●حين تبتسم المعرفة🌱📚

gemini generated image uifcnauifcnauifc


ثمة محاضرات تنتهي حين ينتهي التصفيق  ..
وأخرى تغادر القاعة مع آخر كرسي يُطوى  ..
ثم لا يبقى منها إلا عنوان عابر في الذاكرة  ..
لكن بعض الكلمات تفعل شيئًا آخر  ..
تنام طويلًا  ..
ثم تستيقظ في اللحظة التي نحتاج إليها فيها  ..
في مساء الثلاثاء  ..
السادس والعشرين من جمادى الأولى 1441هـ  ..
الموافق الحادي والعشرين من يناير 2020م  ..
احتضنت القاعة الرئيسة في نادي الأحساء الأدبي بالمبرز محاضرة بعنوان «التعليم الممتع»  ..
قدمها مشرف التعليم الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني  ..
بالتعاون مع إدارة التعليم بالأحساء  ..
وسط حضور قارب أربعمائة من المهتمين بالشأن التعليمي  ..
يتقدمهم مدير عام تعليم الأحساء آنذاك الأستاذ حمد العيسى  ..
ورئيس مكتب الإشراف التربوي الأستاذ خالد بن مطلق العتيبي  ..
إلى جانب عدد من قيادات التعليم بالأحساء  ..
فيما كان رئيس النادي الأدبي الدكتور ظافر الشهري في استقبال الحضور  ..
وقد حفظت الصحافة المحلية شيئًا من تلك الأمسية في يومها  ..
فنُشرت صحيفة «درة» تغطيتها في 22 يناير 2020م  ..
موثقةً المناسبة وأسماء الحضور وجانبًا من محاور المحاضرة  ..
بينما وثقتها وكالة الأنباء السعودية «واس» كذلك ضمن أخبارها الثقافية  ..
ومن الجميل أن نعود إلى هذه التفاصيل الآن  ..
لا لمجرد إثبات تاريخ أو مكان  ..
وإنما لأن للأفكار ذاكرةً تشبه ذاكرة البشر  ..
لها يوم ولدت فيه  ..
ومكان قيلت فيه  ..
ووجوه أصغت إليها  ..
ثم لها أحيانًا حياة أخرى تبدأ بعد سنوات  ..
حين يجدها شخص لم يكن حاضرًا في القاعة أصلًا  ..
وهكذا وصلتني المحاضرة عبر تسجيلها الصوتي المنشور على يوتيوب  ..
كانت ساعة وربع الساعة تقريبًا من الحديث  ..
لكنني وأنا أستمع إليها بعد سنوات لم أشعر أنني أمام تسجيل قديم ينتمي إلى مساء مضى  ..
شعرت أن الصوت ما زال يقف عند باب مدارسنا كل صباح  ..
ويطرق السؤال نفسه  :
هل نعلّم أبناءنا فقط أم نعلّمهم أن يحبوا التعلّم؟
استمعت إلى المحاضرة  ..
ثم عدت إليها مرة أخرى  ..
ثم لم أستطع أن أتركها تمضي كما تمضي المحاضرات  ..
فجلست أفرغها كتابةً  ..
كلمة بعد كلمة  ..
لا رغبة في حفظ حديث قيل وانتهى  ..
وإنما لأن في ثناياها أفكارًا تستحق أن تنجو من عابرية الصوت  ..
وأن تنتقل من أذن سمعَتها ذات مساء إلى قلب معلم لم يكن في تلك القاعة  ..
وأب أو أم  ..
وربما إلى قارئ سيأتي بعد سنوات ولا يعرف شيئًا عن تلك الأمسية  ..
وكانت المفارقة الجميلة أن محاضرة عن «التعليم الممتع» لم تكن تحتاج إلى كثير من الزينة  ..
فقد كان في كلام صاحبها ما يكفي من الطرافة والدهشة والصور والأسئلة  ..
حتى بدا هو نفسه نموذجًا حيًا لما يتحدث عنه  ..
وهنا تبدأ الحكاية  ..
بدأ الدكتور مسفر حديثه من حكايته هو  ..
وكأنه أراد أن يقول لنا منذ البداية إن وراء كل معلم إنسانًا  ..
ووراء كل إنسان قصة  ..
وأن التعليم لا يمكن أن يفصل الإنسان عن إنسانيته  ..
تحدث عن دخوله المدرسة في الخامسة من عمره  ..
وعن ترتيبه الرابع في قرية صغيرة  ..
ثم عن معلم سوداني في المرحلة المتوسطة قال له جملة لم يفهم معناها آنذاك  :
«أنت عبقري  ..  لكنك ستضيع نفسك».
لم يدرك يومها معنى العبقرية  ..
ولا معنى أن يضيع الإنسان نفسه  ..
لكن الكلمة بقيت في مكان ما داخله  ..
حتى بدأت لاحقًا رحلة الأهداف والمنافسة والتطلع إلى المركز الأول  ..
ثم الجامعة  ..
ثم الدراسات العليا  ..
ومن هذه الحكاية الشخصية انتقل إلى سؤال بالغ الأهمية  :
ما الذي يجعل معلمًا يبقى في الذاكرة  ..  بينما يمر معلم آخر من أمامنا فلا نكاد نتذكر منه شيئًا؟
وطلب من الحاضرين أن يستحضر كل واحد منهم  ..
لعشر ثوانٍ فقط  ..
أروع معلم مر عليه  ..
ذلك المعلم الذي يراه نموذجًا حقيقيًا للمعلم  ..
عشر ثوانٍ فقط  ..
لكنها ربما كانت كافية لاكتشاف الحقيقة كلها  ..
حين يستدعي الإنسان ذلك المعلم من ذاكرته  ..
فإنه في الغالب لا يتذكر الكتاب الذي درّسه  ..
ولا عدد الصفحات التي شرحها  ..
ولا قائمة الاختبارات التي وضعها  ..
يتذكر الشعور  ..
يتذكر ابتسامته  ..
وصوته  ..
وطريقته  ..
واهتمامه  ..
وكلماته  ..
وربما يتذكر موقفًا صغيرًا جدًا  ..
لكنه ظل حيًا في داخله سنوات طويلة  ..
وهذه واحدة من أعظم مفارقات التعليم  :
قد ينسى الإنسان ما قلته له  ..  لكنه لا ينسى كيف جعلته يشعر .
وقد ينسى عنوان الدرس  ..
لكنه لا ينسى معلمًا جعله ذات يوم يشعر بأنه قادر  ..
وأنه ذكي  ..
وأن له مكانًا في هذا العالم  ..
ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس  :
كم معلومة أوصلتَ إلى طلابك ؟
بل  : ماذا تركت في نفوسهم بعد أن غادرتهم؟
وهنا تبدأ الفكرة الكبرى  :
التعليم الممتع ليس أن يكون المعلم مضحكًا
فليس كل معلم يضحك طلابه معلمًا ممتعًا  ..
وليس كل درس ممتعًا لأنه امتلأ بالألعاب والأنشطة والحركات  ..
الضحك قد يكون جزءًا من المتعة  ..
واللعب قد يكون أداة من أدوات التعلم  ..
لكن التعليم الممتع أوسع من ذلك بكثير  ..
إنه خبرة تعليمية مرنة وممتعة تجعل المتعلم مندمجًا  ..
متفاعلًا  ..
فضوليًا  ..
شاعرًا بقيمته  ..
راغبًا في أن يعرف أكثر  ..
لأن المتعة التعليمية لا تسكن العقل وحده  ..
بل تمتد إلى الجسد والنفس والعقل  ..
فلا يستقيم أن يكون العقل مستعدًا للتعلم  ..
بينما الجسد مرهق  ..
أو النفس خائفة  ..
أو البيئة خانقة  ..

إنها المتعة التي تجعل الطالب يشعر أن الجلوس أمام هذا المعلم ليس عبئًا ينتظر نهايته ..
بل تجربة يريد أن يعيشها مرة أخرى ..
ولعل أجمل ما في هذه الفكرة أنها تنقلنا من سؤال ..
«كيف أجعل الحصة ممتعة؟»
إلى سؤال أعمق ..
كيف أجعل الطالب يريد أن يتعلم؟
فالفرق شاسع بين أن تجعل الطالب يضحك ..

وأن تجعله يحب التعلم ..
وقد شرح الدكتور مسفر أن التعليم الممتع لا يقوم على جناح واحد ..
فالمعلم وحده لا يصنع التعليم الممتع ..

والمتعلم وحده لا يصنعه ..

والمادة وحدها لا تصنعه ..

وحتى أجمل بيئة صفية لا تكفي وحدها ..
إنه قائم على أربعة أركان ..
المعلم ..

والمتعلم ..

والمحيط الصفي ..

والمادة التعليمية ..
إذا سقط ركن منها اختل البناء ..
وهنا يصبح التعليم الممتع أقرب إلى خلطة دقيقة ..

لا يكفي أن تكون المكونات موجودة ..

بل يجب أن تتآلف معًا ..
قد يكون المعلم رائعًا ..

لكن المادة صعبة بطريقة منفرة ..
وقد تكون المادة جميلة ..

لكن الطالب جاء إلى الصف مثقلًا بالخوف ..
وقد يكون الطالب محبًا للتعلم ..

لكن البيئة الصفية تضغط عليه ..
وقد تكون البيئة جميلة ..

لكن المعلم لا يستطيع أن يجعل الطالب يشعر بالأمان أو الاندماج ..
إذن التعليم الممتع ليس حركة يؤديها المعلم أمام طلابه ..

ولا نكتة يلقيها بين فقرتين ..

ولا لعبة يوزعها عليهم ..
إنه منظومة كاملة ..
ولهذا لا يكفي أن يكون المعلم «ممتعًا» كشخص ..

المطلوب أن يصنع تعلمًا ممتعًا ..
وهذا فرق كبير ..
ثم أخذنا الدكتور مسفر إلى تجربة شخصية لا يمكن أن تُنسى ..
تحدث عن أستاذين في مرحلة الدكتوراه ..

أستاذ كان عالمًا في تخصصه ..

لكنه جعل الساعتين ثقيلتين إلى درجة أن الطلاب ينظرون إلى الساعة مرارًا ..
وأستاذ آخر للإحصاء ..

حتى إن أربع ساعات معه كانت تمر وكأنها دقائق ..
هنا لا نستطيع أن نقول إن الإحصاء كان سهلًا ..

أو إن المادة الأولى كانت بلا قيمة ..
الفرق كان في التجربة التعليمية ..
وقد قال الدكتور ..

بمعنى بالغ الجمال ..

إنه لو كان الأستاذ يبيع المحاضرة لاشتراها ..
وهذه جملة تستحق أن يضعها كل معلم أمامه ..
هل لو كانت حصتي تُباع ..

سيدفع طلابي ثمنها مرة أخرى؟
ليس ثمن المال ..
بل ثمن الوقت ..
فوقت الطالب أثمن مما نظن ..
ومن أجمل ما في التجربة أن الطالب قد يحب مادة لم يكن يتصور يومًا أنه سيحبها ..

فقط لأن إنسانًا جعلها جميلة في عينيه ..
ولهذا قال الدكتور مسفر ..

بمعنى عميق ..
حب الطالب للمعلم حب للمادة ..
أحيانًا لا تحتاج أن تغيّر المادة ..

تحتاج أن تغيّر علاقة الطالب بها ..
كم من إنسان اختار تخصصًا كاملًا بسبب معلم!
وكم من إنسان ابتعد عن تخصص كان يحبه بسبب معلم آخر!
المعلم لا يشرح المادة فقط ..

أحيانًا هو الذي يقرر في نفس الطالب إن كانت هذه المادة صديقة أم عدوة ..

بابًا مفتوحًا أم جدارًا مغلقًا ..
ثم تأتي شبهة أخرى ينبغي أن نزيلها ..
التعليم باللعب ليس هو التعليم الممتع ..
اللعب قد يكون وسيلة ..

لكنه ليس الغاية ..
وقد أشار الدكتور إلى تجربة رآها في مانشستر ..

حيث تُدس المهارات التعليمية داخل اللعب ..

فلا يكون اللعب غاية مستقلة عن التعلم ..

بل يصبح هو الطريق الذي تمر من خلاله المهارة والمعرفة ..
وهنا يظهر الفرق ..
ليس المهم أن نلعب في الحصة ..

بل أن نعرف ماذا يتعلم الطالب من اللعب ..
والضحك قد يكون جزءًا من الدرس ..

لكنه ليس تعريف الدرس ..
قد يضحك المعلم طلابه ..

ثم يخرجون من الحصة دون معرفة أو تفكير أو أثر ..
وقد يستخدم لعبة جميلة ..

لكنها لا تخدم المهارة التي يريد تعليمها ..
وقد ذكر الدكتور مسفر مثالًا طريفًا من إحدى تجاربه التدريبية ..

طلب من مجموعة من الرجال والنساء أن يقدموا عرضًا ممتعًا ..
فخرج أحد المتدربين وأضحك الحضور بطريقة هستيرية ..

ومع ذلك لم يكن هذا كافيًا ليكون العرض «ممتعًا» بالمعنى التربوي ..
وهنا تكمن الحكمة ..
ليس كل من أضحك الناس ممتعًا ..

وليس كل ممتع مضطرًا إلى إضحاك الناس ..
المعلم الممتع قد يجعل الطالب يضحك ..
وقد يجعله يتعجب ..
وقد يجعله يفكر ..
وقد يوقظ فضوله ..
ذلك الفضول الجميل الذي لا يعني أن الطفل يريد أن يشتت الدرس ..

بل أنه يريد أن يعرف ..
ماذا يوجد هناك؟

ماذا سيحدث لو عرفت؟

ماذا وراء هذه الفكرة؟
وقد يمنحه شعورًا بالقدرة ..
وقد يتركه بعد الحصة يريد أن يعرف المزيد ..
وهذه كلها صور من المتعة ..
فالمتعة ليست صوت الضحك فقط ..
أحيانًا تكون المتعة في لحظة اكتشاف ..
وأحيانًا في سؤال لم يكن الطالب يتوقعه ..
وأحيانًا في إجابة جعلته يقول في داخله ..
«آه… الآن فهمت!»
وهذه الـ«آه» ربما كانت أجمل من ألف ضحكة ..
ثم يصل الحديث إلى أخطر ما يمكن أن يحدث في غرفة الصف ..
أن يغلق الطالب باب عقله قبل أن يبدأ الدرس ..
تحدث الدكتور عن مفهوم العجز المتعلم ..

ذلك الطالب الذي يصل إلى مرحلة يقول فيها في داخله ..
«أنا لا أفهم» ..
ثم تتحول الجملة إلى ..
«أنا لا أستطيع» ..
ثم إلى ..
«أنا فاشل» ..
ثم يصبح الفشل عنده هوية ..

لا نتيجة ..
يشرح المعلم ..

والطالب قد أغلق الباب قبل أن يصل الشرح إليه ..
المعلم يقول ..
«يجب أن تفهم» ..
والطالب يقول في داخله ..
«لن أفهم» ..
وهنا لا تكفي كثافة المعلومات ..

ولا تكفي الصرامة ..

ولا تكفي كثرة الواجبات ..

لأن المشكلة لم تعد في المعلومة وحدها ..

وإنما في الصورة التي يحملها الطالب عن نفسه ..
ولهذا فإن المعلم الممتع لا يبدأ دائمًا بالمعلومة ..
أحيانًا يبدأ بإعادة بناء الإنسان الذي سيستقبل المعلومة ..
يقول له ..

بطريقة أو بأخرى ..
أنت تستطيع ..
أنت لست عاجزًا ..
ربما لم تفهم هذه المرة ..

لكنّك ستفهم ..
لن أختزلك في إجابة خاطئة ..
لن أجعل خطأك تعريفًا لك ..
وهنا يبدأ التعلم ..
ومن أجمل الصور التي يمكن أن نخرج بها من حديث الدكتور مسفر تلك العبارة ..
لا تدمر الخلية من أجل العسل ..
المعلم يريد مصلحة الطالب ..
يريد أن ينصحه ..
يريد أن يكون صادقًا معه ..
لكن الصدق إذا جاء بلا رحمة قد يتحول إلى أذى ..
قد يقول المعلم للطالب ..
«أنت لا تفهم» ..
«أنت ضعيف» ..
«لن تنجح» ..
«مستواك متدنٍ» ..
ثم يقول ..
«أنا أقول هذا لمصلحتك» ..
لكن أي مصلحة تلك التي تجعل الإنسان يخرج من الصف وهو أقل ثقة بنفسه مما دخل؟
النصيحة التي تهدم الإنسان ليست فضيلة لمجرد أنها صادقة ..
والمعلم لا يحتاج إلى أن يكذب على الطالب ..
لكنه يحتاج إلى أن يعرف كيف يقول الحقيقة دون أن يقتل الأمل ..
فالخلية يجب أن تبقى ..
والعسل سيأتي ..
ومن هنا جاءت قصة أستاذ الإحصاء لتصبح درسًا تربويًا كاملًا ..
كانت المادة في أعين الطلاب ثقيلة ..
والخوف منها سابقًا عليهم إلى القاعة ..
لكن الأستاذ بدأ من حيث ينبغي أن يبدأ المعلم ..
أزال الخوف ..
طمأن طلابه إلى قدرتهم على النجاح ..
بدل أن يخيفهم من المادة  ..
بل قال لهم إن أقل واحد منهم سيحصل على تقدير مرتفع  ..
وضع شروطًا واضحة ..
فتح لهم باب السؤال ..
وأخبرهم أن ما لا يفهمونه يمكنهم أن يتركوه مؤقتًا حتى تعود إليه المحاضرة ..
فماذا حدث؟
أزيل الخوف أولًا ..
ثم جاء التعلم ..
وهنا درس عظيم ..
لا تبدأ الفصل الدراسي بترهيب طلابك من المادة ثم تطلب منهم أن يحبوها ..
قل لهم ..
هذه مادة جميلة ..
هذه مادة مفيدة ..
هذه مادة قابلة للفهم ..
سنصل إليها معًا ..
ستخطئون ..

وسنصحح ..
ستتعثرون ..

وسنحاول ..
فالمعلم لا يزرع المعلومة وحدها ..
إنه يزرع توقعًا عن المستقبل ..
ثم ينتقل الدكتور إلى واحدة من أجمل الأفكار في المحاضرة ..
التقبّل .. والقبول .. والتقدير ..
التقبّل يعني أن أتقبل الطالب كما هو ..
شكله ..

وقدراته ..

وخلفيته ..

واختلافه ..
أما القبول فهو أعمق ..
أن أبحث عن أجمل صفة فيه ..
وأجعلها إطارًا لعيني ..
يا لها من صورة!
أن تختار أجمل صفة في الطالب لتصبح الإطار الذي تراه من خلاله ..
لأنك إذا جعلت أسوأ صفاته إطارًا لعينيك ..

فلن تراه إلا من خلالها ..
سيصبح عندك ..
المشاغب ..
الضعيف ..
البطيء ..
كثير الكلام ..
المهمل ..
ثم تبدأ كل أفعاله بالمرور عبر هذا التصنيف ..
لكن ماذا لو بحثت عن أجمل شيء فيه؟
ربما كان شجاعًا ..
ربما كان كريمًا ..
ربما كان فضوليًا ..
ربما كان قياديًا ..
ربما كان صاحب خيال ..
ربما كان لديه قدرة لم تجد طريقها بعد إلى الظهور ..
حين يغيّر المعلم إطار نظره إلى الطالب ..

قد يتغير الطالب نفسه ..
ثم يأتي التقدير ..
تلك الحاجة الإنسانية العميقة التي لا تخص الأطفال وحدهم ..
كل إنسان يريد أن يشعر أنه شيء مذكور ..
أن جهده مرئي ..
أن وجوده له قيمة ..
والطالب كذلك ..
يريد أن يشعر أنه ليس مجرد رقم في كشف الحضور ..
يريد أن يعرف أن معلمه رآه ..
رأى محاولته ..
رأى تقدمه ..
رأى ما فيه من خير ..
ومن هنا تأتي التوقعات العالية ..
المعلم الذي يعتقد أن طلابه ضعفاء سيعطيهم في الغالب فرصًا أقل ..
لن يتوقع منهم الكثير ..
لن ينتظر إجابات عميقة ..
لن يكلفهم بمهمات عالية ..
أما المعلم الذي يراهم قادرين ..

فإنه يمنحهم فرصًا أكثر ..
وهنا تصبح التوقعات أشبه برسالة صامتة تصل إلى الطالب ..
أنا أؤمن أنك تستطيع ..
وقد يكون هذا الإيمان بداية قدرة لم تكن موجودة من قبل ..
كم من طالب لم يكن يحتاج إلى معلم أكثر علمًا ..

وإنما إلى معلم يصدّق أنه يستطيع؟
ثم تأتي فكرة أخرى شديدة الأهمية ..
العقل لا يعمل جيدًا تحت التهديد ..
وهي فكرة تستحق أن نتأملها بعيدًا عن المدرسة أيضًا ..
كم فكرة لم نفهمها لأننا كنا خائفين؟
كم موقفًا لم نحسن التصرف فيه لأننا كنا تحت ضغط؟
كم إنسانًا بدا لنا ضعيفًا ..

بينما كان في الحقيقة يعيش حالة خوف؟
إذا كان الإنسان خائفًا من الخطأ ..

فلن يجرب ..
وإذا كان خائفًا من السخرية ..

فلن يسأل ..
وإذا كان خائفًا من المعلم ..

فلن يعترف بأنه لم يفهم ..
وإذا كان خائفًا من الفشل ..

فقد يختار ألا يحاول أصلًا ..
ولهذا فإن الأمان ليس شيئًا جانبيًا في التعليم ..
الأمان بوابة المعرفة ..
ثم يوسّع الدكتور الدائرة ..
الإنسان ليس عقلًا معلقًا في الهواء ..
إنه جسد ونفس وعقل ..
ولهذا أشار إلى أهمية الحاجات الأساسية ..
الماء ..

والنوم ..

والراحة ..

والطعام ..

والظروف التي تساعد الإنسان على التعلم ..
قد يكون الطفل جالسًا أمامك ..
لكن جسده متعب ..
أو جائعًا ..
أو عطشانًا ..
أو مرهقًا ..
ثم نطلب منه أن يكون في أعلى درجات التركيز ..
نحن أحيانًا نريد من الإنسان أن يعطي أفضل ما عنده دون أن نسأل ..
هل وفرنا له الظروف التي تسمح له بأن يعطي؟
وهذا لا يخص المدرسة وحدها ..
إنه درس في الحياة كلها ..
ومن هنا تأتي مسؤولية البيت ..
البيت ليس مدرسة ثانية ..
للبيت أدواره العظيمة ..
النوم المبكر ..

والطعام ..

والراحة ..

والأمان ..

والحب ..

والرعاية ..

والملابس .. والمصروف .. والتوصيل ..

وما يحتاج إليه الطفل من استقرار ..
وللمدرسة دورها الأصيل:
التعليم.
وحين تتداخل الأدوار
إلى درجة يصبح البيت مدرسة ثانية ..
ويصبح المعلم مطالبًا بأن يعالج كل شيء ..
فإننا نزيد العبء على الجميع ..
الطفل يحتاج إلى بيت يحمي طاقته ..
ومدرسة تستثمرها ..
ثم يطرح الحديث سؤالًا آخر:
لكن من يحمي الطالب؟
فالطالب لا يحتاج إلى الحماية من زملائه فقط ..
إنه يحتاج أحيانًا إلى من يحميه
من الأحكام الجاهزة ..
ومن المقارنات ..
ومن التصنيفات ..
ومن الكلمات التي قد يطلقها الكبار
دون أن يدركوا أثرها ..
وحين يدخل شخص إلى الصف ويسأل:
«من عندك من الطلاب الضعاف؟»
قد يكون السؤال في ظاهره عاديًا ..
لكن المعلم الممتع يرفض أن يرى أبناءه بهذه الطريقة ..
يقول:
لا يوجد عندي طالب ضعيف ..
لدي طلاب مختلفون ..
ولكل واحد منهم طريقته في الوصول .
وهنا يطرح الدكتور سؤالًا أكثر إزعاجًا:
هل لدينا صعوبات تعلّم ..
أم لدينا في الحقيقة صعوبات تعليم؟
فربما لا يكون الطالب الذي نصفه بأنه
ضعيف عاجزًا عن التعلم ..
وإنما لم يجد بعد الطريقة
التي تفتح له باب الفهم ..
والسؤال الذي ينبغي أن ينتقل
من الطالب إلى المعلم ليس:
«لماذا لا يفهم؟»
فقط .. بل:
«هل استطعت أن أجعله يفهم؟»
وهذا لا يعني إنكار الواقع ..
أو تجاهل الفروق الفردية ..
بل يعني ألا نحول الفرق إلى حكم نهائي ..
المعلم الممتع لا يقدّس المادة العلمية على حساب الطالب.
فالمادة وُجدت من أجل الإنسان ..
وليس الإنسان موجودًا من أجل المادة ..
قد يخرج الطالب حافظًا لعشرات الصفحات ..
لكنه لا يستطيع التفكير ..
فماذا بقي؟
التدريس الحقيقي ليس نقل المعلومات فقط ..
التدريس هو تعليم التفكير .
والمعلومة التي لا تفتح في عقل الطالب سؤالًا ..
ولا تمنحه قدرة على الفهم ..
ولا تساعده على النظر إلى العالم بطريقة مختلفة ..
قد تتحول إلى حمل مؤقت سرعان ما ينساه ..
وهنا تتجلى واحدة من أعمق الأفكار:
ليس كل ما نعرفه يجب أن نقوله.
المعلم الذي يريد أن يثبت علمه
قد يغرق طلابه في المعلومات ..
لكن كثافة المعلومات ليست دليلًا على عمق التعليم ..
أحيانًا تكون الحكمة
أن تعرف ما الذي يجب أن تتركه ..
ابدأ بالأهم ..
ثم الأقل أهمية ..
ثم دع الطالب يتنفس ..
فالمعرفة حين تتراكم بلا تنفس
قد تتحول من غذاء إلى اختناق ..
والمعلومة تحتاج إلى مساحة في العقل حتى تستقر ..
ومن هنا تأتي مهارة أخرى:
إدارة الانتباه  .
التعليم الممتع لا يعني أن يتحدث المعلم طوال الوقت ..
بل إن من مهاراته أن يعرف متى يتحدث ..
ومتى يغيّر نبرة صوته ..
ومتى يسرّع ..
ومتى يبطئ ..
ومتى يتوقف ..
هناك إدارة للكلام ..
وهناك أيضًا إدارة للصمت ..
الصمت قبل الفكرة المهمة
يجعلها أثقل وزنًا ..
وتغيير نبرة الصوت يوقظ الانتباه ..
والابتسامة بعد دقائق من الشرح
قد تعيد للصف طاقته ..
والتعليق الطريف في اللحظة المناسبة
قد يمنع الملل من أن يستوطن المكان ..
المعلم لا يستخدم صوته
لإيصال الكلمات فقط ..
إنه يستخدمه لإدارة انتباه الإنسان.
وليس مطلوبًا من المعلم أن يكون مهرجًا ..
إن لم تكن لديك موهبة النكتة ..
فهناك أبواب أخرى للمتعة:
قصة ..
موقف ..
سؤال مفاجئ ..
تجربة ..
تشبيه ..
حكاية من الطفولة ..
مقطع قصير ..
سؤال يثير الفضول ..
تغيير في الصوت ..
صمت في اللحظة المناسبة ..
ابتسامة ..
إنصات ..
تشجيع ..
كل هذه أدوات ..
المهم أن تعرف
أي باب من أبواب المتعة يناسبك
ويناسب طلابك ..
وهنا تتسع فلسفة التعليم الممتع
لتشمل قدرة المعلم على قراءة اللحظة ..
فقد تكون المشكلة في بداية الحصة ..
لا في المادة كلها ..
وقد يكون الخلل عند الانتقال
من نشاط إلى آخر ..
وقد يكون عند طرح الأسئلة ..
وقد يكون في طريقة استقبال إجابات الطلاب ..
وقد يكون في دقائق الانتظار
التي لا ننتبه إليها ..
ولهذا لا يكفي أن نقول:
«إدارة الصف»
بل ينبغي أن نسأل:
ما الذي يحدث في الصف تحديدًا؟
وأين؟
ومتى؟
وكيف؟
قد يحتاج المعلم إلى تعديل افتتاح الحصة ..
أو تغيير طريقة الانتقال بين الأنشطة ..
أو إعادة صياغة الأسئلة ..
أو منح الطلاب دورًا أكبر في الحديث ..
بدل أن يذهب مباشرة  ..
إلى دورة جديدة طويلة لا تمس المشكلة الفعلية ..
وهنا تتضح قيمة التشخيص قبل العلاج ..
فالعلاج الجيد يبدأ من السؤال الصحيح.
ثم يعود الدكتور إلى فكرة بالغة الأهمية:
سماها «الخلط السيماني»  ..
الخلط بين ما يقوله المعلم
وما يفهمه الطالب  .
قد يظن المعلم أن كلامه واضح  ..
لأنه واضح في ذهنه هو ..
لكن المعلم عاش مع المادة سنوات ..
حفظ مصطلحاتها ..
يعرف سياقها ..
يعرف ما قبلها وما بعدها ..
أما الطالب فقد يسمع المصطلح للمرة الأولى ..
ولهذا فإن مسؤولية المعلم ليست أن يقول:
«أنا شرحت»
بل أن يسأل:
هل فهموا؟
وهذا فرق هائل ..
الشرح مسؤولية المعلم ..
والتعلم مسؤولية الطالب ..
لكن الفهم مسؤولية مشتركة ..
والمعلم مسؤول عن أن يتأكد

من وصول ما يريد إيصاله ..
ولذلك ينبغي أن يتوقف المعلم بين حين وآخر ليتحقق من الفهم  ..
يسأل  ..
ويطلب من الطالب أن يعيد الفكرة بطريقته ..
ويراقب أين يتوقف الفهم ..
وأين يبدأ الالتباس  .
فأخطر وهم في التعليم
أن نخلط بين وضوح ما نقول
ووضوح ما يصل ..
ثم يأتي الإنسان الذي يقف خلف كل ذلك:
المعلم نفسه.
المعلم إنسان ..
يتعب ..
يغضب ..
يمر بمشكلات في البيت ..
قد يتعرض لضغط من الإدارة ..
أو من زميل ..
أو من مشرف ..
أو من ظرف شخصي ..
ثم يدخل الصف ..
وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي ..

هل سيدخل معه كل ما حدث قبل الحصة؟
أم يستطيع أن يضع مشاعره خارج الباب؟

الطلاب لم يخطئوا بحقه ..
ليس لهم ذنب في مشكلته مع مديره ..
ولا في ضيقه في بيته ..
ولا في خلافه مع زميله ..
ولهذا فإن ضبط الانفعال
ليس مهارة شخصية فحسب ..
إنه أمانة تربوية ..
قد يدخل المعلم الصف وقلبه مثقل ..
لكنه يستطيع أن يقول لنفسه:
«هؤلاء الطلاب لا ذنب لهم بما حدث قبل أن أدخل» ..
ثم يبتسم ..
ليس نفاقًا ..
بل رحمة ..
وهنا يصبح المعلم نفسه
جزءًا من البيئة التعليمية الآمنة ..
لا لأنه إنسان بلا مشكلات ..
وإنما لأنه يعرف
ألا يجعل طلابه يدفعون ثمنها ..
ومن الأفكار المهمة كذلك
أن المعلم الممتع لا يستطيع
أن يدرّس كل موقف بالطريقة نفسها ..
هناك صفوف كبيرة ..
وهناك مجموعات صغيرة ..
وهناك طالب واحد
يحتاج إلى برنامج علاجي ..
وقد يكون معلم بارعًا جدًا
أمام صف كامل ..
لكنه لا يحسن التدريس الفردي ..
وقد يكون آخر رائعًا
مع طالب واحد ..
لكنه يتعثر أمام مجموعة ..
ولذلك يحتاج قائد المدرسة
إلى أن يعرف قدرات معلميه ..
وأن يضع كل مهارة
في مكانها الصحيح ..
فليس كل معلم يصلح
لكل موقف بالطريقة نفسها ..
وهذه ليست إدانة لأحد ..
بل احترام للاختلاف في القدرات ..
مثلما نحترم اختلاف الطلاب ..
ثم تأتي تجربة «مدرسة السعادة»
التي أشار إليها الدكتور مسفر ..
وذكر من بينها
المتوسطة الثالثة بالهفوف ..
بقيادة الأستاذة رحاب حسين المرزوق ..
في سياق الحديث عن نماذج
يمكن أن تجسد شيئًا
من فلسفة التعليم الممتع ..
والفكرة هنا أكبر من اسم مدرسة ..
أن نسأل:
إذا قلت لطفل:
«غدًا ستذهب إلى المدرسة» ..
هل يضيء وجهه؟
أم ينطفئ؟
هل المدرسة بالنسبة إليه
مكان سعادة وبهجة وحبور؟
أم مكان لضيق الصدر والقلق
وانتظار انتهاء اليوم؟
ربما لا نستطيع
أن نجعل كل يوم مدرسي
يومًا مثاليًا ..
لكننا نستطيع
أن نجعل المدرسة مكانًا
لا يخاف منه الطفل ..
مكانًا يشعر فيه
أن وجوده له قيمة ..
وأن خطأه ليس نهاية العالم ..
وأن صوته مسموع ..
وأن معلمه لا ينتظر سقوطه ..
وأن التعلم ليس عقوبة ..
لقد مضت سنوات على تلك الأمسية ..
تغيرت أشياء كثيرة ..
تغيرت الأدوات ..
تغيرت المنصات ..
دخل الذكاء الاصطناعي
إلى تفاصيل لم تكن حاضرة
بهذه الصورة ..
تغيرت المناهج والطرائق ..
لكن الإنسان لم يتغير
في حاجته الأساسية:
أن يشعر بالأمان ..
والقبول ..
والتقدير ..
وأن يجد معنى لما يتعلمه ..
ولهذا بقيت المحاضرة حيّة ..
فبعض الأفكار لا تشيخ
لأن مصدر قوتها ليس في زمنها ..
بل في إنسانيتها ..
وقد يكون أجمل ما يمكن
أن نخرج به من كل هذا ..
ليس قاعدة من القواعد ..
ولا أداة من أدوات المتعة ..
ولا لعبة تعليمية ..
ولا طريقة واحدة في إدارة الصف ..
بل سؤال:
ما المشكلة التي نحاول علاجها فعلًا؟
إذا قال لك أحدهم:
«هذا الطالب لديه مشكلة في التعليم» ..
قل:
أين؟
إذا قال:
«ضعيف» ..
قل:
في ماذا؟
إذا قال:
«لا يفهم» ..
قل:
متى لا يفهم؟
إذا قال:
«لديه مشكلة في الصف» ..
قل:
في أي لحظة؟
عند بداية الحصة؟
عند الانتقال؟
عند طرح السؤال؟
عند التعامل مع زميل؟
عند الخوف من الإجابة؟
لأن العلاج لا يبدأ
من الاسم العام للمشكلة ..
العلاج يبدأ حين نقترب
من المشكلة كما هي ..
وهذه قاعدة تصلح للتعليم ..
وللتربية ..
وللأسرة ..
وللعمل ..
وللعلاقات ..
بل ولأنفسنا ..
كم مرة قلنا:
«أنا متعب» ..
لكننا لم نسأل:
من أين يأتي التعب؟
وكم مرة قلنا:
«أنا لا أحب عملي» ..
دون أن نسأل:
ما الذي يؤلمني فيه؟
وكم مرة قلنا:
«ابني ضعيف» ..
دون أن نسأل:
أين يضعف؟
ولماذا؟
وكم مرة حكمنا على إنسان كامل
من خلال موضع واحد تعثر فيه؟
الحكمة ليست أن تعرف
أن هناك مشكلة ..
الحكمة أن تصل إلى حقيقتها ..
وهناك فقط يبدأ الإصلاح ..
وفي ختام الأمسية
شكر الدكتور مسفر نادي الأحساء الأدبي
ورئيسه الدكتور ظافر الشهري ..
كما قدم شكره
لمدير عام تعليم الأحساء
الأستاذ حمد العيسى ..
ووزعت خمس نسخ
من كتابه «استراتيجيات التدريس الإبداعي»
هدايا لمن أجابوا عن أسئلة المحاضرة ..
ثم ألقى مدير عام تعليم الأحساء
الأستاذ حمد العيسى
كلمة شكر فيها الدكتور مسفر القحطاني
على المحاضرة ..
وحث الحضور
على تطبيق ما تدربوا عليه
في ميدان التعليم ..
مسترشدًا بالتجربة الفنلندية
في التعليم التي تقوم على المتعة ..
وفي نهاية اللقاء
كرّم رئيس النادي
الدكتور ظافر الشهري
المحاضر ..
وسلمه شهادة شكر من النادي ..
كما تسلم الحضور
شهادات تفيد حضورهم الدورة ..
ثم بقيت المحاضرة في الذاكرة ..
قاعة امتلأت بالمعلمين والمعلمات ..
أصوات تصعد وتهبط ..

ضحكات ..
أسئلة ..
أمثلة ..
قصص ..
ثم انطفأت الأنوار ..
وعاد كل شخص إلى بيته ..
لكن بعض الكلام لم ينطفئ ..
بقي ..
ثم انتقل من صوت إلى كتابة ..
ومن كتابة إلى قارئ ..
ومن قارئ إلى معلم ..
ومن معلم إلى طفل ..
وربما يصل يومًا إلى أم وأب ..
وهنا تصبح المعرفة شيئًا آخر ..
لا تعود مجرد محاضرة ..
تصبح أثرًا ..
وهذا في ظني

هو الاختبار الحقيقي لأي تعليم:
ليس كم شخصًا حضر؟
ولا كم شهادة وُزعت؟
ولا كم معلومة قيلت؟
بل:
كم حياة تغيّرت بعد أن انتهى الكلام؟
إذا كنت معلمًا ..
فلا تبحث عن أن تكون

أكثر المعلمين علمًا فقط ..

ابحث عن أن تكون أكثرهم قدرة
على أن تجعل الطالب يحب أن يتعلم ..
وإذا كنت أبًا أو أمًا ..
فتذكر أن طفلك لا يحتاج منك
أن تكون معلمه طوال الوقت ..
قد يحتاج منك أن توفر له
النوم .. والطعام .. والأمان ..
والاحتضان .. والطمأنينة ..
ثم تترك للمدرسة مهمتها ..
وإذا كنت مديرًا أو قائدًا ..
فلا تسأل فقط:
«كم دورة حضر المعلم؟»
اسأل:
ما المشكلة الحقيقية التي نريد حلها؟
فقد تكون المشكلة
في لحظة افتتاح الحصة ..
أو في طريقة الانتقال بين الأنشطة ..
أو في نوع الأسئلة ..
أو في العلاقة بين المعلم والطلاب ..
أو في بيئة الصف نفسها ..
وقد لا تحتاج المشكلة إلى دورة جديدة
بقدر ما تحتاج إلى عين ترى ..
وأذن تسمع ..
وتشخيص دقيق يصل إلى السبب ..
وإذا كنت إنسانًا بعيدًا عن التعليم كله ..
فلا تظن أن الكلام لا يعنيك ..
أنت أيضًا تتعلم كل يوم ..
وتعلّم من حولك كل يوم ..
بكلمة ..
بموقف ..
بطريقة تعاملك ..
بما تمنحه للآخرين من أمان أو خوف ..
من تقدير أو تحقير ..
من أمل أو إحباط ..
كل واحد منا معلّم بطريقة ما ..
وكل واحد منا طالب بطريقة ما ..
ولهذا فالتعليم الممتع
ليس قضية المدرسة وحدها ..
إنه قضية الإنسان ..
ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به ..
أن المدرسة لا ينبغي أن تكون مكانًا
يتمنى الطفل النجاة منه ..
لا نحتاج إلى مزيد من الشعارات
المعلقة على الجدران ..
ولا نحتاج إلى أن نكتب
«التعليم الممتع» بأجمل الخطوط ..
ثم نترك الطفل يدخل إلى حصة
لا يستطيع فيها أن يسأل ..
ولا نحتاج إلى توزيع الألعاب
ثم العودة إلى الأسلوب نفسه ..
ولعل المشكلة أننا أحيانًا
نطلب الثمرة قبل أن نعتني بالشجرة ..
نواتج التعلم لا تُصنع بالشعارات ..
إنها تحتاج بناءً طويلًا ..
مثل النخلة ..
لا يمكن أن نزرعها اليوم ..
ثم نقف غدًا لنسألها:
أين الثمر؟
ولهذا لا نحتاج إلى نواتج تعلم ضخمة
في زمن قصير ..
بينما الأساس نفسه لم يُبنَ بعد ..
نحتاج إلى شيء أبسط وأعمق:
أن نعيد للمعرفة إنسانيتها ..
أن نعيد للإنسان علاقته الجميلة بالتعلم ..
أن نجعل الطفل لا يخاف من الخطأ ..
أن نجعل السؤال مرحبًا به ..
أن يشعر الطفل أن السؤال ليس عيبًا ..
وأن الخطأ ليس فضيحة ..
وأن المعلم ليس خصمًا ..
وأن المادة ليست وحشًا ..
وأن المدرسة ليست عقوبة ..
أن يرى المعلم في الطالب إنسانًا
قبل أن يراه درجة ..
وأن يرى المدير في المعلم إنسانًا
قبل أن يراه رقمًا في تقرير ..
وأن يرى الأب في ابنه روحًا تحتاج إلى أن تنمو ..
لا مشروع درجات يحتاج إلى أن يكتمل ..
فربما لا يكون أعظم إنجاز للمعلم
أن يقول:
«جميع طلابي نجحوا» ..
بل أن يستطيع بعد سنوات أن يقول:
«كان بينهم طفل كاد يصدق أنه لا يستطيع…
ثم أقنعته أن يستطيع» ..
وربما لا يكون أجمل ما يتركه المعلم وراءه
كتابًا محفوظًا في المكتبة ..
قد يكون إنسانًا يمشي في الحياة بثقة ..
لأنه في يوم من الأيام
وقف أمام معلم قال له:
أنا أؤمن بك ..
هذه الجملة قد تبدو صغيرة ..
لكنها أحيانًا تصنع عمرًا كاملًا ..
ولعل هذا هو التعليم الممتع في جوهره:
أن يدخل الطالب إلى الصف
بعقله .. وقلبه .. وجسده ..
ويخرج منه
أكثر حياةً ..
وأكثر فضولًا ..
وأكثر ثقةً ..
وأكثر رغبةً في أن يعرف ..
فهل نستطيع أن نصنع مدرسة
يتسابق إليها الأطفال ..
كما يتسابقون إلى الأشياء التي يحبونها؟
هل نستطيع أن نجعل المعلم
أول شخص يفتح نافذة في عقل الطفل ..
بدل أن يكون أول شخص يغلقها؟
هل نستطيع أن نتوقف عن سؤال الطالب:
«ماذا حفظت؟»
ونبدأ بسؤاله:
«ماذا فهمت؟
وماذا فكرت؟
وماذا أصبحت بعد أن تعلمت؟»
وربما .. في النهاية ..
لا يكون التعليم الممتع
هو أن نجعل الطفل يضحك أثناء الدرس ..
بل أن نجعله يبتسم بعد سنوات ..
حين يتذكر أننا كنا ذات يوم
جزءًا من رحلته ..
فبعض المعلمين يدرّسون مادة …
وبعضهم يتركون في الإنسان حياة ..
وهؤلاء هم الذين
لا تنتهي حصصهم بانتهاء الجرس ..
هؤلاء تبقى حصصهم فينا …
ما بقي فينا شيء اسمه ذاكرة ..
وقد يكون هذا هو سر بقاء بعض الكلمات ..
أنها لا تطلب منا أن نصفق لها ..
إنها تطلب منا أن نغيّر شيئًا ..
أن نعود إلى الصف غدًا
بطريقة مختلفة ..
أن ننظر إلى الطالب بعين أخرى ..
أن نخفف خوفًا ..
أن نوقظ فضولًا ..
أن نمنح فرصة ..
أن نقول لمن كاد يستسلم:
أنت تستطيع ..
ثم نترك للزمن
أن يخبرنا ماذا صنعت تلك الكلمة ..
فالمعرفة حين تصل إلى العقل وحده
قد تُنسى ..
أما حين تصل إلى العقل والقلب والوجدان ..
فإنها قد تتحول إلى حياة .
ولمن  أراد العودة إلى تفاصيل الأمسية ومصادرها الأصلية
التي بدأت منها هذه الحكاية ..
فهذه محاضرة
..
«التعليم الممتع» للدكتور مسفر بن ناصر القحطاني
المنشورة على يوتيوب:


فقد يكون أجمل ما في بعض الكلمات
أنها لا تنتهي حين ينتهي التسجيل …
بل تبدأ حين نغلقه ..

للاطلاع على التغطية الصحفية لمحاضرة «التعليم الممتع» للدكتور مسفر بن ناصر القحطاني .. يمكن الرجوع إلى التغطية المنشورة في وكالة الأنباء السعودية «واس» ..

وإلى التغطية المنشورة في صحيفة «درة» الإلكترونية بتاريخ 22 يناير 2020م ..

https://www.spa.gov.sa/2025334?utm_source=chatgpt.com

وقد وثقتا جانبًا من تفاصيل المحاضرة والحضور ومحاورها ..

screenshot ٢٠٢٦٠٨٣٠ ٠٤٥٩٥٢ gallery

أثر لاينسى
جدة
الأحد ١٧ ربيع الأول١٤٤٨
٣٠أغسطس
٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *