●التقرير الوردي 📋

screenshot ٢٠٢٦٠٧١١ ١٠١٩٥٩ gallery

موقف ( التقرير الوردي)

كنت في زيارة إحدى مدارس أرامكو الابتدائية ضمن زياراتي كرئيس للمرحلة الابتدائية لمتابعة سير التعلم والتعليم

مدير المدرسة كان زميلا لي في قسم الصفوف الأولية مشرفا ثم وجد نفسه تميل للعمل الإداري فطلب ان يكون مديرا لإحدى المدارس

بيني وبين هذا المدير مودة كبيرة لكونه من الأشخاص الجادين ويحمل بين جنبيه صدقا كبيرا ورغبة في نفع معلميه وطلابه.

كنت مستمتعا بالجلوس معه ولم يعكر صفو اللقاء الا دخول احد الأشخاص يدفع الباب دفعا وفي يده ورقة وردية تشير إلى تقرير طبي لصغيره الذي يدرس في الصف الثاني الابتدائي.

صرخ في وجه المدير وطلب منه أن يستدعي معلما من المعلمين ذكر اسمه

ذكر له المدير ان المعلم حاليا مشغول ببعض الأعمال فعاد للصراخ مرة أخرى فتردد المدير ثم أراد أن يضغط مكبر الصوت لمناداة المعلم فطلبت منه الانتظار

لي عودة بعد دقائق بإذن الله تعالى

مازال ولي الأمر واقفا عند الباب يتطاير الشرر من عينيه فقمت بمناداته وطلبت منه الجلوس بجانبي

قال من انت فقلت انا من سيجعلك تخرج من المدرسة راضيا ناولني التقرير الذي في يدك

انا ياعزيزي مدير المرحلة الابتدائية في المحافظة والمعلم الذي جئت تشتكي عليه تأكد انه سيتم نقله إلى مدرسة بعيدة بسبب ضربه لابنك

قال لقد ضرب ابني ضربا مبرجا والتقرير يكشف ان ابني مضاب برضوض بسبب هذا المعلم الوحشي المستهتر

قلت لمدير المدرسة أسعفنا الله يرضى عليك بقهوة أو شاي فقد وترني هذا المعلم الذي لن يفلت من العقاب

دارت القهوة والشاي في المكان وكان لتمر الخلاص مفعول السحر في تهدئة ولي الأمر

حاول العودة للحديث عن الموضوع فقلت له يارجل انتهى الموضوع لو رجعت غدا ووجدت المعلم في المدرسة فلك الحق

قلت له في اي قطاع تعمل فقال في ارامكو فقلت رائع جدا جزما احد من قرابتي وجيراني من يعمل معك هم أصحاب مناصب قي الشركة وقمت اذكر له بعضهم فعرفهم وقام يثني عليهم

ثم قام يتحدث معي حول أرامكو وطبيعة عمل الشركة ووو

بعد أن تأكدت انه وصل إلى درجة الهدوء التام قلت له الآن يمكن أن نتناقش

قلت له ان اريد ان اتحدث معك بصفتي مسئولا وفي الوقت نفسه اريد ان اتحدث معك كأب لابنك لكون جميع الصغار في المحافظة هم ابنائي وهم تحت مسئوليتي

قلت له نقل المعلم سهل جدا ويكفي تقريرك الوردي لنقله ولدي الاستعداد للدخول ظهر هذا اليوم على مدير التعليم ليتم نقله إلى أبعد مكان لكن

لكن ثم لكن واصارحك انا لا يهمني المعلم لكونه ارتكب ما يستحق عليه العقاب الذي يهمني ابنك لكون المعلم إذا نقل بسبب ابنك فسيستوحش منه المعلمون وينفرون منه وقد يتجاهلون كل السلوكيات الجيدة لديه فلا يعززونها غضبا لزميلهم المنقول

قلت لدي حل لكن لا أدري مدى موافقتك عليك وهو ان تترك الموضوع لي وبعد أن تخرج من المكان سأقوم باستدعاء المعلم واقوم بتوبيخه توبيخا شديدا بل سأقوم بغسله من قمة راسه إلى أخمص قدميه

بل يمكن أن يرتكب ابنك الكثير من الأخطاء فلا يلتفتون له ولا يصدقون في النصيحة خشية ان يلحقهم من الأذى ما لحق زميلهم المنقول

واذا قام بتكرار الضرب إياك أن تاني للمدرسة بل تعال لي في إدارة التعليم الدور الثالث مكتب رقم 51 وسترى ما الذي يمكن ان يحدث له فقال ممتاز لكن اهم شيء لا يدري المعلم أنني جئت للشكوى عليه

قلت له لا تقلق اترك الموضوع عندي وخرج

استدعيت المعلم وعاتبته بل قلت له هل تعلم انك مستحق للنقل التاديبي لماذا كل هذا العنف والضرب المبرح فقال والله لقد استفزني وأخرجني عن طوري

قلت هل أخبرت المدير عن سلوكياته وقبل ان يجيب قال المدير لم يخبرني بشيء ولم أعلم عن موضوعه شيئا

قلت للمعلم مديرك مشرف تربوي عملاق وصاحب خبرة عميقة ولم تستفد من وجوده معك على الاقل على سبيل الاستشارة.. لقد اوقعت مديرك في حرج كبير مع ولي الأمر الذي كان يلوح بالتقرير في وجوهنا

قال المعلم اعاهدكما على عدم تكرار ذلك

قلت له هل تعلم لماذا قمت انا بهذه اللفة الطويلة مع ولي الأمر فقط من أجل شيء واحد وهو ان يلحقك ضرر

اعلم أنني كنت قاسيا عليك لكن لكي تعرف ماذا يمكن أن يؤدي بك هذا التصرف

قام يعتذر لي فقلت لالا الذي يستحق الاعتذار هو مديرك النبيل الذي كنت اقرا في عينيه الشفقة عليك ان يلحقك ضرر بسبب موقفك وتجاوزك

قام يعتذر للمدير ويكرر اعتذاره عندها غادرت المكان وانا سعيد ان الموقف انتهى إلى هذا الحد.

وسلامتكم

✍️الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني

gemini generated image lmng5lmng5lmng5l

ليست كل ورقةٍ تُرفع في وجه المسؤول دعوةً إلى العقوبة، وليست كل شكوىٍ تنتهي بإدانة، فبين الانفعال والحقيقة مسافةٌ لا يقطعها إلا العقل، وبين الغضب والعدل جسرٌ لا يعبره إلا الحكماء. وفي كثيرٍ من المواقف لا يكون أعظم النجاح في سرعة إصدار القرار، وإنما في حسن قراءة النفوس، وفهم الملابسات، واستحضار ما ستؤول إليه النتائج بعد أن تهدأ العاصفة.

هذا الموقف ليس مجرد قصةٍ عن تقريرٍ طبي أو شكوى غاضبة، بل درسٌ عميق في فقه الاحتواء، وإدارة الأزمات، والموازنة بين حفظ الحقوق وحماية المستقبل. إنه يعلّمنا أن القائد الحقيقي لا يكتفي بالنظر إلى الخطأ، بل ينظر إلى الإنسان الذي أخطأ، وإلى الإنسان الذي تضرر، وإلى الأثر الذي سيبقى في الجميع بعد انقضاء الموقف.

فأدعوك إلى أن تقرأ هذا التحليل والتأمل بعينٍ تبحث عن الحكمة قبل الحكم، وبقلبٍ يدرك أن العدل لا ينفصل عن الرحمة، وأن القيادة ليست قوةً في اتخاذ القرار فحسب، بل بصيرةٌ في اختيار القرار الذي يُصلح النفوس، ويعيد الحقوق، ويمنع أن يتحول خطأٌ واحد إلى سلسلةٍ من الأخطاء لا تنتهي.

أثر لاينسى
جدة
ليلة الأحد ١٢ رمضان ١٤٤٧
١ مارس ٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *