🎙️✨ كيف تصنع جمهورك ؟ 💡🤝

screenshot ٢٠٢٦١٠٠١ ٠٢٣٩٥٧ gallery


ليس كل من وقف أمام الناس صنع جمهورًا   ..
وليس كل من امتلأت قاعته ترك أثرًا   ..
قد تمتلئ القاعة لأسباب كثيرة   ..
وقد يصفق الناس للحظة   ..
وقد يخرجون بانطباع جميل عن اللقاء   ..
لكن أن يعودوا إليك مرة أخرى   ..
لأنهم وجدوا في حديثك ما يضيف إلى حياتهم   ..
فهذه حكاية أخرى   ..
فما يجعل الناس يعودون إليك ليس دائمًا شيئًا ظاهرًا يمكن قياسه   ..
هناك أشياء لا تُرى في القاعة   ..
ولا تظهر في عدد المقاعد   ..
ولا تُلتقط في صورة   ..
لكنها هي التي تصنع ذلك الأثر الذي يجعل الإنسان يقول في نفسه بعد انتهاء اللقاء   ..
أريد أن أعود مرة أخرى   ..
فالذي يعود إلى المدرب مرة أخرى ليس المقعد   ..
ولا التصفيق الذي يملأ المكان للحظات ثم ينطفئ   ..
الذي يعود هو الإنسان   .. إذا وجد في المكان شيئًا يستحق أن يعود إليه   ..
وحين سُئل الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني   ..
كيف يصنع المدرب جمهوره؟
لم يذهب إلى الوصفة السريعة   ..
ولا إلى أسرار الشهرة   ..
ولا إلى حيل المنصات   ..
وإنما أخذ السؤال إلى مكان أعمق بكثير   ..
إلى الإنسان نفسه   ..
إلى علمه   ..
وطريقته   ..
وصدقه   ..
وقدراته على أن يرى الناس كما هم   ..
لا كما يريد أن يراهم   ..
فالجمهور   ..
في نهاية الأمر   ..
ليس أرقامًا في قائمة   ..
ولا مقاعد تتكرر أمامك   ..
الجمهور عقول مختلفة   ..
وأعمار مختلفة   ..
وتجارب متباينة   ..
وحاجات لا تتشابه   ..
والمدرب الذي يريد أن يصنع جمهورًا حقيقيًا   ..
عليه أولًا أن يتوقف عن محاولة صناعة صورة لنفسه   ..
عليه أن يصنع شيئًا يستحق أن يُرى   ..
علمًا يستحق أن يُسمع   ..
وفكرة تستحق أن تُنقل   ..
وأثرًا يجعل الإنسان يقول في سرّه بعد انتهاء اللقاء   ..
لقد خرجتُ من هنا بشيءٍ لم أدخل به   ..
ومن هذه النقطة تحديدًا بدأ الحوار   ..
  في مساءٍ ثريٍّ بالحوار ..
دار في قروب «مدربون ومدربات مبدعات» حوارٌ بدأ بسؤال بسيط ظاهريًا   ..
لكنه كلما مضى فيه الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني   ..
اتسعت دائرته حتى خرج من حدود التدريب   ..
وصار سؤالًا عن الإنسان نفسه   ..
كيف نصنع أثرًا يجعل الناس يختارون أن يعودوا إلينا؟
 وكانت الأستاذة أمينة المحمود قد أعادت طرح الفكرة على القروب
..
كيف يستطيع المدرب أن يصنع له جمهورًا؟
ابتسم الدكتور مسفر أمام السؤال   ..
وكأنه يعرف أن بعض الأسئلة لا يصلح لها جواب سريع   ..
فقال إن الإجابة تحتاج خمسة وعشرين عامًا   ..
ولعل أجمل ما في بعض الإجابات أنها لا تتعجل الوصول   ..
فهو لا يتحدث عن جمهور يُجمع بالإعلان   ..
ولا عن أعداد تُكتب في السيرة الذاتية   ..
ولا عن مقاعد تمتلئ لأن اسم المدرب سبقَه   ..
كان يتحدث عن جمهور حقيقي   ..
جمهور فيه المتعلم العادي   ..
والأكاديمي   ..
والخبرة الكبيرة   ..
والمبتدئ   ..
والمعلم الذي بدأ الطريق   ..
ومن اقترب من التقاعد وما زال يأتي إلى البرنامج بحثًا عن شيء جديد   ..
وهنا بدأ المعنى يكبر   ..
فصناعة الجمهور ليست أن تجعل الناس يعرفون اسمك   ..
بل أن تجعلهم يعرفون قيمة ما تقدمه   ..
والفرق بين الأمرين شاسع   ..
قد ينجح مدرب في جمع جمهور من فئة واحدة   ..
أو من مدينة واحدة   ..
أو من بيئة واحدة   ..
لكن التحدي الأكبر أن يستطيع أن يجعل المعرفة التي يحملها قابلة للوصول إلى عقول مختلفة   ..
وأعمار مختلفة   ..
وخبرات مختلفة   ..
وحاجات مختلفة   ..
والدكتور مسفر نفسه التفت إلى هذا المعنى حين قال إن من أعظم مهارات المدرب أن يستطيع تقديم ما لديه بطريقة مدهشة تلائم الجميع   ..
المتميز يجد حاجته   ..
والمعلمة الجديدة تستمتع   ..
والأكاديمي المتمكن يجد ما يبحث عنه   ..
كأن المدرب الحقيقي لا يقدم طبقًا واحدًا ثم يطلب من الجميع أن يحبوه   ..
بل يعرف كيف يصنع مائدة واسعة   ..
فيها ما يشبع صاحب المعرفة العميقة   ..
وما يفتح شهية المبتدئ   ..
وما يترك للمتعلم العادي شيئًا يستطيع أن يأخذه معه إلى حياته   ..
ومن هنا جاء حديثه عن أول حاجز ينبغي للمدرب أن يزيحه من رأسه   ..
الشبهات   ..
ليس المقصود بالشبهة هنا مجرد الشك   ..
بل تلك الأفكار التي تتحول مع الوقت إلى جدران داخلية   ..
فيرى الإنسان الطريق مغلقًا قبل أن يخطو فيه   ..
«التدريب يحتاج شهادات»   ..
هل يحتاج فعلًا   ؟
هناك مدربون متميزون لا يحملون شهادات عليا   ..
وهناك آخرون يحملون أعلى الشهادات   ..
لكنهم لا يستطيعون أن يتركوا في المتدرب إلا عنوانًا عابرًا   ..
«التدريب يحتاج تفرغًا كاملًا»   ..
هل هذه حقيقة مطلقة   ؟
«لا يوجد وقت»   ..
بل يوجد وقت حين يعرف الإنسان كيف يعطي عمله حقه   ..
«المرأة لا تستطيع الوصول»   ..
ثم جاء الزمن فأصبح بإمكانها أن تصل إلى أقصى القارات وهي في غرفة بيتها   ..
كان الدكتور مسفر يحاول أن يقول شيئًا أعمق من مجرد التدريب   ..
كثير من العوائق التي نراها أمامنا لا تكون أبوابًا مغلقة   ..

بل أفكارًا أغلقنا بها الأبواب على أنفسنا   ..
والإنسان أحيانًا لا يحتاج إلى طريق جديد بقدر ما يحتاج إلى رأسٍ أقل ازدحامًا بالعوائق   ..
قالها بوضوح   ..
حين تتراكم الشبهات في رأس المدرب   ..
يبتعد عن التميز   ..
ولهذا رأى أن المدرب الذي يريد أن يصنع جمهورًا حقيقيًا عليه أولًا أن ينظف الطريق في داخله   ..
ثم جاء سؤال آخر أكثر عمقًا   ..
هل صناعة الجمهور مهارة يتعلمها المدرب   ؟
أم أن الجمهور يرتبط بعمق معرفته   ..
وأسلوبه في الطرح   ..
وفهمه لاحتياجات المتدربين   ؟
وهنا ظهرت واحدة من أجمل أفكار الحوار   ..
العمق ليس أن تجعل المعرفة ثقيلة   ..
بل ربما يكون من أعظم صور العمق أن تستطيع أن تجعل الشيء العميق سهلًا   ..
شبّه الدكتور مسفر المدرب بمائدة واسعة   ..
أو «بوفيه» يصلح للجميع   ..
يرضي صاحب الشهية الكبيرة   ..
ويراعي من لديه مشكلة صحية   ..
ويناسب الطفل الصغير والشيخ الكبير   ..
ليس المطلوب أن تُسطّح المعرفة   ..
وإنما أن تعرف كيف تقدمها بحيث يستطيع كل عقل أن يدخل إليها من الباب الذي يناسبه   ..
فالمدرب الذي يتحدث بالعامية بطريقة منفرة قد يفقد أصحاب المعرفة   ..
والمدرب الذي يستعرض فصاحته ويبالغ في ضبط أواخر الكلمات قد يفقد المتدرب البسيط الذي جاء يريد أن يفهم لا أن يشهد استعراضًا لغويًا   ..
قال معنى بالغ الأهمية   ..
«أنا لا أحتاج لغتك   .. أنا أحتاج شيئًا أستطيع أن أطبقه»   ..
وهذه الجملة لا تخص التدريب وحده   ..
كم من إنسان يملك كلامًا كثيرًا   ..
لكنه لا يملك طريقًا إلى قلب الآخر   ؟
وكم من فكرة عظيمة ماتت لأنها قُدمت بطريقة جعلتها تبدو أصعب مما هي عليه   ؟
اللغة ليست أن تُري الناس كم تعرف   ..
اللغة أن تجعل ما تعرفه قابلًا لأن يُفهم   ..
ولهذا قال إن بعض الناس يملكون عمق المعرفة   ..
لكنهم لا يملكون مهارة توصيلها   ..
وبعضهم يملك مهارة التوصيل لكنه لا يملك العمق   ..
أما المدرب الذي يجمع الاثنين فهو الذي يستطيع أن يبقى   ..
لكن كيف يصل الإنسان إلى هذا العمق   ؟
هنا فتح الدكتور مسفر بابًا آخر   ..
ربما كان من أثمن أبواب الحوار كله   ..
الاعتراف بالنقص   ..
قال إنه من الأشياء التي ساعدته أن لديه استعدادًا للتخلص من أخطائه   ..
لأنه يعرف أنه مليء بالأخطاء   ..
وأن لديه نقصًا في المعرفة وجهلًا كبيرًا   ..
هذه ليست جملة صغيرة   ..
أن تعرف أنك لا تعرف   ..
قد تكون بداية المعرفة الحقيقية   ..
وأن تسمح لملاحظة الآخرين أن تصل إليك   ..
لا يعني أن تسلّم لهم عقلك   ..
بل يعني أنك تملك من النضج ما يكفي لتسمع   ..
ثم تفكر   ..
ثم تقرر   ..
هل هذا النقد صحيح   ؟
هل ينفعني   ؟
هل الناقد رأى الصورة كاملة   ؟
حتى النقد عنده يحتاج إلى نقد   ..
وضرب مثالًا شديد البساطة وعميق الدلالة   ..
جاءه شخص وقال له   ..
لدي ملاحظات على أحد برامجك   ..
سأله   ..
أي برنامج   ؟
فذكر برنامجًا لم يقدمه الدكتور أصلًا   ..
قال له   ..
أنا لم أقدم هذا البرنامج   ..
فجاء الرد   ..
لا عليك   ..
كلها واحدة   !
وهنا توقف الدكتور عند النقطة المهمة   ..
ليست كل ملاحظة نقدًا   ..
وليست كل مخالفة للرأي معرفة   ..
وليس من حق أحد أن يضع حكمًا على عمل لم يره أصلًا   ..
أما إذا كان النقد متعلقًا بأسلوبك   ..
أو طريقة تعاملك   ..
أو منهجيتك   ..
أو طريقة طرحك العلمي   ..
فذلك مجال مشروع للنقاش   ..
لكن أن تنتقد شيئًا لم يحدث   ..
فهنا يجب أن يتوقف الإنسان   ..
إنه لا يهرب من النقد   ..
هو يطلب فقط أن يكون النقد قائمًا على معرفة   ..
وهذه الروح نفسها ظهرت في حديث الأستاذة دلال الحميضي حين وصفت تجربتها معه   ..
وقالت إنها لا تنظر إلى موضوع البرنامج وحده   ..
بل تحرص على قراءة شخصية المدرب نفسه   ..
جاد ويمزح   ..
أسلوبه سهل   ..
عنده علم وسعة اطلاع   ..
يمتع بالقصص   ..
يتحدث بواقعية   ..
وإذا استخدم مفردة غريبة شرحها ببساطة   ..
يباغت بالأسئلة   ..
ويحفز بالجوائز والكتب والمقاعد في البرامج القادمة   ..
ثم قالت جملة تستحق أن تتوقف عندها الذاكرة   ..
إن الصوتيات التي يرسلها الدكتور تختصر منها فوائد   ..
وإن تأثيره لا يأتي فقط من المعلومات   ..
بل حتى من عباراته   ..
وإنه يعطي «منهج حياة   .. علمًا للحياة»   ..
وهنا كان الدكتور مسفر أسرع إلى التوضيح   ..
فاختصر المسألة في قيمة المادة التي تعب عليها المدرب   ..
فالمدهش في البرنامج ليس أن المدرب تحدث ساعات   ..
وإنما أن وراء تلك الساعات أيامًا وشهورًا وسنوات من القراءة والبحث والتفكير   ..
وهذا يقودنا إلى سر آخر من أسرار صناعة الجمهور   ..
أن تحترم جمهورك قبل أن تطلب منه أن يحترمك   ..

قال الدكتور مسفر إنه حين يُعد مادة تدريبية لا يبدأ من «جوجل»   ..
يبدأ من المراجع العلمية   ..
رسائل الماجستير والدكتوراه   ..
والبحوث العلمية المحكمة   ..
ثم الكتب   ..
ثم يأتي بعد ذلك إلى الإنترنت   ..
ينتقي منه ما يراه مدهشًا ومفيدًا   ..
ثم يتابع مقاطع في يوتيوب   ..
حتى إنه كان يستمع إليها في السيارة ويضع دفترًا يسجل فيه النقاط المفيدة   ..
وكان يتتبع معارض الكتب في أماكن مختلفة   ..
معرض أبوظبي   ..
ومعرض الأردن   ..
ومعرض القاهرة   ..
ومعرض قطر   ..
ومعرض الرياض   ..
لماذا   ؟
لأن المتدرب الذي يدفع لك ماله   ..
ويمنحك وقته   ..
يستحق أن يشعر أنك لم تأتِ إليه بما وجدته سريعًا على شاشة   ..
يستحق أن يشعر أنك بحثت قبل أن تبحث عنه   ..
وأنك قرأت قبل أن تتحدث   ..
وأنك لم تجعل من القاعة مكانًا لتصريف معلومات قديمة   ..
بل مكانًا تلتقي فيه خبرتك بما استجد من العلم   ..
ولذلك قال إن المادة التي يقدمها في عروضه لا تتجاوز نحو عشرة في المئة من قراءته للموضوع   ..
أما التسعون في المئة الباقية   ؟
فهي للأسئلة   ..
والمناقشات   ..
والردود   ..
وما قد يطرحه المتدربون   ..
وهنا تظهر قيمة أخرى لا يلتفت إليها كثير من المدربين   ..
ليس المطلوب أن تكون قادرًا على إلقاء الشرائح   ..
بل أن تكون قادرًا على الوقوف عندما تنتهي الشريحة ويبدأ السؤال   ..
المتدرب قد ينسى الشريحة   ..
لكنه لن ينسى اللحظة التي سألك فيها سؤالًا   ..
فأدرك أنك تعرف أكثر مما كتبت أمامه   ..
ومن أجمل ما قالته الأستاذة دلال أن براعة المدرب تظهر في الإجابة عن الأسئلة   ..
لأن السؤال يكشف الإلمام الحقيقي والتوسع في الموضوع   ..
وقد يعجز عنه كثير من المدربين أو يؤجلونه تهربًا   ..
وكان جواب الدكتور متسقًا مع ذلك تمامًا   ..
المتدرب ينتظر أن يكون المدرب قد فرغ نفسه للموضوع   ..
وقرأ فيه قراءة عميقة   ..
ثم لخّص له ما قرأ   ..
وهذا لا يعني أن المدرب مطالب بأن يأتي بكل جديد في كل دقيقة   ..
قال الدكتور بوضوح   ..
ليس مطلوبًا أن يكون كل ما يطرحه المدرب جديدًا   ..
لكن لو أعطاك خمسة في المئة من الأشياء المثيرة   ..
من الأفكار التي لم تكن تراها بهذه الصورة   ..
من المعاني التي تجعلك تقول   ..
«هذه أول مرة أفكر فيها هكذا»   ..
فهو في نظره مدرب محترف كبير   ..
أما أن تعيد الكلام المكرر نفسه   ..
وتعيد التعريفات نفسها   ..
ثم تجعل كل قيمة البرنامج في قدرتك على الكلام   ..
فهذه ليست صناعة جمهور   ..
هذه صناعة وقت   ..
ثم عاد الحديث إلى الشهادات العلمية   ..
وهنا كان الدكتور حازمًا   ..
الشهادة ليست جواز سفر للنجاح   ..
والمشكلة لا تقف عند الشهادات   ..
بل تصل أحيانًا إلى الشهادات الملفقة   ..
حين يحاول بعض الناس شراء الصورة بدل بناء الحقيقة   ..
قال إن بعض المراكز التدريبية تربط المقابل المادي بالدرجة العلمية   ..
الدكتور له مقابل   ..
والماجستير له مقابل   ..
والبكالوريوس له مقابل أقل   ..
فتتحول الشهادة في ذهن البعض من وسيلة علمية إلى سلّم تجاري للصعود   ..
لكن الجمهور   ..
كما قال الدكتور   ..
ليس غبيًا   ..
قد تنجح في إقناعه مرة   ..
قد تجعله يشتري مقعدًا   ..
قد تضع أمام اسمه شهادة   ..
لكن عندما يجلس ويكتشف أن المعرفة التي جاء يبحث عنها ليست موجودة   ..
تنتهي الحكاية   ..
«ليس كل دكتور دكتورًا»   ..
وليس معنى أن الإنسان يحمل لقبًا علميًا أنه أصبح تلقائيًا قادرًا على أن يكون مدربًا مؤثرًا   ..
بل إن الدكتور نفسه لم يستثنِ نفسه من هذا الميزان   ..
قال بمعنى واضح   ..
لا يعني أنني أقول هذا الكلام أنني أقول إنني مدرب جيد   ..
كل إنسان يعرف نفسه   ..
وهذه ربما من أجمل علامات النضج   ..
أن يستطيع الإنسان أن يضع نفسه داخل دائرة السؤال   ..
لا خارجها   ..
ومن هنا نفهم لماذا قال الدكتور في بداية الحوار إن أهم نقطة هي إبعاد الشبهات عن رأس المدرب   ..
فالشبهة قد تكون   ..
لا أملك شهادة   ..
وقد تكون   ..
لا أملك وقتًا   ..
وقد تكون   ..
لا أستطيع الوصول إلى الناس   ..
وقد تكون   ..
السوق مزدحم   ..
وقد تكون   ..
لا أحد يحضر عندي   ..
وقد تكون   ..
الناس لا تقدر ما أقدمه   ..
لكن بدل أن يقف الإنسان أمام كل هذه الجدران   ..
عليه أن يسأل سؤالًا أكثر صدقًا   ..
ماذا أستطيع أن أفعل   ؟
وهذا السؤال نفسه ظهر في قصة المدرسة التي كان يتحدث فيها الدكتور مع فريق التميز ومدير المدرسة والوكيل عن ضعف نواتج التعلم   ..
قالوا   ..
السبب أولياء الأمور   ..
فقال لهم   ..
اعتبروني ولي أمر أحد الطلاب   ..
ماذا تريدون مني   ؟

سكتوا   ..
فسأل   ..
وما دوري الآخر   ؟
سكتوا   ..
ثم اتضح أن الصورة لم تكن واضحة حتى لأصحاب المشكلة أنفسهم   ..
وهنا يعود بنا الحوار إلى أصل صناعة الجمهور   ..
بل إلى أصل صناعة النجاح في الحياة كلها   ..
لا تجعل السبب جاهزًا قبل أن تبحث   ..
لا تبحث عن متهم يريحك   ..
ابحث عن حقيقة تصلح المشكلة   ..
فالإنسان حين يفشل قد يكون أول ما يفعله أن يرفع إصبعه إلى الخارج   ..
المتدربون   ..
الطلاب   ..
الإدارة   ..
الوقت   ..
الظروف   ..
السوق   ..
المنهج   ..
الناس   ..
لكن ربما تكون الإجابة التي لا نريد سماعها قريبة جدًا منا   ..
ربما تكون في الطريقة   ..
ربما في الاستعداد   ..
ربما في المعرفة   ..
ربما في أسلوب التواصل   ..
وربما في شيء صغير لم ننتبه إليه لأننا كنا مشغولين بإثبات أننا على حق   ..
ومن هنا يصبح الجمهور مرآة   ..
ليس جمهورك هو الذي يجب أن يقتنع بك دائمًا   ..
أحيانًا جمهورك هو الذي يكشف لك أين تحتاج أن تتغير   ..
والمدرب الذي يفهم ذلك لا يخاف من فقدان جمهور مؤقت   ..
لأنه يعرف أن بناء الثقة لا يقوم على إرضاء الناس   ..
بل على تقديم شيء يستحق الثقة   ..
ولهذا كان حديث الدكتور عن التدريب التجاري مختلفًا   ..
فهو يرى أن التدريب التجاري يرفع معايير المدرب   ..
لأن الإنسان عندما يعرف أن الناس دفعت مالها من أجل أن تحصل على فائدة   ..
تصبح المسؤولية أكبر   ..
المتدرب الذي دفع قد يقول لك بصراحة   ..
لم أستفد   ..
ومن حقه أن يقول   ..
لأنه لا يشتري ابتسامتك   ..
ولا قصتك   ..
ولا سيرتك الذاتية   ..
هو يشتري قيمة   ..
وهنا جاءت عبارته اللافتة عن قاعدة «20-20»   ..
حين حذر المدرب من أن يأتي إلى القاعة وهو يستعرض   ..
«أنا فعلت   .. وأنا أنجزت   .. وأنا عدلت   .. وأنا أضفت   ..»   ..
الجمهور لا يحتاج أن يسمع قائمة إنجازاتك بقدر ما يحتاج أن يعرف   ..
ماذا ستضيف إلى حياته   ؟
ماذا يستطيع أن يأخذ منك ويطبقه   ؟
أي مفهوم تستطيع أن تقربه   ؟
أي علم تستطيع أن تجعله أبسط   ؟
أي فكرة تستطيع أن تفتح بها نافذة في عقلٍ كان مغلقًا   ؟
هذه هي القيمة   ..
أما تعبك في إعداد البرنامج فهو شيء يستحق التقدير   ..
لكنه لا ينبغي أن يكون هو أصل اللقاء   ..
وهنا تتغير نظرتنا إلى المدرب كله   ..
المدرب ليس من يملك أكبر سيرة ذاتية   ..
وليس من يملك أطول قائمة شهادات   ..
وليس من يتحدث بأصعب المصطلحات   ..
وليس من يجعل المتدرب يشعر أنه أمام عقل لا يمكن الوصول إليه   ..
المدرب الحقيقي هو من يستطيع أن يأخذ ما تعب في جمعه   ..
ثم يضعه أمامك بلغة تشبه الطريق   ..
سهلة   ..
لكنها ليست سطحية   ..
عميقة   ..
لكنها ليست ثقيلة   ..
ممتعة   ..
لكنها ليست فارغة   ..
وهذا ما سماه الحوار «السهل الممتنع»   ..
لغة تصل إلى الجميع دون أن تخون المعرفة   ..
ومعرفة لا تتعالى على أحد   ..
ثم يأتي سؤال آخر لا يقل أهمية   ..
هل المدرب يصنع جمهوره وحده   ؟
ربما لا   ..
الجمهور أيضًا يصنع المدرب   ..
في ذلك القروب نفسه   ..
كان الدكتور مسفر يتحدث عن إبداعات الأخوات   ..
الأستاذة أمينة في استنطاق الطرف الآخر بأسئلتها   ..
الأستاذة مها الشهري في جانبها   ..
الأستاذة سمر العلاوي   ..
الأستاذة مرام في التلخيص وإبراز الجماليات   ..
الأستاذة عفاف في التعليقات الصوتية   ..
والأستاذ صالح الذي يدخل من زاوية التربية الخاصة   ..
كل واحد لديه «صوته الأقوى»   ..
وهذه فكرة تستحق أن تخرج من القروب إلى الحياة   ..
ليس المطلوب أن تكون نسخة من الشخص الذي يعجبك   ..
المطلوب أن تعرف ما الذي يخرج منك أنت بصورة أجمل   ..
قد يكون صوتك في السؤال   ..
وقد يكون في التلخيص   ..
وقد يكون في التحليل   ..
وقد يكون في القصة   ..
وقد يكون في الإصغاء   ..
وقد يكون في القدرة على تبسيط فكرة معقدة   ..
وقد يكون في الربط بين أشياء لا يراها الآخرون مرتبطة   ..
حين يعرف الإنسان صوته الأقوى   ..
يبدأ حضوره الحقيقي   ..
وهنا نصل إلى خوف الأستاذة شيخة من المشاركة   ..
ليس لأنها لا تريد أن تخطئ   ..
بل لأنها تستصغر مداخلتها أمام شخصيات تراها عظيمة   ..
وكان رد الدكتور مهمًا   ..
يوافقها في جزء   ..
ويختلف معها في جزء   ..
الاحترافية ليست أن تندفع بلا حساب   ..
وليست أن تنتظر سنوات طويلة حتى تشعر أنك أصبحت كاملًا   ..
بل أن تتحين الفرصة للدخول بطريقة ذكية   ..
فالانتظار الطويل يورث الترك   ..
كم من فكرة جميلة ماتت لأنها ظلت تنتظر «الوقت المناسب»   ؟
وكم من شخص بقي في الصفوف الخلفية لأنه قال   ..
عندما أنضج أكثر سأشارك   ؟
قد تأتي لحظة النضج بعد المشاركة   ..

لا قبلها   ..
وقد تصنع المشاركة الأولى الطريق إلى المشاركة الثانية   ..
وقد يكون الخطأ الذي تخشاه هو نفسه الباب الذي تدخل منه إلى معرفة لم تكن لتصل إليها وأنت صامت   ..
ولذلك فإن صناعة الجمهور تبدأ أحيانًا من صناعة الإنسان لنفسه   ..
اقرأ   ..
اسأل   ..
ناقش   ..
استمع للنقد   ..
ارفض النقد غير الصحيح دون أن تغلق باب النقد كله   ..
ابحث عن مصادر علمك   ..
راجع نفسك   ..
طوّر أدواتك   ..
ولا تجعل شهادتك آخر محطة في رحلتك   ..
فإذا كان المدرب يريد جمهورًا يبقى معه   ..
فعليه أن يبقى هو أيضًا في حالة نمو   ..
الجمهور يكتشف الجمود ولو بعد حين   ..
ويشعر بالتجدد ولو لم تذكر له أنك تجددت   ..
والناس لا تعود فقط إلى المدرب الذي أعطاها معلومة   ..
تعود إلى الإنسان الذي جعلها ترى نفسها بطريقة مختلفة   ..
تعود إلى من وسّع لها أفقًا   ..
من جعل السؤال أجمل   ..
من جعل المعرفة أقرب   ..
من جعلها تخرج من القاعة وفي يدها شيء يمكن أن تستخدمه في بيتها   ..
أو فصلها   ..
أو عملها   ..
أو علاقتها   ..
أو قرارها   ..
أو حتى في نظرتها إلى نفسها   ..
وهنا يصبح «صناعة الجمهور» أكبر بكثير من التدريب   ..
إنها صناعة الثقة   ..
وصناعة الثقة لا تبدأ من الجمهور   ..
تبدأ من الصدق مع الذات   ..
أن تعرف أنك لست كاملًا   ..
وأن تسمح لنفسك أن تتعلم   ..
وأن تقرأ أكثر مما تتحدث   ..
وأن تحضر إلى القاعة وأنت تعرف أن وراء كل دقيقة تقف فيها أمام الناس ساعات لم يرها أحد   ..
ساعات قراءة   ..
ساعات بحث   ..
ساعات حذف   ..
ساعات مراجعة   ..
وساعات تقول فيها لنفسك   ..
هذه المعلومة لا أعرف مصدرها   ..
إذن لن أضعها   ..
وهذه وحدها أمانة   ..
أن تقول   ..
لا أعرف   ..
أن تترك المعلومة التي لا تستطيع إثباتها   ..
أن تعترف بأن تسعين في المئة مما قرأت قد لا يظهر على الشرائح   ..
لكنه يظهر حين يبدأ السؤال   ..
وأن تفهم أن المتدرب لا يحتاج منك أن تثبت أنك تعرف كل شيء   ..
يحتاج أن يشعر أنك أخذت مسؤوليته على محمل الجد   ..
ربما لهذا كان سؤال «كيف يصنع المدرب جمهوره؟» يحتاج خمسة وعشرين عامًا   ..
لأنه في الحقيقة ليس سؤالًا عن الجمهور   ..
إنه سؤال عن الطريق الذي يقطعه الإنسان حتى يصبح جديرًا بأن يُسمع   ..
وفي آخر هذا الحوار   ..
ظل معنى واحد يتردد بين السطور   ..
الناس لا تبحث عن شخص كامل   ..
تبحث عن شخص صادق   ..
لا تبحث عن مدرب لا يخطئ   ..
تبحث عن مدرب يتعلم من خطئه   ..
لا تبحث عن صاحب لقب كبير   ..
تبحث عن صاحب أثر كبير   ..
لا تبحث عمن يقول   ..
«انظروا ماذا فعلت»   ..
بل عمن يستطيع أن يقول   ..
«خذوا هذا   .. ربما ينفعكم»   ..
وهنا أفهم لماذا قال الدكتور مسفر إن الإنسان الذي يريد ألا يخطئ يقيد نفسه عند نقطة البداية   ..
ويسلسل نفسه بالسلاسل لأنه يريد أن يكون كاملًا   ..
ولا يريد أن يحرج   ..
ولا يريد أن يقول «لا أعرف»   ..
ولا يريد أن يجرب قبل أن يضمن النتيجة   ..
لكن الحياة لا تمنحنا هذه الضمانة   ..
نحن نخطئ   ..
ونتعلم   ..
ونتوجع   ..
ويصحح لنا الآخرون   ..
ثم نمضي   ..
ولعل أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان تجاه كل ما مر به ليس أن يخجل من أخطائه   ..
بل أن يحولها إلى معرفة تنفع غيره   ..
فربما يكون جمهورك الحقيقي هو كل شخص ساعدته دون أن تعرف   ..
كل متدرب أخذ منك فكرة   ..
كل معلمة وجدت في كلامك مفتاحًا   ..
كل أب وأم أعادوا النظر في طريقة تعاملهم مع أبنائهم   ..
كل قارئ اكتشف أنه يستطيع أن يبدأ   ..
كل إنسان كان ينتظر أن يصبح كاملًا   ..
ثم قرر أن يتحرك وهو يتعلم   ..
وهكذا لا يعود السؤال   ..
كم شخصًا حضر عندي   ؟
بل   ..
كم إنسانًا بقي فيه شيء جميل مما أعطيته   ؟
تلك هي صناعة الجمهور التي لا تنتهي بانتهاء البرنامج   ..
تلك هي الصناعة التي لا تحتاج إلى إعلان   ..
ولا إلى شهادة معلقة   ..
ولا إلى لقب يسبق الاسم   ..
لأن الإنسان حين يصنع قيمة حقيقية   ..
تبدأ القيمة بصناعة جمهورها بنفسها   ..
وقد يغادر المدرب القاعة   ..
لكن فكرته لا تغادر   ..
وقد تنتهي الدورة   ..
لكن سؤالًا واحدًا يبقى في رأس أحدهم سنوات   ..
وقد ينسى المتدرب عنوان البرنامج   ..
لكنه يتذكر جملة غيّرت طريقته في التفكير   ..
وهناك   ..
في تلك اللحظة الصامتة التي لا تصفيق فيها ولا كاميرات ولا شهادات   ..
يولد الجمهور الحقيقي   ..
ليس جمهورًا يصفق لك   ..
بل جمهورًا ينمو بك   ..
وتنمو أنت به   ..
وهذا   ..
في النهاية   ..
ليس نجاح مدرب فقط   ..
إنه شكل من أشكال العلم الذي يبقى بعد صاحبه   ..
وأجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان خلفه أن يجد يومًا من يقول   ..

لم أكن أعرف هذه الفكرة قبل أن أسمعها منك   ..
ثم يمضي بها إلى إنسان آخر   ..
وهكذا تنتقل الكلمة من قلب إلى قلب   ..
ومن عقل إلى عقل   ..
ومن جيل إلى جيل   ..
ويبقى الأثر   ..
حتى بعد أن يغيب صاحبه   .

gemini generated image pdeugrpdeugrpdeu


أثر لا ينسى   ..
جدة   ..
الخميس ٢٠ ربيع الثاني ١٤٤٨   ..
١ أكتوبر ٢٠٢٦
   ..

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *