ليست كل الأبواب التي نراها مغلقةً عصيّةً على الفتح ..
بعضها ينتظر مفتاحًا لم نفكر في البحث عنه ..
وبعضها لا يفتح بالقوة مهما ألححنا عليه ..
بل بمعرفة طبيعة قفله ..
وفهم ما وراءه ..
والصبر على تجربة المفاتيح حتى نعثر على ما يلائمه .
ولعل من صور الإجحاف بالإنسان أن نحكم على قدرته من أول محاولة ..
أو نزن فهمه بمقياس لا يناسبه ..
أو نطالبه بأن يسلك الطريق نفسه الذي سلكه غيره ..
ثم نستغرب لماذا لم يصل .
في رحاب قروب «مدربون ومدربات مبدعات» ..
وتحت إشراف الدكتور الفاضل مسفر بن ناصر القحطاني ..
دار حوارٌ لم يكن حديثًا عابرًا في مجلسٍ افتراضي ..
بل نافذةً أطلّ منها أهل التدريب على سؤالٍ من أسئلة الميدان ..
سؤالٍ لا يُقاس بوجاهة طرحه فحسب ..
بل بما يفتحه من أبواب الفهم ..
وما يستدعيه من مراجعةٍ لطرائق التعليم .
هناك ..
بدأ الأستاذ صالح العتيبي من موضعٍ يعرفه جيدًا ..
فهو متخصص في التربية الخاصة ..
..يعمل مع الطلاب الصم ..
ويحمل في ذاكرته اليومية تفاصيل لا تظهر لمن ينظر إلى التعليم من خارجه .
لم يأتِ ليعرض نظريةً جديدة ..
ولا ليعترض لمجرد الاعتراض ..
وإنما جاء بسؤال يثقل على المعلم الذي يريد أن يؤدي أمانته:
كيف نُوصل المنهج إلى الطالب الأصم حين تكون بعض موضوعاته شديدة التجريد ..
وحين لا تكفي الإشارة الوصفية وحدها لضمان أن المعنى قد وصل كما ينبغي ؟
توقف عند أمثلة تبدو مألوفة في كتب التعليم العام ..
البناء الضوئي في العلوم ..
والدولة السعودية الأولى في الدراسات الاجتماعية ..
والمفعول المطلق في اللغة العربية ..
والمعادلات والمتراجحات في الرياضيات .
موضوعات يشرحها المعلم لطلاب يسمعون كلامه ..
ويرون الصور ..
ويقرؤون النصوص ..
ويستعينون بما تتيحه حواسهم من وسائل لفهم المعنى .
لكن ماذا يحدث حين يختلف الطريق الحسي الذي يصل به الشرح إلى المتعلم ؟
وكيف يتحول المفهوم المجرد إلى معنى يمكنه أن يتصوره ..
ويربطه بما يعرف ..
ثم يستخدمه في تعلم جديد ؟
لم يكن السؤال عن ذكاء الطالب الأصم ..
ولا عن قدرته على التفوق ..
وإنما عن الطريق الذي يسلكه المعلم ليصل إليه .
وهنا فرق جوهري بين سؤالين:
هل يستطيع هذا الطالب أن يتعلم ؟
وكيف ينبغي أن نعلّمه حتى نتيح له فرصةً عادلة للفهم ؟
الأولى قد تتحول .. من حيث لا نشعر .. إلى محاكمة لقدرات الإنسان ..
أما الثانية فتفتح باب البحث عن الوسيلة ..
وتعيد المسؤولية إلى موضعها الصحيح:
إلى تصميم التعلم ..
وطريقة الشرح ..
والأدوات المستخدمة ..
ومدى ملاءمتها لحاجة المتعلم .
وقد أوضح الأستاذ صالح لاحقًا أنه يتحدث تحديدًا عن الطالب الأصم صممًا تامًا ..
وميّز بينه وبين ضعيف السمع ..
ومن يستخدم معينًا سمعيًا أو لديه زراعة قوقعة ..
فهذه الحالات ليست واحدة في احتياجاتها التعليمية .
وكان قصده أن بعض المفاهيم المجردة قد تكون شديدة الصعوبة في إيصالها إلى بعض الطلاب الصم ..
حتى مع وجود مترجمين للغة الإشارة ..
وأن التحدي لا يقتصر على تقديم الإشارة ..
بل يمتد إلى التحقق من وصول المعنى المقصود .
وقد أكد الدكتور مسفر القحطاني هذا المعنى حين أبدى موافقته على جوهر ما طرحه الأستاذ صالح ..
مشيرًا إلى أن تعليم الصم يحتاج إلى مهارات دقيقة ..
وإلى متابعة الدراسات والتطورات التي تساعد على إيصال المعلومة .
ولم يكن يتحدث من موقع من يدّعي الإحاطة بكل تفاصيل التخصص ..
بل من موقع من أدرك حجم المسألة ..
واحترم من يعيشها ويعرف دقائقها .
ولعل أصدق ما يكشف موقف الدكتور مسفر من حدود معرفته تلك العبارة العفوية التي قالها في سياق الحديث عن التربية الخاصة:
«لو سألني الأستاذ صالح وقال لي:
يا دكتور .. يا أبا ناصر .. هل أنت عندك مرجعية في هذا العلم ؟
أقول: لا والله .. ما عندي مرجعية إلا قراءات عابرة من هنا وهناك ..
لا تصنع متخصصًا» .
لم يقلها اعتذارًا عن المشاركة ..
ولا انسحابًا من الحوار ..
بل قالها وهو يشرح لماذا يحتاج المجلس إلى أهل التخصص .
فالقراءات العابرة قد تمنح الإنسان معرفةً أولية ..
لكنها لا تصنع متخصصًا ..
ولا تضع بين يديه وحدها ما تراكم لدى صاحب الخبرة من تفاصيل وتجارب .
وفي هذه المكاشفة البسيطة أدبٌ علميٌّ يستحق التأمل:
أن يعرف الإنسان ما عنده ..
وألا يقدّم معرفته المحدودة على أنها إحاطة ..
وأن يفسح المجال لمن يعرف أكثر منه .
فالمعرفة التي تنضج بالدراسة والخبرة والممارسة لا تُغني عنها القراءات العابرة ..
كما أن الاعتراف بحدود ما نعلم ليس انتقاصًا من قدرنا ..
بل دليلٌ على وعينا بما نعرف وما نحتاج إلى تعلّمه ..
وحين يُصغي الإنسان إلى المتخصص ..
فإنه لا يتنازل عن مكانته ..
بل يمنح العلم وأهله حقهما ..
ويفتح لنفسه بابًا أوسع للفهم .
ولم يكن الأستاذ صالح يتحدث عن الطلاب الصم بوصفهم فئةً عاجزة عن التعلم ..
بل كان يميز بين قدراتهم وبين صعوبة بعض المناهج وطرائق إيصالها .
وفي الحوار .. ذكرت الأستاذة دلال الحميضي .. من واقع تجربتها في إدارة مدرسة تضم طلابًا من ذوي الإعاقة السمعية ..
أن بعض طلابها تفوقوا على طلاب التعليم العام في الاختبارات التحريرية ..
وأشارت إلى جمال خطوطهم وتمكنهم من استخدام التقنية بلغة الإشارة .
كما تطرق الأستاذ صالح إلى وصول بعض الطلاب الصم إلى التعليم الجامعي ..
وهي تجارب تستحق أن تُروى في حدود أصحابها وسياقاتها ..
فلا تُتخذ دليلًا على أن جميع الطلاب متشابهون ..
ولا تُهمل عند الحديث عن التحديات التي يواجهها بعضهم .
غير أن الاعتراف بهذه القدرات لا يعني تجاهل التحديات ..
كما أن الحديث عن الصعوبات لا يبرر تعميمها على الجميع .
بين الأمرين مساحة واسعة من الإنصاف:
أن نرى القدرة من غير أن ننكر العائق ..
وأن نعترف بالعائق من غير أن نجعله تعريفًا للإنسان .
ومن هنا جاء السؤال الذي يستحق أن يتجاوز حدود التربية الخاصة إلى كل مجال من مجالات التعليم:
هل يكفي أن نضع المنهج أمام المتعلم ..
ثم نعدّ مهمتنا منتهية ؟
أم أن الأمانة تقتضي أن نتحقق من أن ما أردنا تعليمه قد أصبح مفهومًا لديه ؟
إن تقديم المعلومة ليس هو إيصالها بالضرورة ..
فقد يسمع الطالب الشرح ..
ويرى الصورة ..
ويحفظ العبارة ..
ثم يبقى المعنى بعيدًا عنه .
وقد ينجح في تكرار الإجابة دون أن يمتلك الفهم الذي يمكنه من استخدامها في موقف جديد .
ولهذا لا ينبغي أن يطمئن المعلم إلى أنه أوصل الدرس لمجرد أنه أتم شرحه ..
بل عليه أن يسأل نفسه:
ما الذي وصل فعلًا ؟
وما الدليل على وصوله ؟
وأيُّ طريق آخر يمكن أن أجربه إن لم يصل ؟
وحين عرضت الأستاذة شفيعة العنزي مقطعًا يظهر فيه مدرب وفيل في مشهد الرسم ..
انصرف اهتمام الدكتور مسفر إلى سؤال يتجاوز الانبهار بالمشهد نفسه .
لم يكن السؤال الذي أراد الوقوف عنده:
هل هذا ممكن أم مستحيل ؟
بل قال بعبارة موجزة:
«كيف علّم المدرب هذا الفيل؟»
ثم أوضح أن هذا هو بيت القصيد .
كان السؤال انتقالًا من مشاهدة النتيجة إلى محاولة فهم الطريق الذي أفضى إليها .
غير أن المقطع وحده لا يكفي للجزم بكيفية التدريب أو بظروفه ..
ولذلك فالعبرة هنا ليست التصديق بكل ما تعرضه المشاهد ..
وإنما التوقف عند السؤال الذي أثاره الدكتور:
كيف حدث ذلك ؟
وما الطريقة التي استُخدمت ؟
وهل كانت ملائمة وسليمة ؟
هنا انتقل الحوار من مشاهدة النتيجة إلى البحث عن الطريقة .
فالناس كثيرًا ما ينبهرون بما انتهى إليه الآخرون ..
لكن القليل منهم يتوقف ليسأل عن الطريق الذي أوصلهم إلى تلك النتيجة .
نرى لوحةً مرسومة ..
أو مهارةً متقنة ..
أو طالبًا تقدم في تعلمه ..
فنقول:
ما أبدع النتيجة !
ثم نمضي ..
بينما السؤال الأجدر بالبقاء هو:
ما الخطوات التي صنعتها ؟
وقد تنوّعت التعليقات على المقطع ..
إذ رأت إحدى المشاركات احتمال أن يكون الذكاء الاصطناعي وراء المشهد ..
بينما تحدثت الاستاذة سمر العلاوي .. بحسب ما قرأت عن تدريب الحيوانات .. عن أسلوب «الجزرة والعصا» ..
أي المكافأة والعقاب ..
وأبدت تحفظًا أخلاقيًا على تدريب الحيوان إذا كان في ذلك أذى له من أجل متعة البشر .
أما الاستاذة شفيعة العنزي ..
فرأت أن التدرج والتعزيز الإيجابي قد يكونان من مفاتيح التعلم ..
فالمعلم الناجح لا يطلب من المتعلم بلوغ النتيجة دفعة واحدة ..
بل يقسم المهارة إلى خطوات صغيرة ..
ويعزز كل تقدم .
وهنا يحسن أن نتوقف عند أمرين:
أولهما أن المقطع وحده لا يكفي للجزم بالطريقة التي استُخدمت فيه ..
وثانيهما أن الإعجاب بقدرة المدرب لا يعفينا من سؤالنا عن أخلاق التدريب وحدوده .
فليست كل نتيجة مبهرة دليلًا على أن الطريق إليها صحيح ..
وليست كل وسيلة ناجحة في الظاهر مقبولةً في جوهرها .
أما الفكرة التي تستحق أن نحملها من هذا المشهد ..
فهي أن المهارة المعقدة قد تُبنى من أجزاء صغيرة ..
وأن التدرج والتكرار والتغذية الراجعة قد تفتح للمتعلم أبوابًا لم تكن ظاهرةً في البداية .
لكن لكل متعلم خصائصه ..
ولكل مهارة شروطها ..
وما يصلح في موقف لا يلزم أن يصلح في غيره .
ولهذا لا يكفي أن ننقل الطريقة كما شاهدناها ..
بل علينا أن نفهمها ..
ونعرف لماذا نجحت ..
ومتى تصلح ..
وما الذي ينبغي تعديله قبل تطبيقها .
وهذه هي المسافة بين من يقلّد المشهد ومن يتعلم منه .
فالمعلم الذي يريد أن يصل إلى طالبه لا يبحث عن مشهدٍ مبهر ..
بل عن وسيلة تقرّب المعنى .
قد يحتاج إلى صورة ..
أو نموذج محسوس ..
أو تمثيل بصري ..
أو تجربة ..
أو تقسيم المهارة إلى خطوات ..
أو لغةٍ أكثر وضوحًا ..
أو وقتٍ أطول للتحقق من الفهم .
وليس في ذلك انتقاص من المنهج أو من المتعلم ..
وإنما اعتراف بأن التعليم عملٌ يحتاج إلى بصيرة ..
وأن الطريق إلى الفهم قد يختلف باختلاف من نسعى إلى تعليمه .
وليس معنى ذلك أن نحذف من المنهج كل ما صعب علينا شرحه ..
ولا أن نعامل كل صعوبة على أنها سبب كافٍ لإلغاء الدرس .
فبين التكييف والحذف فرق ..
وبين تخفيف العبء عن المتعلم وحرمانه من فرصة التعلم فرق آخر .
والسؤال المهني ليس:
كيف نتخلص من الدرس ؟
بل:
كيف نحدد الهدف الذي ينبغي أن يحققه الطالب ..
ثم نختار من الوسائل ما يساعده على بلوغه ..
مع مراعاة احتياجاته وإمكاناته والضوابط المنظمة للتعليم ؟
وحين تطرّق الأستاذ صالح إلى بعض التصنيفات التي تُطلق على الطلاب منذ الصغر ..
وإلى ما قد تتركه بعض المسميات من أثر في نظرة الإنسان إلى نفسه ومستقبله ..
انفتح أمام الحوار باب آخر لا يقل أهمية عن باب طرائق التدريس .
عبّر الأستاذ صالح عن قلقه من أن تتحول بعض التصنيفات التربوية ..
إذا ثبتت في شهادة الطالب أو استُخدمت من غير مراجعة كافية ..
إلى وصف يلاحقه ويؤثر في نظرة الآخرين إليه وتوقعاتهم من مستقبله .
وكان يخشى أن يُختزل الطالب في مسمى واحد قبل أن تتاح له فرص كافية للتعلم والنمو .
وهذه المخاوف تستحق أن تُناقش تربويًا بهدوء ..
مع التمييز بين الحاجة إلى تقييم دقيق يحدد الدعم المناسب ..
وبين تحويل التصنيف إلى وصمة أو حكم نهائي على مستقبل الإنسان .
ولا يعني هذا أن نتجاهل الفروق الفردية ..
أو أن نلغي الحاجة إلى التقييم والتصنيف حين تستدعيهما المصلحة التعليمية ..
وإنما أن نستخدمهما لفهم الاحتياج وتقديم الدعم المناسب ..
لا لتحويلهما إلى وصمة ..
أو حكمٍ مسبق على ما يمكن للإنسان أن يصير إليه .
فالطفل ليس شهادةً تنتظر أن تُطبع ..
ولا تقريرًا يختصر مستقبله ..
ولا مستوى دراسيًا يحدد قيمة حياته .
إنه إنسان يتعلم ..
وينمو ..
ويكتسب خبرات ..
وقد تتسع قدراته مع الزمن والممارسة والدعم .
ومن حقه أن تُبنى القرارات المتعلقة بتعليمه على تقييم دقيق ..
وأن تُراجع حين تظهر معطيات جديدة ..
وأن تبقى له مساحة للنمو بدل أن يُختزل في وصفٍ يلاحقه .
ومن أجمل ما ظهر في الحوار أن الاستاذ صالح العتيبي لم يجعل الفكرة ساحةً للمنافسة على نسبتها إلى صاحبها ..
فقد أوضح أنه لا يمانع أن يتبناها أحد من المجموعة ..
ممن يستطيع إيصالها إلى جهة الاختصاص ..
ويرفعها باسمه ..
ما دام الطلاب هم المستفيدين .
ثم لخّص غايته بقوله:
«أهم شيء يستفيدون الطلاب» ..
وأشار إلى أنه بعد سنوات سيبلغ التقاعد ..
وأنه يتمنى أن يرى المناهج تتغير إلى الأفضل .
في هذه العبارة معنى يتجاوز الموقف نفسه ..
فالفكرة النافعة لا ينبغي أن تبقى أسيرة اسم صاحبها ..
ولا أن يتعطل وصولها لأن صاحبها يخشى أن يسبقه إليها غيره .
ومن نضج الإنسان أن يفرح حين يرى ما اقترحه يتحول إلى عملٍ نافع ..
حتى إن لم يكن هو من يقف في مقدمة المشهد .
وهذه خصلة تستحق التأمل ..
أن يتقدم نفع الناس على الرغبة في الظهور ..
وأن يكون المرء مستعدًا لأن يرى فكرته تتحول إلى عملٍ نافع ..
حتى إن لم يقف اسمه في مقدمة المشهد .
فكم من فكرةٍ ماتت لأنها بقيت أسيرة صاحبها ..
وكم من عملٍ تأخر لأن صاحبه خشي أن يسبقه إليه غيره !
أما من يجعل المصلحة العامة غايته ..
فإنه لا ينظر إلى الفكرة باعتبارها ملكيةً ينبغي حراستها من الآخرين ..
بل أمانةً ينبغي أن تصل إلى موضع نفعها .
ومن هنا نفهم قيمة وجود المختصين في المجالس والحوارات .
وقد عبّر الدكتور مسفر عن موقفه بوضوح حين قال:
«حنا وأنتم في حضرة المتخصص» ..
ثم أكد أن المجال مفتوح لمن يرغب في المناقشة ..
أما هو فمستمع .
لم يكن ذلك تقليلًا من دوره في الحوار ..
بل اعترافًا بأن لصاحب التخصص معرفةً لا يغني عنها الحديث العام ..
وأن احترام الخبرة يبدأ من إفساح المجال لها كي تتكلم .
ولم يكن هذا انسحابًا من النقاش ..
ولا تقليلًا من شأن المعرفة العامة ..
بل تحديدًا أمينًا لموضع الخبرة .
فالمتخصص الذي يعيش القضية سنوات يرى منها ما قد لا يظهر للقارئ العابر ..
وصاحب التجربة اليومية يملك تفاصيل لا تكفي الكتب وحدها لإدراكها .
وحين يجلس الطرفان باحترام ..
لا يعود الحوار ساحةً لإثبات من يعرف أكثر ..
وإنما يصبح فرصةً لاستكمال ما ينقص كل واحد منهما .
وقد أوضح الدكتور مسفر ذلك حين قال إنه يحاول أن يستكمل نواقصه بالمختصين ..
وإنه يفكر في وجود متخصص في علم النفس يشاركهم النقاش بالطريقة نفسها .
فهو لا يريد مجلسًا يتحدث فيه الجميع عن كل شيء ..
بل مجلسًا يضيف فيه كل صاحب خبرة ما يعرفه ..
ويستفيد فيه الآخرون مما لا يملكونه .
إن المعرفة لا تُقاس بكثرة ما نستطيع قوله ..
بل أيضًا بدقة ما نعرفه ..
وصدق ما ننسبه إلى أنفسنا ..
وقدرتنا على تمييز ما نعلمه مما نحتاج إلى تعلمه .
والإنسان الذي يعرف حدود معرفته لا يصغر في أعين العقلاء ..
بل يصبح أكثر أهليةً لأن يثقوا بكلامه ..
لأنه لا يطلب منهم أن يصدقوا كل شيء ..
وإنما يمنحهم سببًا معقولًا للثقة فيما يقول .
ومن هذه النقطة وصل الحديث إلى الثقة بالنفس ..
ذلك المفهوم الذي يظن كثيرون أنه واضح ..
حتى إذا سُئلوا عن حقيقته وجدوا أنفسهم أمام أسئلة لم يفكروا فيها بما يكفي .
هل الثقة أن يرفع الإنسان صوته ؟
أم أن يتحدث بلا تردد ؟
أم أن يحمل شهادةً عالية أو منصبًا مرموقًا ؟
هل تمنحه كثرة الأصدقاء ثقةً حقيقية ؟
وهل يستطيع أن يدّعي الاكتمال ثم يصمد حين يواجه أول موقف يكشف نقص خبرته ؟
تساءل الدكتور مسفر عن هذه المعاني ..
وأشار إلى أن الثقة ليست بالبساطة التي تختزلها بعض العبارات السريعة ..
وأن الإنسان قد يبلغ الستين أو السبعين ..
ثم يظل يعاني اهتزازًا في شخصيته .
فالعمر وحده لا يصنع الثقة ..
كما أن المظهر الواثق لا يضمن وجودها .
وقدّم الاستاذ صالح العتيبي رؤيةً تبدأ من العلم ..
ثم تأتي الخبرة لتمنح ذلك العلم رسوخًا في المواقف .
وليس المقصود بالعلم هنا أن تكون شهادة الماجستير والدكتوراه شرطًا لازمًا لكل معرفة ..
وإنما أن يقرأ الإنسان ..
ويطّلع ..
ويحضر الدورات وورش العمل ..
ويتابع ما يتصل بمجاله ..
ثم يختبر ما تعلمه في الواقع حتى تتكون لديه خبرة يمكن أن يستند إليها .
وضرب مثالًا بالمعلم الذي تزداد خبرته من خلال الأسئلة والمواقف التي يواجهها مع طلابه ..
وبالمشرف الذي تتسع رؤيته مع كثرة الزيارات والمقابلات .
فالتجربة تضع المعرفة أمام أسئلة الحياة ..
وتكشف للإنسان ما كان واضحًا في ذهنه وغامضًا عند التطبيق .
واستشهد بموقفٍ مرّ به حين ذهب لمقابلة مدير تعليم الرياض لمناقشة موضوع محدد .
قال إنه لو حدثه أحد عن مثل هذا اللقاء قبل سنوات ..
لربما شعر برهبةٍ كبيرة ..
أما هذه المرة فقد استطاع أن يدخل ويتحدث في المسألة التي جاء من أجلها .
ويبدو من روايته أن تراكم المعرفة والخبرة أسهم في جعله أقدر على مواجهة الموقف ..
فقد دخل اللقاء وهو يعرف الموضوع الذي يريد مناقشته ..
واستطاع أن يتحدث فيه بدل أن تمنعه رهبة المنصب من المحاولة .
وهنا يظهر وجهٌ آخر للثقة:
ليست أن تختفي الرهبة من النفس تمامًا ..
وإنما أن يصبح لدى الإنسان ما يستند إليه حين يشعر بها .
يعرف موضوعه ..
ويحدد ما يريد ..
ويستطيع أن يتحدث بقدر علمه ..
وأن يتوقف حين يصل إلى ما لا يعرفه .
فالثقة ليست نفخًا للصدر ..
ولا تجاهلًا للناس ..
ولا ادعاءً بأن المرء لا يحتاج إلى أحد .
وقد يكون أكثر الناس ضجيجًا أقلهم اطمئنانًا حين يُسأل سؤالًا دقيقًا ..
بينما يتحدث الواثق الحقيقي بهدوء ..
لأنه يعرف ما عنده ..
ولا يحتاج إلى أن يضيف إلى علمه ضجيجًا يعوّض ما ينقصه .
ومع ذلك ..
لا ينبغي أن نجعل العلم وحده تفسيرًا كاملًا للثقة ..
فالثقة تتداخل فيها الخبرة ..
وطريقة التربية ..
والتجارب السابقة ..
ونظرة الإنسان إلى نفسه ..
وقدرته على التعامل مع الخطأ والرفض والمواقف الجديدة .
لكن العلم والخبرة يمنحانها أرضًا صلبة ..
ويقللان اعتمادها على التصفيق أو القبول الخارجي .
ومن اللافت أن الأستاذ صالح أشار إلى أن التواضع وحسن الخلق يظهران على الشخص الواثق من نفسه .
وهذه ملاحظة تفتح بابًا مهمًا:
فالثقة التي تستحق أن تُبنى ليست تلك التي تجعل صاحبها يعلو على الناس ..
وإنما التي تمكّنه من التعامل معهم من غير خوفٍ يشلّه ..
ولا غرورٍ يعميه .
فالواثق لا يحتاج إلى إهانة غيره ليشعر بقيمته ..
ولا إلى ادعاء المعرفة في كل مجلس ..
ولا إلى احتكار الفضل حين تنجح فكرة شارك فيها الآخرون .
يستطيع أن يقول:
أحسنت ..
ويستطيع أن يقول:
أخطأت ..
ويستطيع كذلك أن يقول:
لا أعلم .
وهذه ليست ثلاث علامات ضعف ..
بل قد تكون من أصدق علامات النضج .
لقد كشف الحوار عن خيطٍ يجمع هذه الموضوعات كلها:
الطالب الذي يحتاج إلى طريقة تناسبه ..
والمعلم الذي يبحث عن وسيلةٍ أجدى ..
والمختص الذي يوضح ما لا يراه الآخرون ..
والمتعلم الذي يكتشف حدود معرفته ..
والإنسان الذي يريد أن يبني ثقته بنفسه .
كلهم يحتاجون إلى شيء واحد:
أن يتوقفوا عن الاكتفاء بالمظهر ..
وأن يبحثوا عن الحقيقة التي تحته .
فالدرس الذي يبدو مستحيلًا قد يكون محتاجًا إلى طريقة أخرى ..
والطالب الذي لا يستجيب لشرحٍ معين قد يكون محتاجًا إلى مدخل مختلف ..
والمعلم الذي يشعر بالعجز قد يحتاج إلى تطوير مهارة التوصيل ..
والإنسان الذي يظن أنه لا يملك الثقة قد يحتاج إلى معرفةٍ يتكئ عليها وتجارب يتعلم منها .
وفي المقابل ..
قد نكتشف أن بعض الطرق لا تناسب بعض المتعلمين ..
وأن بعض الادعاءات لا تسندها أدلة ..
وأن بعض النتائج المبهرة لا تكفي للحكم على سلامة الوسيلة .
لهذا لا يكفي أن نسأل عن النتيجة ..
بل علينا أن نسأل عن الطريق .
ولا يكفي أن نرى التعثر ..
بل علينا أن نفهم أسبابه .
ولا يكفي أن نمنح الإنسان اسمًا ..
بل علينا أن نرى ما وراء الاسم من قدرات واحتياجات وفرص للنمو .
وهذا هو الفرق بين من يصدر حكمًا سريعًا ..
ومن يمارس التفكير المسؤول ..
الأول يرى بابًا مغلقًا فيقول:
لا يُفتح ..
والثاني يقترب ..
ويَتَفحّص ..
ويسأل ..
ويجرب ..
ويستعين بمن يعرف ..
ثم يقرر على ضوء ما ظهر له .
وما أجمل أن تنتهي بنا المعرفة إلى مزيد من التواضع ..
لا إلى مزيد من الادعاء ..
وإلى احترام المختص ..
لا إلى الخضوع لكل رأي ..
وإلى البحث عن الدليل ..
لا إلى الاكتفاء بما يبدو مقنعًا من بعيد .
لقد علّمنا هذا الحوار أن الخبرة حين تتواضع تصبح نافعة ..
وأن التخصص حين يُحترم يضيء جوانب كانت غائبة ..
وأن الثقة حين تُبنى على المعرفة والعمل تصبح أرسخ من ثقةٍ تقوم على المظاهر .
وعلّمنا أيضًا أن نفع الناس أوسع من رغبة المرء في أن يُذكر اسمه ..
وأن الفكرة الجيدة لا ينبغي أن تتوقف عند صاحبها إذا كان في وصولها خيرٌ للآخرين .
فلا تحكم على إنسانٍ من بابٍ لم يُفتح له بعد ..
ولا تحكم على فكرةٍ من أول محاولة ..
ولا تحكم على نفسك من موقفٍ عجزت فيه .
ابحث عن المفتاح ..
وتعلّم كيف تستخدمه ..
واستعن بالله سبحانه وتعالى ثم بمن يعرف ..
وامنح المحاولة وقتها ..
ثم راجع النتيجة بصدق .
فقد لا تكون المشكلة في الباب ..
ولا في المفتاح ..
ولا في اليد التي تحاول فتحه ..
قد تكون في أننا لم نفهم بعد طبيعة القفل .
وما دامت في الإنسان قدرةٌ على التعلم ..
وفي الحياة أبوابٌ لم نجرّب مفاتيحها ..
فليس من الحكمة أن نعلن النهاية قبل أن نبدأ البحث .

أثر لاينسى
جدة
الثلاثاء ٩ جمادى الأولى ١٤٤٨
٢٠ أكتوبر ٢٠٢٦

