ليست كل الأفكار تُقال بصوتٍ مرتفع ..
فبعضها يدخل البيوت همسًا ..
ثم يمكث فيها سنوات ..
حتى يصبح جزءًا من طريقة أهلها في النظر إلى الحياة ..
وقد لا ينتبه الأب حين ينطق بها ..
أنها لن تتوقف عند أذني ابنه ..
بل ستتحول مع الأيام إلى عدسة يرى بها العالم كله ..
ولهذا توقفت طويلًا أمام حديثٍ للدكتور مسفر بن ناصر القحطاني ..
لم يكن يتحدث فيه عن التدريب وحده ..
ولا عن الوظائف وحدها ..
ولا عن الواسطة وحدها ..
بل كان يتحدث عن شيءٍ أخطر من ذلك كله ..
عن الفكرة التي تسبق السلوك ..
بدأ الحوار بسؤال بدا قريبًا من عالم التدريب ..
لماذا يتردد البعض في تقديم مبادرة تدريبية؟
ثم أجاب بكلمات قليلة ..
بسبب الخوف ..
وطلب الكمال ..
وقلة التجربة ..
لكن الدكتور لم يتوقف عند ظاهر الأسباب ..
بل أخذ الحوار إلى الجذر الذي تنبت منه معظم الهزائم قبل أن تقع ..
كان يريد أن يقول ..
إن الإنسان قد يقضي عمره كله وهو ينتظر لحظة لن تأتي ..
لا لأنه عاجز ..
بل لأنه أقنع نفسه أن النجاح يسكن خارج يديه ..
وهنا أدركت أن القضية لم تعد قضية تدريب ..
ولا وظيفة ..
ولا حتى واسطة ..
كانت قضية عقلية كاملة ..
عقلية تؤمن أن الطريق لا يبدأ إلا إذا مهّد له الآخرون ..
وتؤجل العمل حتى تأتي الظروف المثالية ..
وتفسر نجاح الناس بأنه نتيجة دعم أو حظ ..
أكثر من كونه ثمرة إعداد طويل ..
ثم روى موقفًا هزني أكثر من أي مثال آخر ..
قال إنه زار إحدى المدارس الثانوية ..
فشكا إليه مدير المدرسة ظاهرةً أصبحت تتكرر بين بعض الطلاب ..
إذ يسمعون من آبائهم:
“لا تتعب نفسك .. ما فيه وظائف.”
قد تبدو الجملة عابرة ..
لكنها في حقيقتها ليست جملة ..
إنها مشروع هزيمة ..
لأن الابن الذي يسمعها كل يوم ..
لا يذهب إلى جامعته وهو يحمل حلمًا ..
بل يذهب إليها وهو يحمل يقينًا بأن الطريق مغلق ..
وحين يقتنع أن النهاية معروفة ..
يصبح الاجتهاد في نظره ترفًا لا ضرورة ..
فلماذا يسهر؟ ..
ولماذا يتعب؟ ..
ولماذا ينافس؟ ..
ولماذا يسعى أصلًا ..
إذا كانت النتيجة ..
كما صُورت له ..
محسومة قبل أن يبدأ؟ ..
وهنا لا تتوقف الخسارة عند هذا الابن وحده ..
بل تبدأ الفكرة في الانتقال ..
كما تنتقل النار في الهشيم ..
يتخرج الأخ الأكبر متثاقلًا ..
ثم يردد العبارة نفسها لأخيه الأصغر ..
ويكبر الأصغر وهو يحمل القناعة ذاتها ..
ثم يورثها لأولاده ..
وهكذا لا تصبح المشكلة نقصًا في الفرص ..
بل نقصًا في الإيمان بإمكان الوصول إليها ..
ولم يكتفِ الدكتور بهذا المثال ..
بل كشف جذرًا آخر من الجذور التي تتغذى منها هذه العقلية ..
قال:
“من أكبر المشكلات التي تواجه بعض المدربين اعتقادهم أن النجاح يأتي من الخارج .”
ولعل أجمل ما خرجتُ به من هذا الحوار أن الدكتور لم يكن يدعو الناس إلى تجاهل الواقع ..
ولا إلى إنكار وجود الوساطات أو الظروف ..
وإنما كان يعيد ترتيب البوصلة ..
فبدل أن ينشغل الإنسان بما لا يملكه .. ينشغل بما يستطيع أن يبنيه في نفسه .
كم مرة أقنع الإنسان نفسه أن مستقبله معلق بشخص ؟ ..
أو بمنصب ؟ ..
أو بظرف ؟ ..
أو بفرصة لم تأتِ بعد ؟ ..
حتى أصبح الانتظار عند بعض الناس خطة حياة ..
لا مرحلة عابرة ..
وهنا تتغير القضية كلها ..
فالإنسان الذي يربط مستقبله دائمًا بسببٍ خارجي ..
لا ينتظر أن يتطور ..
بل ينتظر أن تتغير الظروف ..
ينتظر واسطة ..
أو منصبًا قريبًا ..
أو مسؤولًا يعرفه ..
أو بابًا يُفتح له دون أن يطرق هو الأبواب ..
ولم ينكر الدكتور وجود الوساطة ..
ولم ينكر أن الحياة قد تحمل لبعض الناس أسبابًا لا تحملها لغيرهم ..
لكنه طرح السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل واحد منا على نفسه ..
هل أجلس منتظرًا أن يصبح أحد أقاربي صاحب نفوذ ؟ ..
ثم ماذا لو لم يحدث ذلك ؟ ..
هل أؤجل عمري كله ؟ ..
هل أؤجل تعلّمي ؟ ..
هل أؤجل مهاراتي ؟ ..
هل أؤجل أحلامي ؟ ..
حتى يتغير شخص آخر ؟ ..
أي عقلية هذه التي تجعل الإنسان يربط مستقبله كله بشيء لا يملكه ؟ ..
ثم جاءت الجملة التي أراها قلب الحديث كله ..
“الأصل في الحياة التخطيط .. والسعي الجاد .. والمثابرة .. وفي النهاية التوفيق بيد الله .”
هنا يفترق طريقان ..
طريقٌ يتعلّق بالأسباب ..
وطريقٌ يتعلّق بربِّ الأسباب ..
فالمؤمن لا يقدس السبب ..
ولا يحتقره ..
يبذل جهده كاملًا ..
ثم يوقن أن النتائج كلها بيد الله ..
ولذلك لا ينتظر المعجزة ..
بل يعمل حتى تأتي رحمة الله إليه ..
ومن أروع ما أورده الدكتور مثالًا على خطورة هذه العقلية ..
ما حكاه ابنه معاذ عن طفلٍ سأله زميله:
“كم درجتك في اختبار القدرات؟”
فلما أخبره بدرجة منخفضة ..
أجابه بكل اطمئنان:
“لا يهم .. أبي سيدخلني أرامكو .”
والأب ..
كما أوضح الدكتور ..
رجل بسيط ..
وليس صاحب نفوذ ..
لكن السؤال الحقيقي لم يكن عن الأب ..
بل عن الفكرة ..
من أين جاء هذا الطفل بهذا اليقين ؟ ..
كيف تشكل في ذهنه أن مستقبله لا تصنعه كفاءته ..
بل يصنعه شخص آخر ؟ ..
إن أخطر ما يمكن أن يُزرع في عقل طفل ..
ليس الخوف من الفشل ..
بل الاطمئنان إلى النجاح قبل أن يستحقه ..
لأن الإنسان إذا ظن أن الطريق مضمون ..
توقف عن المشي ..
أما إذا أدرك أن الله جعل لكل نتيجة سببًا ..
وأنَّه سبحانه لا يضيع سعي الصادقين ..
فإنه يتحرك كل يوم ..
ولو بخطوةٍ صغيرة ..
ولذلك لم يكن الدكتور يدعو إلى تجاهل الواقع ..
ولم يكن يعد الناس بأن الطريق سهل ..
بل كان يدعو إلى أن يكون الإنسان جاهزًا ..
فالفرصة قد تتأخر ..
لكن الجاهزية لا ينبغي أن تتأخر ..

والباب قد لا يُفتح اليوم ..
لكن العلم الذي تحمله معك غدًا لن يضيع ..
والمهارة التي تتقنها اليوم ..
قد تكون سببًا يفتحه الله لك بعد سنوات ..
إن المشكلة ليست أن الفرص قليلة ..
بل أن بعض الناس يستهلكون أعمارهم في انتظارها ..
بدل أن يستهلكوها في الاستعداد لها ..
ولهذا لا ينبغي أن نسأل كل صباح ..
أين الفرصة؟
بل لعل السؤال الأصدق هو:
لو جاءت الفرصة اليوم .. هل أنا مستعد لها؟
فالتوفيق من الله وحده ..
لكنه سبحانه جعل له سننًا لا تحابي أحدًا ..
ومن أجمل هذه السنن ..
أن الله لا يفتح الأبواب لمن أحسن التمني ..
بل لمن أحسن السعي ..
ولهذا فإن أخطر فكرة قد يزرعها أبٌ في ابنه ..
ليست أن الطريق صعب ..
بل أن الطريق لا ينفع معه السعي ..
أما أعظم هدية يمكن أن يقدمها له ..
فهي أن يغرس في قلبه يقينًا لا يتغير ..
اعمل ..
وتعلَّم ..
وأتقن ..
وخذ بكل سببٍ مشروعٍ تستطيع الأخذ به ..
ثم سل الله فضله ..
فإن التوفيق بيده وحده ..
لكنه سبحانه لا يضيع سعي المستعدين .

أثر لاينسى
جدة
الخميس ١٦ صفر ١٤٤٨
٣٠ يوليو ٢٠٢٦

