موقف(أطلب الشرطة فورا )
في يوم من الأيام كنت في زيارة مدرسة لتقويم أداء معلمي الصفوف الأولية فيها.
هذه المدرسة قريبة إلى نفسي كثيرا بسبب روعة وتميز مديرها وسر هذا التميز انه كان يتعامل مع أي نقد بطريقة إيجابية وفعالة فلم أجد منه انقباضا أو توترا تجاه اي ملاحظة ممكن ان تقدم حول المدرسة.
مررت ببعض المديرين وهم قلة بحمد الله عندما تقدم له ملاحظة ترى التبرير غير المنطقي ومحاولة تشتيت الفكرة بأن السبب في ذلك هم الوزارة وادارة التعليم والأمم المتحدة واليونسكو وحرب الخليج والمحيط الأطلسي والاحتباس الحراري مما يزهدك في تقديم اي تغذية راجعة له.
عندما دخلت على المدير في مكتبه كان أحد الأشخاص واقفا يوجه كلامه الغاضب للمدير
: سلمت ومن غضبه لم ينتبه لسلامي وجلست وهو مستمر في توجيه أشد العبارات توبيخا للمدير
بيني وبين هذا المدير مساحات من التقدير والاحترام ولعل ذلك كان سببا في ارتباكه في بداية الموقف خاصة وان هذا الزائر المنفعل اتضح لي من كلامه انه ولي أمر
قام يواصل رشق المدير بعباراته الوقاحة وعندها تحفز المدير للرد عليه لكنني أشرت إليه بعدم الرد مما شجع ولي الأمر لمواصلة قبحه وتجاوزاته
كنت وقتها افكر في طريقة للتدخل والتعامل مع الموقف بطريقة تؤدب هذا المتفلت وتعيد للمدير قدره ومكانته وهيبته
حاول المدير مرة أخرى ان يرد فأعدت عليه الإشارة بعدم الرد
كنت اريد من صمتي وسكوت المدير أن أمنح ولي الأمر الفرصة ليتجاوز أكثر وأكثر لتقوم عليه الحجة بشكل قاطع وكامل وهذا ماحدث فقد قال في كلامه انه دخل المدرسة متجها للطالب الذي ضرب ابنه وتفاهم معه بمعنى انه هدده وخوفه.
عندما تعب من الثرثرة والتهديد قال للمدير والآن ما النهاية؟
التفت اليه وقلت له بلغة حازمة هل تسأل عن النهاية ابشر.. النهاية عندي
شعرت من ردة فعله انه لم ينتبه لوجودي أو قد كان يظن أنني احد المساعدين الاداريين
أثناء حديثه الثائر كان باب الإدارة يفتح احيانا من بعض المعلمين بسبب صوته المرتفع لكن عندما يشاهدونني يعودون لكونهم يعرفونني
قلت للمدير بلعة حازمة لو تكرمت تتصل بالشرطة الان تخبرهم عن تهجم احد الأشخاص على المدرسة واخبرهم ان ذلك بطلب مني كمسئول في إدارة التعليم
صعق ولي الأمر من ردة فعلي وحاول ان يستفسر من انا فقلت له ساخبرك عندما تصل الجهات الأمنية
انطلق إلى المدير يستجديه ان ينزل الهاتف ويطلب فرصة للتفاهم فقلت للمدير انت سيد الموقف وانا هنا ضيف عندك
شعرت ان المدير يميل إلى التفاهم فبادلني النظرات ففهم مني أن القرار لك
انزل المدير الهاتف فقلت لولي الأمر هل تعرف لماذا طلبت الجهات الأمنية؟ انت لا تدرك ان المدرسة لها قيمتها التي تفوق الكثير من الجهات الحكومية
هل تستطيع أن تفعل ما فعلته اليوم في محكمة من المحاكم فقال لا فقلت هل تستطيع أن تفعل مافعلته اليوم مع مركز من مراكز الشرطة فقال لا
قلت له ان لمدير المدرسة مكانة أعظم من القضاة والضباط مع كامل الاحترام والتقدير لهم لكن هؤلاء تخرجوا من تحت يده.
هل شاهدت مدير مدرسة يقبل راس قاض أو ضابط شرطة؟ لالا لكنا شاهدنا قضاة وضباط يقبلون راس مدير مدرستهم عندما كانوا طلابا في المجامع العامة
ثم إن ذكرت انك دخلت المدرسة وتكلمت مع من ضرب ابنك فهل المدرسة كانت على علم ومعرفة بدخولك وكيف تسمح لنفسك وانت شخص غريب ان تدخل إلى أعماق المدرسة من دون علم المدير
هل تعلم وانا مشرف في إدارة التعليم انه لايمكن أن اسمح لنفسي ان ادخل مدرسة تحت اي ظرف الا تحت عين ونظر مدير المدرسة
انت سالت عن النهاية وهذه النهاية لن تكون عندك أو عندي بل عند مدير المدرسة وانا معه في اي شيء يقرره تصعيدا أو تهدئة
قال مدير المدرسة انا لدي الاستعداد ان اتجاوز عن الموقف بشرط ألا أرى وجهك في المدرسة حتى أنتقل منها
قال ولي الأمر اقسم ألا ترى وجهي بعد اليوم
قلت لولي الأمر هل أدركت حجم خيبتك دخلت المدرسة وانت صاحب الحق وستخرج منها الان وانت مسربل بالخطأ والخذلان.. أحمد ربك انك وقعت في هذا الموقف المخزي مع مدير نبيل رفيع القيمة والقدر عاملك بأخلاقه ومعدنه الأصيل ولو كنت مكانه ماتركتك الا وانت مكبل اليدين ليراك المعلمون الذي سمعوا صوتك المقزز وانت تتجاوز على مديرهم
قام يكرر اعتذاره ثم غادر بعد مغادرته قلت للمدير هل عرفت لماذا طلبت منك السكوت فقال لا
قلت لأن الأمر لو تم تصعيده فقد يقول ان كلامه كان بسبب استفزازك له لكنه يستطيع أن يقول ذلك لكونك لم تنطق بحرف طوال المشكلة
مدير المدرسة يجب أن يكون أهدأ شخص في المكان لكونه دائما هل الحل وليس جزءا من المشكلة
وسلامتكم
✍️الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني

قد يظن بعض الناس أن القيادة تعني سرعة الرد، وارتفاع الصوت، والانتصار للنفس عند أول إساءة، غير أن القادة الحقيقيين يدركون أن أعظم صور القوة ليست في المبادرة إلى المواجهة، بل في امتلاك النفس حتى تكتمل الصورة، وتظهر الحقيقة، ويصبح القرار مبنيًا على الحجة لا على الانفعال. فالهيبة لا تُصنع بالصخب، وإنما بالحكمة، ولا تُحفظ بردود الأفعال المتعجلة، وإنما بحسن إدارة المواقف، ووضع كل كلمة وكل تصرف في موضعه الصحيح.
هذا الموقف ليس مجرد خلافٍ بين ولي أمر ومدير مدرسة، بل درسٌ بليغ في فقه القيادة، وإدارة الأزمات، وصيانة هيبة المؤسسة التعليمية، وكيف يتحول الصمت في بعض اللحظات إلى أبلغ وسائل الحسم، وكيف يكون التريث مفتاحًا للعدل، والحزم بابًا لحماية الحقوق، دون ظلمٍ أو اندفاع.
فأدعوك إلى أن تقرأ هذا التحليل والتأمل بعين الباحث عن الحكمة، وقلبٍ يقدِّر قيمة المؤسسات، وعقلٍ يتأمل كيف تُدار المواقف الصعبة حين يجتمع الحزم مع الرفق، والهيبة مع الأخلاق، والعدل مع حسن التقدير؛ فهناك قراراتٌ لا تكمن عظمتها في شدتها، بل في توقيتها، ولا في قوتها، بل في الحكمة التي وُلدت منها.
أثر لاينسى
جدة
الأثنين ١٣ رمضان ١٤٤٧
٢ مارس ٢٠٢٦

