قراءة في مقال: الاعتذار شجاعة🌿
✍️ بقلم الأستاذ عبيد بن عبدالله البرغش
ليست بعض النصوص مجرد كلمات تُقرأ .. بل هي مسارات وعي تُفتح في داخل الإنسان دون استئذان .. وكأنها تُعيد ترتيب نظرته لنفسه قبل أن تعيد نظرته للآخرين .. ومقال الأستاذ عبيد بن عبدالله البرغش “الاعتذار شجاعة” من تلك النصوص التي لا تمرّ على القلب مرورًا عابرًا .. بل تستقر فيه كفكرة تُراجع ذاتها كلما تكررت المواقف .
حين يكتب الوعي .. يتوارى الزيف .. ويعلو صوت الحق في النفس قبل أن يعلو في الكلمات .. وهنا تتضح حقيقة الاعتذار كما ينبغي أن يُفهم .. لا كما يُمارس أحيانًا كعادة اجتماعية شكلية .
فالاعتذار .. كما يقدّمه الكاتب .. ليس انكسارًا أمام الناس .. بل انكسارٌ راقٍ أمام الحق .. لحظة يختار فيها الإنسان أن يُنصت لضميره قبل أن يُنصت لصوته .. وأن يُنزل نفسه منزلة العدل ولو خالفت كبرياءها .
وفي ميزان الإيمان .. لا يُقاس الإنسان بقدر ما يثبت على خطئه .. بل بقدر ما يملك من شجاعة الرجوع عنه .. فكم من كلمة “أنا أخطأت” اختصرت مسافة طويلة بين عبدٍ وربه .. ورفعت قلبًا كان مثقلًا بالجدل إلى سعة الطمأنينة .
ويُحسن الكاتب حين يربط الاعتذار بالمسؤولية لا بالمجرد من القول .. فليس الاعتذار تبريرًا لطيفًا .. ولا حيلة لغوية تُخفف أثر الخطأ .. بل هو موقف يتبعه وعي .. ويصدّقه تغيير .. يبدأ بالاعتراف .. ويمرّ بالندم الصادق .. ثم ينتهي بإصلاح ما يمكن إصلاحه .. وكأن الإنسان يعيد ترميم ذاته قبل أن يرمم علاقاته .
وما أجمل ما يتركه الاعتذار من أثر .. إذ لا يُطفئ الخلاف فقط .. بل يُعيد للقلوب قدرتها على المسامحة .. ويزرع فيها يقينًا أن الخطأ ليس نهاية العلاقات .. بل قد يكون بدايتها الجديدة إذا صُحّح بصدق .
وفي عمق هذا المعنى .. يظهر أن الاعتذار ليس مهارة اجتماعية فحسب .. بل عبادة خفية .. لا يراها الناس .. لكن الله يعلم صدقها .. ويعلم ما في القلب حين ينحني للحق دون قيد .
وهكذا يبقى الاعتذار .. كما صوّره المقال .. شجاعةً لا يملكها إلا من عرف قدر نفسه .. وعرف أن الكبرياء الذي يمنعه من الرجوع قد يكون هو ذاته الحاجز بينه وبين نضجه الحقيقي .
ثم يبقى هذا المعنى أوسع من مجرد فكرة مكتوبة .. فهو يلمس في الإنسان حاجته الدائمة للصدق مع نفسه .. ولتلك اللحظة الصامتة التي يراجع فيها قلبه قبل أن يراجع الآخرين .
نسأل الله للكاتب ولمن قرأ امتداد الأثر المبارك ودوامه .
ويبقى للمقال الأصلي نكهته الكاملة لمن أحب أن يقرأ الفكرة من منبعها ..🌧🌿
أثرٌ لا يُنسى
جدة
ليلة الجمعة ١٣ ذو القعدة ١٤٤٧
١ مايو ٢٠٢٦

