إلحاقًا لما تم ذكره في قصة المعلم الذي فقد الأمل .. خرج الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني بصوته الهادئ .. وقلبه الصادق .. وعقله التربوي العميق .. ليسجل حديثًا جديدًا قبيل صلاة الجمعة عند الساعة الحادية عشرة صباحًا .. حديثًا يحمل خلاصة تجربة طويلة في الميدان التربوي .. ورؤية عميقة تعيد ترتيب فهمنا للمشكلة من جذورها .. وتضع أمام المعلم والمعلمة طريقًا واضحًا نحو الحل .
تحدث الدكتور مسفر من واقع خبرة سنوات طويلة في الميدان .. مؤكدًا أن قصة المعلم الذي كان يعاني من إدارة الصف ليست حالة نادرة .. وليست موقفًا استثنائيًا .. بل هي صورة تتكرر في مدارس كثيرة بين المعلمين والمعلمات .. وأن أكثر ما يتعامل معه في الميدان هم المعلمون .. لكنه يدرك تمامًا أن هذه المشكلات موجودة أيضًا عند المعلمات .. وقد أكدت إحدى المعلمات ذلك في إحدى الجلسات .. موضحة أن التحديات الصفية لا تفرق بين معلم ومعلمة .. فالميدان واحد .. والتحديات متشابهة .. والنجاح يبدأ من طريقة التعامل مع المشكلة .
وأشار إلى أن كثيرًا من المعلمين قد يتركون التدريس أو يفقدون الحماس .. ليس لأن المشكلة مستحيلة الحل .. بل لأنهم يغرقون في المشكلة نفسها .. يكررون الحديث عنها .. ويشكون منها .. ويواجهون الناس بها .. بينما الحل في كثير من الأحيان قريب جدًا .. وكان يمكن الوصول إليه بخطوات بسيطة .. لو بدأ الإنسان أولًا بالصدق مع نفسه .
وأوضح الدكتور بوضوح أن أخطر ما في إدارة الصف أن المعلم يتحاوطه الجميع .. المدير .. الوكيل .. المشرف .. الزملاء .. وأحيانًا أولياء الأمور .. وقد يشعر أن الجميع يراقبه وقد يدمرون نفسيته أحيانًا .. لذلك الصلابة النفسية هي أول خطوة حقيقية .. وهي التي تجعله يبدأ بحل مشكلته داخليًا قبل مواجهة الآخرين .. لأن مواجهة الناس قبل حل المشكلة قد تؤدي إلى الانهيار وفقدان القدرة على الصمود .
وهنا تتجلى الرسالة الأعمق التي أراد إيصالها .. أن أعظم بداية لأي حل هي جلسة صادقة مع النفس .. جلسة هادئة بعيدة عن الضغوط والاتهامات والتبريرات .. يسأل فيها المعلم نفسه بوضوح .. هل المشكلة عندي فعلًا .. أم عند الآخرين .. هل أبحث عن الحل .. أم أبحث عن الأعذار .. هل أشخص المشكلة بصدق .. أم أهرب منها .
لا يمكن للإنسان أن يُنصح من قِبَل أحد إذا لم يكن هو ذاته راغبًا في النصيحة .. فإذا غاب الصدق مع النفس ولم يعترف الفرد بمشكلته.. فلن يجد أحد القدرة على مساعدته في معالجتها .. وإن ظل يظن أن الآخرين يتصيدون أخطاءه .. فسوف تمتد الأزمة أمامه .. ويتأخر الوصول إلى الحل .. ويزداد العبء النفسي عليه دون أن يشعر .
وأكد الدكتور مسفر أن أخطر ما يواجه المعلم هو الإغراق في المشكلة .. لأن الانغماس فيها يستهلك النفس .. ويضعف الثقة .. ويجعل الإنسان يرى كل من حوله خصومًا .. بينما المشكلة الحقيقية قد تكون بسيطة جدًا وتحتاج فقط إلى تشخيص هادئ وخطوات عملية واضحة .
ومن هنا وضع القاعدة الذهبية التي تختصر الطريق كله .. اترك الناس قليلًا .. واجلس مع نفسك .. شخّص مشكلتك بصدق .. ثم ابحث عن الحل .. لأن التشخيص الخاطئ يعطي حلًا خاطئًا .. تمامًا كما يذهب المريض للطبيب ويخبره أن عنده صداعًا بينما الألم في بطنه .. فيعطيه الطبيب علاجًا لا يناسب حالته .
وأشار الدكتور إلى أن إعطاء معلومات غير دقيقة عن المشكلة يعقد الحل ويجعل الاستشارة غير مجدية .. فمثلًا من يطلب المساعدة وهو يقدم صورة غير حقيقية عن واقعه لن يصل إلى حل حقيقي .. بل سيظل يدور في دائرة مغلقة من الألم والتأجيل والبحث عن أعذار .
وأشار كذلك إلى أهمية الاستشارة الصحيحة .. فليس كل من استمعت إليه مستشارًا .. وليس كل من فضفضت له قادرًا على مساعدتك .. لأن الفضفضة قد تريح القلب قليلًا .. لكنها لا تبني حلًا .. بينما الاستشارة الواعية مع شخص يجمع بين العلم والخبرة والأمانة والقدرة على الحل وحفظ السر تفتح أبواب التغيير الحقيقي
وأوضح الدكتور عناصر اختيار المستشار .. أن يكون أمينًا ويحفظ الأسرار .. أن يكون ذا علم وخبرة وله القدرة على تقديم حلول عملية .. وأن تكون الاستشارة بعيدة عن الضغوط والانفعالات .
تحدث أيضًا عن الصلابة النفسية .. مؤكدًا أن المعلم قد يسمع ملاحظات من المدير .. أو المشرف .. أو الزملاء .. وقد يشعر أن الجميع يراقبه .. وهنا يحتاج إلى قوة داخلية واتزان نفسي يجعله يتقبل الملاحظات بهدوء .. ويحولها إلى فرصة للتطوير .. لا إلى مصدر للإحباط أو الانسحاب .
وهنا ضرب مثالًا بليغًا يوضح فكرة الإنكار التلقائي .. حين يتمسك الإنسان برأيه رغم وضوح الحقيقة أمامه .. فيغلق على نفسه باب الحل .. ويؤجل التغيير .
قصة عنز ولو طارت 🐐✈️
تخيل أن شخصين شاهدا كائنًا غريبًا يتحرك أمامهما .. فقال أحدهما .. هذا طائر .. وقال الآخر .. لا .. هذه عنز .. واحتد النقاش بينهما .. ثم قرر أحدهما أن يحسم الأمر بطريقة عملية .. فأخذ حجرًا ورماه نحو الكائن .. فطار في الهواء .. فالتفت إلى صاحبه وقال .. أرأيت؟ إنه طائر .. لكن المفاجأة أن صاحبه قال بكل عناد .. لا .. هذه عنز ولو طارت .
ومن هنا أصبحت هذه العبارة مثلًا مشهورًا يضرب لمن يرى الحقيقة واضحة أمامه .. ثم يصر على إنكارها .. ويتمسك بفكرته رغم الدليل القاطع .. وهذا يشمل أيضًا تقديم أعذار وعدم قبول الاستشارة المناسبة وإعطاء معلومات غير دقيقة للآخرين ما يجعل الحل يتأخر ويظل الإنسان في دائرة مغلقة من الألم والتأجيل .
وهنا تتجلى رسالة الدكتور مسفر بوضوح .. أن بعض المعلمين قد يقعون في هذا النمط دون أن يشعروا .. يرون المشكلة .. وتظهر لهم أسبابها .. وتعرض عليهم الحلول .. ومع ذلك يصرون على أن الخلل خارجهم .. وأن الآخرين هم السبب .. فيبقون يدورون في نفس الدائرة دون تقدم .
وهذا هو جوهر رسالة الدكتور .. من لا يعترف بالمشكلة .. لن يستطيع حلها .. ومن يصر على الإنكار .. سيبقى يدور في نفس الدائرة .. والصدق مع النفس هو بداية الإصلاح .. والتشخيص الصحيح هو المفتاح الحقيقي لأي حل تربوي ناجح .
ثم أكد الدكتور مسفر أن الصدق مع النفس يتبعه اختيار المستشار المناسب .. ثم العمل بخطوات عملية هادئة .. حتى يستطيع المعلم أن يعيد السيطرة على صفه .. ويستعيد ثقته بنفسه .. ويحول التحديات إلى فرص للتطوير .
كما أشار إلى أن اتخاذ القرارات المصيرية مثل ترك التدريس أو الانسحاب من الميدان يحتاج إلى وعي واستشارة .. لأن كلمة صادقة من خبير قد تعيد الأمل .. وقد تنقذ مستقبلًا مهنيًا كاملًا .. بينما القرار المتسرع قد يغلق أبوابًا كان يمكن أن تفتح لو أُعطيت المشكلة حقها من التشخيص والعلاج .
وأكد الدكتور أن المشكلات التعليمية في الغالب ليست مستحيلة الحل .. لكنها تحتاج إلى رغبة صادقة في العلاج .. وواقعية في التشخيص .. ومتابعة مستمرة للحل
وفي نهاية حديثه .. أعاد التذكير بقصة المعلم الذي فقد الأمل .. مؤكدًا أنها لم تكن مجرد قصة .. بل رسالة لكل معلم ومعلمة أن المشكلة مهما كبرت يمكن أن تتحول إلى نقطة قوة .. إذا واجهها الإنسان بصدق .. ووعي .. واستشارة صحيحة .. وصلابة نفسية .. وإيمان بأن الحل ممكن .
وهنا لا يتوقف حديث الدكتور مسفر عند هذه الإشارات التربوية العميقة .. بل يفتح بابًا أوسع لرؤية منهج متكامل في التعامل مع المشكلات التربوية .. منهج يقوم على التشخيص الدقيق .. والوعي النفسي .. والاستشارة العلمية .. وبناء الصلابة المهنية داخل الميدان .
وما طُرح في هذا الحديث ليس إلا بداية الطريق .. وإشارات أولى نحو منهج تربوي عملي ينتظر أن يُعرض بتفصيل أوسع .. ليضع بين يدي المعلم والمعلمة أدوات حقيقية تساعدهم على إدارة الصف بثقة .. ومواجهة التحديات بوعي .. وبناء بيئة تعليمية مستقرة ومثمرة .
فالحديث لم يكن مجرد قصة .. ولا مجرد مثال .. بل وعد بمنهج قادم .. ورؤية أعمق .. وتجربة ميدانية تستحق أن نتابعها باهتمام .. لأن الميدان التربوي بحاجة إلى مثل هذه الأصوات الصادقة التي تضيء الطريق بهدوء وحكمة .
ولمن أراد قراءة قصة المعلم الذي فقد الأمل كاملة .. والاطلاع على تفاصيل الموقف الذي كان سببًا في هذا الحديث التربوي العميق .. يمكنه قراءة المقال من الرابط التالي ..
🔗 رابط مقال أكل الحرام حين يفقد المعلم الأمل ..
أثر لاينسى ..
جدة ..
الجمعة ١٥ شوال ١٤٤٧ .
٣ أبريل ٢٠٢٦

