لا تكن صدىً🎙️ … كن أثرًا 👣

gemini generated image 4r47cv4r47cv4r47


في هذا العالم أشياء كثيرة تصل إلينا جاهزة  ..
مقطعٌ يلامس القلب  ..
فكرةٌ جميلة  ..
محاضرةٌ نافعة  ..
قصةٌ مؤثرة  ..
اقتباسٌ بديع  ..
صورةٌ تستحق التأمل  ..
فنأخذها كما هي  ..
ثم نرسلها إلى غيرنا  ..
كأن مهمتنا في الحياة أن نكون محطات عبور للمعلومات  ..
لكن ثمة فرقًا هائلًا بين أن تنقل شيئًا نافعًا  ..
وبين أن تصنع منه شيئًا نافعًا  ..
وهنا تحديدًا توقفت عند حديث للدكتور مسفر بن ناصر القحطاني  ..
حديث يبدو في ظاهره عن التدريب والقروبات  ..
لكنه في عمقه يتحدث عن شيء أكبر بكثير  ..
عن الإنسان حين يتوقف عن استهلاك المعرفة  ..
ويبدأ في صناعة أثره بها  ..
وفي إحدى ليالي التدريب في قطر ..
كان الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني يتحدث عن قيمة أن يكون للإنسان منتجٌ يصنعه بنفسه ..
لا مجرد مادة يعيد إرسالها إلى الآخرين  ..
وكان الحديث قد جاء بعد مقطع قصير جمع الأستاذ غانم الجلهم بالشيخ الدكتور وليد مهساس من الجزائر ..
لقاءٌ عابر في شكله ..
لكنه لم يكن عابرًا في معناه  ..

وكان الدكتور مسفر حاضرًا في ذلك اللقاء نفسه ..
فشهد الحوار من قرب ..
ثم التقط من تلك اللحظة فكرةً أوسع عن قيمة أن يتحول الإنسان من مستهلكٍ للمعرفة إلى شريكٍ في صناعتها ..
فالأستاذ غانم لم يكتفِ بأن يجد مقطعًا جميلًا للشيخ ثم يقول  :
«انظروا ماذا قال هذا الرجل»  ..
بل اقترب منه ..
وحاوره ..
وطلب منه أن يقرأ ..
وصنع من اللقاء منتجًا يحمل شيئًا من شخصيته هو  ..
ومن هنا التقط الدكتور مسفر الخيط ..
وفتح سؤالًا أوسع من التدريب والقروبات  :
ماذا نفعل نحن بالمعرفة التي تصل إلينا؟  ..
استوقفني في القصة موقف بسيط جدًا  ..
ضيفٌ كريم  ..
عالمٌ وقارئٌ للقرآن  ..
يأتي إلى مجلس  ..
فيلتقي بأناس لم يكن اللقاء بهم مخططًا له  ..
فينشأ من اللقاء حوار  ..
ومن الحوار فكرة  ..
ومن الفكرة منتج صغير  ..
مقابلة قصيرة  ..
ثم سؤال  ..
ثم قراءة  ..
ثم كلمة  ..
ما الذي حدث هنا ؟
لم يكتفِ أحدهم بأن يقول  ..
«لديكم شيخ مشهور  ..
فلنستمع إلى مقطع له»  ..
كان يمكن أن ينتهي الأمر عند هذا الحد  ..
لكن أحدهم قرر أن يكون شريكًا في المنتج  ..
لم يكن مجرد مستمعٍ إلى المعرفة ..
ولا مجرد ناقلٍ لها ..
بل أصبح جزءًا من صناعتها  ..
وهذه العبارة  ..
في رأيي  ..
تستحق أن نتوقف عندها طويلًا  ..
نحن نعيش في زمنٍ لم تعد فيه المشكلة أن تجد المعرفة  ..
المشكلة أن تعرف ماذا ستفعل بها بعد أن تجدها  ..
المحتوى اليوم أكثر من أن يُحصى  ..
المقاطع لا تنتهي  ..
والكتب لا تنفد  ..
والروابط تتكاثر  ..
والرسائل تتدفق  ..
حتى إن العين أحيانًا لا تلحق أن ترى ما يصل إلى الهاتف  ..
وقد تستطيع أن تجمع في هاتفك آلاف الأشياء الجميلة  ..
ثم تكتشف بعد سنوات أنك لم تصنع منها شيئًا واحدًا يشبهك  ..
كأنك عشت طويلًا في مكتبة عظيمة  ..
لكنّك لم تكتب سطرًا واحدًا على هامش كتاب  ..
وهنا تأتي الفكرة التي يكررها الدكتور مسفر بوضوح شديد  ..
المحتوى وحده لا يصنع الإنسان  ..
أن تنقل مقطعًا لا يعني أنك تعلمت كيف تصنع مقطعًا  ..
أن تستمع إلى حوار رائع لا يعني أنك أصبحت محاورًا رائعًا  ..
أن تشاهد مدربًا مبدعًا لا يعني أنك اكتسبت مهارة التدريب  ..
وأن تجمع في هاتفك آلاف المقاطع الملهمة لا يعني بالضرورة أن شيئًا واحدًا منها أصبح جزءًا من شخصيتك  ..
المعرفة التي لا تدخل إلى منطقة الفعل قد تبقى مجرد ضيفٍ لطيف في الذاكرة  ..
أما حين تمسكها بيدك  ..
وتسأل  ..
وتحلل  ..
وتعيد صياغتها  ..
وتحاور صاحبها  ..
وتختلف معه  ..
وتبني عليها  ..
وتنتج منها شيئًا جديدًا  ..
عندها تبدأ المعرفة في التحول من معلومةٍ في رأسك إلى مهارةٍ في يدك وأثرٍ في حياة غيرك  ..
ولعل أجمل ما في حديث الدكتور مسفر أنه لم يتحدث عن الإبداع بوصفه شيئًا ضخمًا يحتاج إلى استوديو وإمكانات وميزانية  ..
لا  ..
ربما يبدأ الإبداع من سؤال صغير  ..
«هل تسمح لي أن أجري معك حوارًا قصيرًا؟»  ..
ثم سؤال آخر  ..
«ما رأيك في هذه الفكرة؟»  ..
ثم دقيقة واحدة أمام الكاميرا  ..
ثم محاولة  ..
ثم خطأ  ..
ثم محاولة أخرى  ..
ثم بعد مدة تكتشف أنك لم تكن تصنع محتوى فحسب  ..
كنت تصنع نفسك  ..
وهذا هو الفرق الذي لا ننتبه إليه كثيرًا  ..
المنتج الذي تصنعه لا يذهب إلى الآخرين فقط  ..
يعود إليك أنت أولًا  ..
حين تسأل  ..
تتعلم السؤال  ..
حين تحاور  ..
تتعلم الحوار  ..
حين تقدم شخصًا  ..
تتعلم كيف تقرأ الشخصيات  ..
حين تواجه إجابة لم تتوقعها  ..
تتعلم المرونة  ..
حين يتغير مسار الحوار فجأة  ..
تتعلم الحضور  ..
وحين تخطئ أمام الناس ثم تعود في المرة التالية أفضل  ..
تكون قد ربحت شيئًا لا تمنحك إياه مئات ساعات المشاهدة  ..
ربحت خبرةً عاشت فيك  ..
ولهذا كانت عبارة «المتدرب الممتع» التي أشار إليها الدكتور مسفر أكثر عمقًا مما تبدو عليه  ..

فبعض الناس يدخلون التدريب وكأنهم دخلوا قاعة انتظار  ..
جسدٌ حاضر  ..
وروحٌ غائبة  ..
ينتظرون أن ينتهي الوقت  ..
ثم يغادرون  ..
أما المتدرب الحقيقي  ..
فهو الذي يدخل إلى البرنامج وكأنه دخل إلى فرصة  ..
يسأل  ..
يصغي  ..
يبتسم  ..
يشارك  ..
يضيف  ..
ويجعل المدرب يشعر أن أمامه إنسانًا يساعده على نجاح برنامجه  ..
لا إنسانًا ينتظر منه أن ينجز البرنامج وحده  ..
قد لا تكون لديك فكرة عظيمة  ..
قد لا تملك خبرة طويلة  ..
قد لا تستطيع أن تقدم محاضرة كاملة  ..
لكن ربما تستطيع أن تقدم سؤالًا ذكيًا  ..
وربما تستطيع أن تفتح حوارًا جميلًا  ..
وربما تستطيع أن تمنح القاعة ابتسامة في لحظة تحتاج فيها إلى الحياة  ..
وأحيانًا تكون الإضافة الصغيرة التي ظننت أنها لا تساوي شيئًا  ..

هي الشيء الذي يتذكره الناس منك بعد سنوات  ..
ثم تأتي الصورة الأجمل التي رسمها الدكتور مسفر للمدرب  ..
حين شبّه رحلة التعلم بمحطات الوقود  ..
يا لها من صورة !
الإنسان الذي يمضي في الطريق طويلًا دون أن يتزود  ..
قد يبدو قويًا في البداية  ..
لكنه سيقف في منتصف الطريق مهما كان بريق سيارته  ..
وهكذا الإنسان  ..
لا يكفي أن تقول  ..
«أنا مدرب»  ..
ولا أن تقول  ..
«لدي خبرة»  ..

ولا أن ترفع شهاداتك في الهواء  ..
فالطريق لا يسأل سيارتك عن عدد الأوراق التي تحملها  ..

وإنما يسألها  : كم بقي في خزانها ؟
والمعرفة وقود  ..
والناس محطات  ..
واللقاءات محطات  ..
والدورات محطات  ..
والأسئلة محطات  ..
حتى الشخص الذي تظن أنك جئت لتفيده  ..

قد يكون يحمل لك شيئًا تحتاجه أنت  ..
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان المهني أن يظن أنه اكتفى  ..
أن يقول في داخله  : «أنا أعرف»  ..
من هنا يبدأ الخزان في الانخفاض  ..

حتى لو ظل عداد السيارة يلمع  ..
أما الإنسان الحي  ..

فيظل متعلمًا حتى وهو في أعلى درجات خبرته  ..
يجلس مع الأصغر منه سنًا فيسأله  ..
يحضر عند زميل أقل منه خبرة في مجال  ..

فيستفيد  ..
يدخل دورة جديدة وهو قادر على تقديمها  ..

لأنه يعرف أن المنابع إذا لم تتجدد جفّت  ..
وهذا ليس تواضعًا شكليًا  ..
هذه حكمة بقاء  ..
ولعل في حديث الدكتور مسفر رسالة أخرى شديدة الأهمية في زمننا هذا  :

لا تجعل القروبات مقابر للمحتوى  ..
كم من مجموعة امتلأت بالمقاطع حتى لم يعد أحد يعرف لماذا أُرسلت !
واحد وجد شيئًا فأرسله  ..
والثاني وجد شيئًا فأرسله  ..
والثالث أرسل ما أرسله الأول  ..
ثم تتدفق الرسائل حتى تصبح الشاشة كأنها نافذةٌ مفتوحة في عاصفة  ..
معلومة فوق معلومة  ..
مقطع فوق مقطع  ..
رابط فوق رابط  ..
وفي النهاية  ؟
ماذا بقي  ؟
ربما لا شيء  ..
لأن كثرة المعرفة ليست هي نفسها عمق المعرفة  ..
قد تجمع ألف مقطع ولا تغير فكرة واحدة في حياتك  ..
وقد تسمع مقطعًا واحدًا  ..

ثم تتوقف بعده طويلًا  ..

وتسأل نفسك  : ماذا أفعل بهذه الفكرة ؟
وهنا يبدأ الفرق  ..
لا ترسل المقطع فقط  ..
قل  : لماذا أعجبني ؟
ما الفكرة التي أختلف معها ؟
ما الذي يمكن تطبيقه ؟
ما السؤال الذي أريد أن أطرحه على صاحبه ؟
كيف يمكن أن أحول هذه الدقائق إلى تجربة ؟
كيف يمكن أن أصنع منها موضوعًا ؟
كيف يمكن أن أضيف إليها ؟
عندها فقط تصبح شريكًا في المعرفة  ..
وهذا ربما هو أجمل تعريف للإنسان المثقف في عصرنا  ..
ليس من يملك أكبر أرشيف في هاتفه  ..
بل من يستطيع أن يُخرج من المعرفة شيئًا يعيش بعده  ..
قصة الشيخ وليد مهساس جميلة لأنها بدأت بلقاء  ..

وانتهت بمنتج  ..
لكن أجمل ما فيها أنها تقول لنا شيئًا عن أنفسنا  :
لا تنتظر دائمًا أن يأتيك الإبداع من الخارج  ..
قد يكون الإبداع واقفًا أمامك  ..

وأنت لا تحتاج إلا أن تفتح له الباب  ..
قد تجلس أمام شخصية عظيمة  ..

فلا تكن مجرد مستمع  ..
اسألها  ..
حاورها  ..
أعطها مساحة  ..
اصنع معها شيئًا  ..
وقد تحضر دورة عند مدرب مبدع  ..

فلا تجعل حضورك رقمًا في كشف الحضور  ..
كن حاضرًا فعلًا  ..
أضف  ..
تفاعل  ..
جرّب  ..
دع المدرب يخرج من البرنامج وهو يقول  : «كان لهذا الشخص أثر في نجاح اللقاء»  ..
فأنت حينها لم تتعلم منه فقط  ..

بل جعلت وجودك نفسه جزءًا من تجربة التعلم  ..
وهذا المعنى لا يخص المدربين  ..
ولا المعلمين  ..
ولا القادة  ..
إنه يصلح لكل إنسان  ..
في بيتك  ..

تستطيع أن تكون مستهلكًا للعلاقة أو شريكًا فيها  ..
في عملك  ..

تستطيع أن تكون منفذًا للتعليمات أو صانعًا للحلول  ..
في مجتمعك  ..

تستطيع أن تنتظر الآخرين أو تبدأ بما تستطيع  ..
وفي معرفتك  ..

تستطيع أن تكون صندوق بريد… أو عقلًا حيًا  ..
ولعل السؤال الذي يستحق أن نحمله معنا بعد كل هذا ليس  :
«كم قرأت ؟»
ولا  :
«كم شاهدت ؟»
ولا  :
«كم دورة حضرت ؟»
بل  :
«ماذا صنعتَ بما عرفت ؟»
فقد يكون بين إنسان وآخر ملايين المعلومات المتشابهة  ..

لكن الفارق الحقيقي يبدأ عند اللحظة التي تصل فيها المعلومة إلى يده  ..
هذا أخذها وأرسلها  ..
وذاك أخذها وغيّر بها شيئًا  ..
هذا شاهد  ..
وذاك جرّب  ..
هذا حفظ  ..
وذاك صنع  ..
هذا كان صدىً للصوت  ..
وذاك أصبح صوتًا له  ..
وربما لهذا لا يحتاج الإنسان في رحلته إلى أن يكون صاحب أكبر حضور  ..

ولا أكثر الناس كلامًا  ..

ولا أكثرهم شهادات  ..
يكفي أن يكون له شيءٌ صنعه بيده  ..

وقال فيه شيئًا من نفسه  ..

وترك بعده أثرًا لا يشبه أحدًا سواه.
فالعالم مليء بالمحتوى  ..
وممتلئ بالمعلومات  ..
وفائض بالأصوات  ..
لكن ما ينقصه حقًا هو أناس يحولون ما يصل إليهم إلى شيء يستحق أن يصل إلى غيرهم  ..
فإذا جاءتك المعرفة  ..

فلا تدعها تمر  ..
أمسكها  ..
تأملها  ..
حاورها  ..
أضف إليها  ..
ثم أطلقها من يدك وقد أصبحت شيئًا آخر  ..
شيئًا يحمل بصمتك  ..
شيئًا يشبهك  ..
شيئًا ينفع غيرك  ..
شيئًا يبقى .
لأن أجمل ما يمكن أن تفعله بالمعرفة ليس أن تقول  :
«انظروا ماذا وجدت .»
بل أن تقول  :
«انظروا ماذا صنعتُ بما وجدت .»
وهنا فقط…
لا تعود مجرد مستهلكٍ للمعرفة  ..
بل تصبح واحدًا من الذين يصنعونها  .

screenshot ٢٠٢٦٠٨١٤ ١٢٣٧٤٧ chrome

أثر لاينسى
جدة
الأربعاء ٢٠ من شهر ربيع الأول لعام ١٤٤٨
الموافق ٢ سبتمبر ٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

2 لا يوجد تعليقات

  1. سحر الشاهين

    ما أروع المقالة وما أجمل أثرها فيني
    اليوم كنت أحتاج إلى أن أسقى بشيء يحيني ، وأتت هذه المقالة في وقتها .
    فقد طُلب منا مبادرات جديدة لسنة جديدة ولا أريد شيئا عاديا !
    ألهمتني المقالة بأهمية أن يكون للإنسان أثر فيمن حوله،
    أطلق مبادرة مدرسية بعنوان «أثرٌ يمتد»، تقوم على أن يترك كل شخص أثرًا إيجابيًا بسيطًا في يومه: كلمة تقدير، مساعدة، فكرة نافعة، أو موقفًا يصنع فرقًا، ثم نوثّق هذه الآثار ونحوّلها إلى ثقافة مستمرة.
    هنا أشعر أنني لم أكتفِ بأن أقرأ مقالتك، بل أعدتُ إنتاج فكرتها؛ أخذتُ منها شرارة، وأضفتُ إليها من واقعي، ثم أشعلتُ بها مبادرة يمكن أن يستفيد منها آخرون.

    وضعتي بين يديّ بذرة، ولم يكن دوري أن أتأملها وأعجب بها، بل أن أزرعها، وأرعاها، ثم أرى ظلّها يمتد إلى غيري.
    وهذا هو الأثر الذي لا يُنسى: أن تتحول الفكرة من حبرٍ على ورق… إلى حياةٍ تمشي بين الناس.
    فقد أرتويت الليلة بكلمات لم تكن كأي كلمات
    شكرا لك يا أثر وشكرا لمن أثّر فيك وفينا .

    1. أستاذة سحر أكرمتِ الفكرةَ بأثرِكِ
      بوركتِ أينما كنتِ 🌷

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *