطوير لا يفتحه من يكتفي بالقول إن الطلاب لا يهتمون .
لا يعني ذلك أن نجلد أنفسنا .. أو أن نضع كل اللوم على المعلم .. أو أن ننكر دور الأسرة والطالب والمنهج والبيئة .
بل يعني أن نتعامل مع التعليم بوصفه منظومةً تتداخل فيها عوامل متعددة .. وأن نرفض التفسير السهل حين لا يسنده دليل .
فالمشكلة التي نريد علاجها تستحق أن نفهمها .. لا أن نبحث لها عن متهمٍ يريحنا من مسؤولية التفكير .
ومن هنا تكتسب القروبات الحوارية قيمتها حين تكون مساحةً آمنةً لتبادل الأفكار .. بعيدًا عن ضغط الوظائف والألقاب .
فالمشاركة فيها لا ينبغي أن تكون دفاعًا عن إدارةٍ أو مدرسةٍ أو فئة .. بل إسهامًا في فهم القضية .
ومن حقّ كل مشارك أن يطرح رأيه .. لكن من حق الآخرين أيضًا أن يسألوه عن دليله .. وأن يختلفوا معه .. وأن يطلبوا منه مثالًا أو مرجعًا .
وقد قال الدكتور إن الحوار الذي يتوقف عند المجاملة لا يحقق الفائدة المرجوة ؛ فليس المطلوب أن نُطمئن بعضنا طوال الوقت .. بل أن نساعد بعضنا على رؤية ما قد يغيب عنا .
وفي المقابل .. لا ينبغي أن يتحول النقاش إلى ساحةٍ للانفعال أو تصفية الحسابات .
نحن بحاجةٍ إلى شجاعةٍ في طرح الأسئلة .. وإلى تواضعٍ في استقبالها .. وإلى لغةٍ تحفظ كرامة الإنسان حتى حين تختلف معه اختلافًا كبيرًا .
إنّ الإنسان الذي يدخل الحوار وهو مستعدّ لأن يتعلم .. يستطيع أن يخرج منه وقد اتسعت رؤيته .. حتى لو لم يتغير رأيه كله .
أما الذي يدخل ليحمي موقفه مهما كانت الأدلة .. فقد يسمع كلامًا كثيرًا من غير أن يسمح لشيءٍ منه أن يصل إليه .
والفرق بين الاثنين لا يظهر في عدد الكلمات التي يقولانها .. بل في مقدار ما يسمحان به من مراجعةٍ لأنفسهما .
ولعلّ هذا هو المعنى الأعمق الذي يجمع بين حكاية القشطة .. وحديث المدرب عن الاستعداد .. والتمييز بين معلم التفكير ومعلم التذكّر .. والنقاش حول نواتج التعلم :
ليس كل ما يبدو أصلًا هو الأصل .. وليس كل ما يبدو معرفةً معرفة .. وليس كل ما يبدو تعليمًا تعلّمًا .
قد يكون المنتج شبيهًا بالأصل .. وقد تكون الحصة شبيهةً بالتعليم .. وقد يكون التدريب شبيهًا بالتدريب .. وقد يكون الحوار شبيهًا بالحوار .
وما يكشف الفارق ليس الاسم ولا الشكل .. بل ما وراءهما :
المكوّن الحقيقي .. والمعرفة العميقة .. والدليل .. والأثر .
فإذا أردنا تعليمًا يوقظ العقول .. فعلينا أن نبدأ من عقول من يعلّمون .
وإذا أردنا متعلمًا يحلل ويستنتج ويبدع .. فعلينا أن نهيئ له معلمًا يمارس هذه المهارات .. لا معلمًا يكتفي بتسميتها .
وإذا أردنا تطويرًا حقيقيًّا .. فعلينا أن نتوقف عن قياس النجاح بكثرة الأنشطة .. أو جمال العروض .. أو عدد الدورات .. أو رضا الجميع .. وأن نبحث عن أثرٍ يمكن أن نراه في فهم المتعلم وقدرته على التفكير والعمل .
وليس عيبًا أن نكتشف أننا لا نعرف .. ولا أن نعترف بأن ممارسةً اعتدناها تحتاج إلى مراجعة .
العيب أن نغلق الباب أمام السؤال .. ثم نطالب الآخرين بالتعلّم .
وليس نقصًا في مكانة المعلم أن يطلب مرجعًا أو يراجع فكرة .. بل إن ذلك من علامات احترامه للعلم ولمن يتعلمون على يديه .
لقد قال جون ديوي إن أول خطوة في حل المشكلة هي الشعور بها .
وربما نحتاج اليوم إلى أن نضيف إلى هذه الخطوة شجاعةً أخرى :
أن نسمح للمشكلة بأن تكشف لنا ما لا نحب أن نراه .. من غير أن نحولها إلى اتهامٍ لأنفسنا أو لغيرنا .
فحين نرى الخلل بوضوح .. نستطيع أن نبحث عن أسبابه .. وحين نعرف أسبابه .. نستطيع أن نختار ما يناسبها من حلول .
أما أن نواصل الحركة من غير أن نسأل عن اتجاهها .. وأن نكدّس الاستراتيجيات من غير أن نفهم غاياتها .. وأن نكرر الحديث عن التفكير من غير أن نمارسه .. فذلك قد يمنحنا شعورًا مؤقتًا بالإنجاز .. لكنه لا يضمن أن المتعلم قد تعلّم .
فالسؤال الذي ينبغي أن يبقى معنا بعد انتهاء كل دورة .. وكل حصة .. وكل اجتماع .. ليس: ماذا قدّمنا؟ بل: ماذا تغيّر؟
ماذا أصبح المتعلّم يفهم ولم يكن يفهمه من قبل؟
ما السؤال الذي صار قادرًا على طرحه ؟ وما الفكرة التي أصبح قادرًا على فحصها ؟ وهل غادر تجربته أكثر قدرةً على التفكير .. أم اكتفى بما عُرض عليه من معلومات وأنشطة ؟
إنّ الإجابة عن هذه الأسئلة هي ما يعيننا على التمييز بين ممارسةٍ تبدو تعليمًا .. وممارسةٍ تصنع تعلّمًا حقيقيًّا .
فبين شبيه القشطة والقشطة فرقٌ تكشفه المكوّنات .. وبين شبيه التدريس والتدريس فرقٌ يكشفه التعلّم .

أثر لاينسى
جدة
الجمعة ٥ جمادى الأولى ١٤٤٨
١٦ أكتوبر ٢٠٢٦

