موقف( المدرسة المتهاوية )
كنت في زيارة احد القيادات في إدارة التعليم وأثناء الحديث معه قال اريدك في موضوع شائك يخص مدير مدرسة في إحدى الهجر التابعة للادارة
قال هذا المدير عجزنا ان نفهمه وعجز ان يفهمنا ويكاد أمره ان يحسم بالاعفاء من قيادة المدرسة خلال الأيام القريبة لكني فكرت ان تكون انت الحل الاخير قبل اتخاذ الأمر بشانه
قلت له ابشر لكن ما قصته فقال ستجد كل شيء مكتوبا في سجل الزيارات.. كل من زاره خرج من المدرسة وهو على يقين أن بقاء هذا المدير جريمة في حق المدرسة والطلاب وأولياء الأمور.
عادتي أتحمس لمثل هذه المواقف خاصة ان القائد الذي طلب مني ذلك هو في وجهة نظري أنموذج للقيادي الذي في كل يوم أعمل معه يزداد اعجابي به قيادة وأمانة وسلوكا ورقيا.. كان قائدا متفردا في كثير من جوانبه.
بعد صلاة الفجر كنت أتجهز للذهاب للمدرسة والتي تبعد عن مكان سكني قرابة الساعة والنصف تقريبا
وصلت المدرسة قبل وقت الاصطفاف الصباحي بنصف ساعة لكن وجدت المدرسة مغلقة وحول الباب يلتصق الأطفال الصغار به طلبا للدفء في ذلك الصباح البارد بل زاد الطين بلة ان باب المدرسة كان قريبا جدا من الشارع العام وبين حين وآخر كانت تأتي السيارات مسرعة.
بدأ وقت الدوام ولم يتم فتح باب المدرسة بل زاد الوقت قرابة النصف ساعة ولا أحد
بعدها بدقائق جاء احد الأشخاص وفتح الباب وتدافع الصغار للداخل يبحثون عن الدفء والهروب من السيارات المسرعة .
قام المدير يدرب الطلاب على تمارين الاصطفاف الصباحي بطريقة تفيض بكل معاني الفوضى والعبثية
دخلت المدرسة وسلمت على الرجل فعرفت منه انه مدير المدرسة فسألته عن المعلمين فقال هم في الطريق لكونهم يأتون على سيارتين كل سيارة تحمل مجموعة من المعلمين.
بعد ربع ساعة وصل الوفد الأول من المعلمين قرابة الساعة الثامنة وقاموا بالتوقيع في دفتر الدوم وبعد أن ذهبوا لفصولهم أخذت دفتر الدوم فوجدت الجميع قد وقع وسجل وقت الحضور ب الساعة السادسة صباحا
وقعوا وبكل برود تحت نظر مدير المدرسة لكونهم قد تعودوا فعل ذلك كل يوم.. لم اعلق لكوني كنت حريصا على ان تتم الأمور امامي بشكل طبيعي دون أي تدخل
بعد ربع ساعة تقريبا جاء الفريق الثاني من المعلمين ووقعوا كما فعل سلفهم البائس.. سألني المدير هل ستزور أستاذ أحدا من المعلمين فقلت له زيارتي هي لك انت تحديدا
قلت له قبل أن تتنبأ بسر زيارتي علي ان أخبرك بكل شفافية عن سبب زيارتي وقد اتفقت مع قيادة إدارة التعليم على مكاشفتك حول هدف هذه الزيارة
في الوقت الذي كنا ننتظر فيه حضور الدفعة الثانية من المعلمين قرأت ما كتبه مدير التعليم ومساعده وبعض القيادات التعليمية في سجل الزيارة وكلها تفيض بالملاحظات الجوهرية القادحة في أهلية المدير للاستمرار في قيادة المدرسة
قلت له اسمع ياعزيزي قريبا ستعقد اللجنة الإدارية لتحسم امر بقائك في الإدارة لكن احد القيادات أصحاب القرار رأى انه يمكن أن أنجح في مساعدتك لتجاوز الأزمة
قلت ياعزيزي قد تعقد اللجنة هذا الأسبوع وهم ينتظرون مني التقرير النهائي بشأنك فأرجوك ساعدني لكي استطيع مساعدتك
قام يتشكى ويتهم الإدارة بالتقصير وأنه طلب كنبا لغرفة المدير لكنهم لا يستجيبون
قلت له دعنا من الكنب الآن واستوعب خطورة ما اتكلم عنه فقال يا استاذ انا لا أرغب الإدارة فقلت رحم الله والديك اختصرت علي المشور لكنه عاد ليقول لكن لا يستطيع أحد ابعادي بغير حق
قلت يا ابن الحلال ركز معي انت تريد أن تبقى مديرا أو لا فقال نعم فقلت طيب خلك معي حتى اساعدك للبقاء
كل دقيقة في حواري معه تزداد قناعتي أنه الرجل الخطأ لذا حرصت الا يؤثر انطباعي الاولي عنه في صرفي عن هدفي من الزيارة وهو مساعدته على معالجة أخطائه
أثناء حديثي معه تسيطر على ذهنه فكرة المؤامرة وان الجميع يسعى في تصيد أخطائه ورصدها في حين يتركون الآخرين يعبثون دون رادع يقصد بعض المديرين
لم يمر بي مدير بهذا الضعف خاصة مع المعلمين وكأنهم يمسكون عليه شيئا يهدد حياته أو مستقبله.. كل شيء في المدرسة يشوبه القصور والتقصير والنقص والاستهتار
عند الساعة الحادية والربع تقريبا تم طرق باب الإدارة فذهب المدير ليستطلع فدار بينه وبين من خلف الباب حديث هامس لم استطع ان اسمع منه شيئا سوى أن المدير عاد لي وفي وجهه ملامح غضب يحاول اخفاءه
قلت له عسى خير فقال لالا لكن بعض المعلمين يرغبون في مغادرة المدرسة لكن طريق الرجعة طويل فقلت له لم أفهم ما تقصد فقال يريدون الاستئذان وكما تعلم هم في سيارة واحدة فقلت والمنهج والطلاب والنظام والأمانة والخوف من الله لكنه لم يعلق
عدت للحديث معه بشأن المدرسة فعاود الطرق الباب مرة أخرى وعاد التهامس وعندما جلس قال لي هم مصرون على الاستئذان فقلت اذهب وأخبرهم أنني سأقوم بجولة على المدرسة وعلى جميع الفصول وليجهز كل معلم أدواته من دفتر تحضير وأساليب تقويم وغيرها
بعد الجولة انفردت بالمدير وقلت له حان الوقت لتعرف مضمون التقرير الذي سأكتبه عنك فكل ما سأكتبه عن المدرسة وعنك أنني سأكتب عبارة أخاطب فيها مدير التعليم وهي أن المدرسة تترنح وتتهاوى عندما يسقط منها ركن من الأركان وقد جئتكم اليوم من مدرسة تهاوت فيها جميع الأركان
حدثني احد الزملاء ان مدير التعليم عندما قرأ عبارتي قال هذه العبارة حسمت كل شيء
غادرت المدرسة وقد لفني الحزن وحالي لا يعلم به الا الله وانا أشاهد اعين الصغار يملؤها الفرح والعفوية وهم لا يدرون اي مستقبل ينسجه لهم هؤلاء الآثمون
تم إعفاء المدير وفي أحد الأيام دخل علي المكتب وكان الغضب يتقافز من وجهه فقال لي دكتور انت من أبعدني عن المنصب والادارة فطلبت منه الجلوس وقلت له ارفع لك القبعة على شجاعتك وقوتك في الحديث معي لكن للأسف هذه الشجاعة في الطريق الخطأ
ياليت انك استخدمت عشر هذه الشجاعة والجرأة في ضبط معلميك وقيادة المدرسة ولو بالحد الأدنى
نعم ياعزيزي طالبت بابعادك شفقة عليك ورحمة بك من تضاعف الإثم بسبب تفريطك
سكت سكتة طويلة ثم قال تعرف يادكتور عن الشيء الذي آلمني وأوجعني أن هؤلاء المعلمين شمتوا بي بعد أن تم تحويلي إلى معلم فقلت له وهل تتوقع أن يتوالد من الإثم والتفرط شكرا وتقديرا… هم استطاعوا ان يسيروك وفق شهواتهم ومصالحهم فقال انا اعتذر عن اسلوبي معك وتجاوزي فقلت لم يحدث منك شيء لكن انصحك ان تفتح صفحة جديدة في التدريس تكفر بها عن تفريطك في حق نفسك واولئك الصغار الذي يلتحفون سور المدرسة بحثا عن دفء
وسلامتكم
✍️الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني

قد تنهار الأبنية بفعل الزمن، لكن الأخطر من ذلك أن تنهار المؤسسات وهي لا تزال قائمة بجدرانها وأبوابها. فالمدرسة لا يحفظها الإسمنت، ولا تقوم رسالتها على الطلاء والأثاث، وإنما تقوم على أركانٍ إذا تصدع أحدها اهتز البناء، وإذا انهارت كلها بقيت المدرسة اسمًا بلا رسالة، ومبنى بلا روح، وحضورًا بلا أثر.
هذا الموقف ليس حكايةً عن مدير مدرسة فحسب، بل هو تأملٌ في معنى القيادة حين تضعف، وفي أثر التفريط حين يتحول إلى ثقافة، وفي مسؤولية القائد الذي لا يفسد بنفسه، لكنه يسمح للفساد أن ينمو تحت بصره حتى يصبح واقعًا يلتهم المؤسسة ومن فيها. وهنا لا يكون الخطر في الخطأ ذاته، بل في اعتياده، حتى يغدو جزءًا من الحياة اليومية لا يستنكره أحد.
فأدعوك إلى أن تقرأ هذا التحليل والتأمل بعينٍ ترى ما وراء المشهد، وقلبٍ يستشعر عِظم الأمانة، وعقلٍ يدرك أن القيادة ليست منصبًا يُشغل، بل مسؤوليةٌ تُحمل، وأن المؤسسات لا تنهار فجأة، وإنما تتآكل بصمت حين يغيب الحزم، وتضعف المتابعة، وتُترك الأمانة نهبًا للإهمال.
أثر لاينسى
جدة ..
الثلاثاء ١٤ رمضان ١٤٤٧
٣ مارس ٢٠٢٦
.

