🧩 فسيفساء النجاح🧩

screenshot ٢٠٢٦٠٨٠١ ٠٦٤٩٢٨ gallery


هل النجاح صفة واحدة  .. أم فسيفساء من الصفات ؟
هناك أسئلة لا تنتظر جوابًا ..
بل تنتظر أن تفتح أبوابًا ..
ومن أجمل هذه الأسئلة ..
سؤال يبدو في ظاهره بسيطًا :
كيف أعرف أنني أملك عقلية ناجحة؟
ظننت في البداية ..
أن الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني سيجيب كما يفعل كثير من المدربين ..
سيضع تعريفًا ..
ثم يسرد الخصائص ..
ثم ينتهي الدرس ..
لكنه لم يفعل ..
ترك السؤال معلقًا ..
ثم انسحب خطوة إلى الخلف ..
وكأنما كان يريد أن يرى ..
كيف تفكر العقول قبل أن تسمع الإجابة ..
ومن هنا ..
بدأ المشهد كله يتغير ..
لم يعد السؤال عن النجاح ..
بل عن الإنسان نفسه ..
ولم يكن السؤال يبحث عن تعريفٍ للنجاح ..
بل كان يختبر كيف يرى كل إنسان النجاح ..
فالسؤال الواحد كشف أن العقول  .. وإن اتجهت نحو القمة نفسها ..
فإنها لا تسلك الطريق ذاته ..
كانت الإجابات تتوالى ..
كل واحدة تمسك بطرف من الحقيقة ..
إحداهن رأت أن العقلية الناجحة تبدأ من الإيجابية ..
وأخرى رأت أنها حسن إدارة الذات ..
وثالثة وجدتها في التطوير المستمر ..
ورابعة في المرونة أمام المتغيرات ..
وخامسة في التعلم الدائم ..
وسادسة في الشغف ..
وسابعة في الانضباط ..
وثامنة في تحويل الفشل إلى بداية جديدة ..
وكان يمكن لأي مستمع أن يظن ..
أن بعضهن أصاب ..
وبعضهن ابتعد ..
لكن الدكتور لم يكن يبحث عن الإجابة الصحيحة ..
بل كان يجمع قطع الصورة ..
أدركت حينها ..
أن المشكلة ليست في اختلاف التعريفات ..
بل في ظننا أن الحقيقة لا بد أن تكون جملة واحدة ..
بينما الحقائق الكبيرة ..
نادرًا ما تسكن تعريفًا صغيرًا ..
فالنجاح ليس بابًا واحدًا ..
إنه بيت ..
ولكل واحدة منهن كانت تمسك بحجر من أحجاره ..
ولو أخذت حجرًا واحدًا ..
فلن يُبنى البيت ..
ولم تكن تلك الأحجار متنافرة كما خُيّل لي في البداية ..
بل كانت تشبه فسيفساء ..
كل قطعة تبدو صغيرة إذا نظرت إليها وحدها ..
لكنها حين تجتمع مع غيرها تكشف الصورة الكاملة ..
فالإيجابية قطعة ..
والتعلم المستمر قطعة ..
والمرونة قطعة ..
والانضباط قطعة ..
وتحمّل المسؤولية قطعة ..
والشغف قطعة ..
ولعل أجمل ما في الحوار ..
أن الدكتور لم يسارع إلى ترجيح رأي على آخر ..
ظل يستمع ..
ويثني ..
ويضيف ..
ثم في النهاية ..
قال جملة قصيرة ..
لكنها كانت أوسع من جميع التعريفات :
“وأنا أرى أن النجاح في ذلك كله .”
ولعل هذه الجملة وحدها ..
تكشف عقلية ناجحة قبل أن تصفها ..
فالعقول الضيقة تبحث دائمًا عن الاختيار بين الأفكار ..
أما العقول الواسعة ..
فتبحث عن المكان الذي تلتقي فيه الأفكار ..
ولذلك لم يكن الدكتور يجمع الإجابات ..
بل كان يجمع الإنسان ..
يا لها من عبارة ..
بدل أن يختار بين الأفكار ..
احتضنها جميعًا ..
وكأن النجاح ليس طريقًا واحدًا ..
بل طرق تلتقي في مقصد واحد ..
حينها ..
خطر لي سؤال آخر ..
كم مرة أفسدنا الأفكار الجميلة ..
لأننا استعجلنا تعريفها؟ ..
نحن نحب الاختصار ..
نحب أن نقول :
النجاح هو ..
القيادة هي ..
الإبداع هو ..
ثم نغلق الباب ..
لكن الحياة لا تحب هذا النوع من التعريفات ..
لأن الإنسان نفسه لا يُختصر ..
فالذي عاش الفشل طويلًا ..
سيرى النجاح في القدرة على النهوض ..
والذي عاش التشتت ..
سيراه في الانضباط ..
والذي ذاق أثر التعلم ..
سيراه في القراءة المستمرة ..
والذي تعب مع نفسه ..
سيراه في إدارة الذات ..
ولا أحد منهم مخطئ ..
كل واحد ..
يصف الجزء الذي أنقذه ..
وربما لهذا السبب ..
لا توجد وصفة واحدة للنجاح ..
لأن النجاح لا يولد من الكتب وحدها ..
بل من التجارب التي مررنا بها ..
والانكسارات التي شكلتنا ..
والأسئلة التي غيّرت اتجاه حياتنا ..
نحن لا نعرّف النجاح فقط ..
نحن نعرّفه بسيرتنا ..
وهنا ..
اكتشفت شيئًا آخر ..
الدكتور لم يكن يدير نقاشًا ..
بل كان يصنع خريطة ..
كل مشاركة كانت تضيف لونًا جديدًا ..
حتى اكتملت اللوحة ..
وهذا ما يفعله المعلم الحقيقي ..
إنه لا يزرع نسخة واحدة من الفكرة في جميع العقول ..
بل يسمح لكل عقل أن يصل إليها من الطريق الذي يناسبه ..
ولهذا تختلف الثمار ..
لكنها تخرج من البذرة نفسها ..
وربما لهذا ..
لا أخاف بعد اليوم من اختلاف الرؤى ..
لأن الاختلاف ليس دائمًا علامة نقص ..
أحيانًا ..
هو الدليل الوحيد ..
على أن الحقيقة أكبر منا جميعًا ..
وأن كل إنسان لا يحمل الحقيقة ..
بل يحمل زاوية يرى منها الحقيقة ..
وحين نجمع الزوايا ..
تتسع الرؤية ..
خرجت وأنا أفكر ..
أن الإنسان لا يكبر حين تزداد معلوماته فقط ..
بل حين تتسع المساحة التي يحتمل فيها اختلاف الآخرين ..
فكلما اتسع عقلك ..
ضاقت حاجتك إلى إلغاء من يخالفك ..
ولعل هذا هو الدرس الذي خرجت به من الحوار ..

لم أتعلم تعريف العقلية الناجحة ..
بل تعلمت شيئًا أجمل ..
أن العقلية الناجحة ..
هي التي لا تخاف من أن ترى الحقيقة في كلام غيرها ..
ولا تستعجل حبسها داخل تعريف واحد ..
لأنها تعرف أن النهر لا يصنعه جدول واحد ..
وأن الضوء الأبيض ..
لم يكن لونًا واحدًا قط ..
بل اجتماع الألوان كلها ..
ولذلك ..
ربما لا يكون النجاح أن تمتلك أفضل إجابة ..
بل أن تظل تجمع نفسك ..
صفةً بعد صفة ..
وفكرةً بعد فكرة ..
حتى تصبح أنت الإجابة التي كنت تبحث عنها ..
ولعل هذا كله ..
أعاد إلى ذهني جملة قالها الدكتور في بداية الحوار ..
ثم مرّت كأنها تمهّد لكل ما سيأتي بعدها :
“العقلية الناجحة تنجح مع ذاتها .. ثم تفيض على غيرها .”
توقفت طويلًا عند هذه العبارة ..
لأننا اعتدنا أن نقيس النجاح بما يراه الناس ..
بينما هو أعاد ترتيب الميزان كله ..
فالنجاح الحقيقي لا يبدأ حين يصفق لك الآخرون ..
بل حين تستطيع أن تنتصر على نفسك أولًا ..
أن تتصالح مع ضعفك ..
وتراجع أفكارك ..
وتتقبل نقدك ..
وتتعلم كل يوم ..
ثم بعد ذلك ..
يفيض هذا كله على من حولك دون تكلف ..
وكأن النجاح ..
ليس ما تملكه ..
بل ما يتسرّب منك إلى الآخرين ..
ومن هنا فهمت ..
لماذا كانت معظم المشاركات ..
رغم اختلافها ..
تلتقي في شيء واحد ..
فكل واحدة لم تكن تصف النجاح من الخارج ..
بل كانت تصفه من أثره داخل الإنسان ..
فالذي تحدّث عن المرونة ..
كان يصف عقلًا لا ينكسر ..
والذي تحدّث عن التعلم المستمر ..
كان يصف عقلًا لا يتوقف ..
والذي تحدّث عن الشغف ..
كان يصف قلبًا لا يشيخ ..
والذي تحدّث عن تحمل المسؤولية ..
كان يصف إنسانًا يقود نفسه قبل أن يقود غيره ..
ولهذا ..
لم تكن المشاركات تعريفات متنافسة ..
بل كانت وجوهًا مختلفة للحقيقة نفسها ..
وهنا أدركت ..
أن العقلية الناجحة ليست شيئًا نولد به ..
ولا وسامًا نحصل عليه ..
ولا محطة نقف عندها ..
إنها بناءٌ مستمر ..
كل فكرة صحيحة تضيف حجرًا ..
وكل تجربة صادقة تضيف لونًا ..
وكل خطأ نتعلم منه ..
يسد فجوةً في الصورة ..
ولهذا ..
فإن النجاح لا يُبنى بقفزة واحدة ..
بل بتراكمات صغيرة ..
قد لا يراها أحد ..
لكنها مع الزمن ..
تصنع إنسانًا مختلفًا ..
ولعل أجمل ما فعله الدكتور في ذلك الحوار ..
أنه لم يجعل الحاضرات يبحثن عن إجابة ..
بل جعلهن يبحثن عن أنفسهن ..
وحين يبحث الإنسان عن نفسه بصدق ..
فإنه يبدأ يكتشف أن النجاح ليس سؤالًا يُجاب عنه ..
بل رحلة يعيشها ..
وفي نهاية الحوار ..
لم أعد أسأل نفسي :
ما العقلية الناجحة؟
بل أصبحت أسأل :
أي قطعة من فسيفساء النجاح ما زالت تنقصني؟
لأن النجاح لا يُبنى بصفة واحدة ..
بل بصورة تكتمل ..
كلما أضفت إلى نفسك خصلة جديدة ..
وفكرة جديدة ..
ووعيًا جديدًا
..

ولذلك ..
ربما لا يصنع النجاح إنسانًا كاملًا دفعة واحدة ..
بل يجمعه ..
قطعة ..
بعد قطعة ..
ولهذا ..
فإن أجمل ما خرجت به من ذلك الحوار ..
لم يكن تعريفًا جديدًا ..
ولا قاعدة تربوية ..
ولا مهارة إضافية ..
بل يقينٌ هادئ ..
أن الإنسان لا يبلغ النجاح لأنه يشبه الآخرين ..
بل لأنه يكتمل بنفسه ..
وتلك ..
هي فسيفساء النجاح ..
غير أن الحوار ..
لم يترك في ذهني سؤالًا واحدًا فقط ..
بل ترك سؤالًا آخر ..
ظل يرافقني بعد انتهائه :
إذا كانت كل هذه الصفات صحيحة ..
فمن أين يبدأ الإنسان؟
هل يبدأ بالإيجابية؟ ..
أم بالتعلم؟ ..
أم بالانضباط؟ ..
أم بالمرونة؟ ..
أم بالشغف؟
وأظن أن أجمل ما في الحوار ..
أنه لم يُجب عن هذا السؤال أيضًا ..
لأنه كان يريد لكل إنسان ..
أن يبدأ من القطعة التي تنقصه ..
فالذي يعرف نفسه ..
سيعرف أين يبدأ ..
ومن هنا ..
لم تعد المشاركات بالنسبة لي مجرد آراء متفرقة ..
بل أصبحت أشبه بمرآة كبيرة ..
كل واحدة منها تعكس جانبًا مختلفًا من النفس ..
وكلما تأملتُها ..
وجدت أنني لا أقرأ أفكار صاحباتها فقط ..
بل أقرأ نفسي أيضًا ..
ربما لهذا ..
لا تكون قيمة الحوار في عدد الأفكار التي قيلت ..
بل في عدد الأسئلة التي بقيت بعد انتهائه ..
فالجواب الجاهز ..
يغلق الباب ..
أما السؤال الجيد ..
فيفتح أبوابًا لا تنتهي ..
ولعل هذا ما فعله الدكتور منذ البداية ..
لم يمنح الحاضرات تعريفًا محفوظًا ..
بل منح كل واحدة فرصة ..
أن ترى نفسها في تعريفها الخاص ..
ثم جمع تلك الرؤى جميعًا ..
ليصنع منها رؤية أكبر ..
وأرحب ..
وأصدق ..
وحين قال في النهاية :
“وأنا أرى أن النجاح في ذلك كله .”
لم يكن يلخص الحوار ..
بل كان يعلن أن الحقيقة ..
أوسع من أن يحتكرها رأي واحد ..
وأكبر من أن يحملها عقل واحد ..
وهنا فقط ..
اكتمل معنى الفسيفساء ..
فالقطعة الواحدة ..
مهما بلغت جمالها ..
لن تصبح لوحة ..
واللون الواحد ..
مهما كان براقًا ..
لن يصبح ضوءًا ..
والصفة الواحدة ..
مهما كانت عظيمة ..
لن تصنع إنسانًا ناجحًا ..
فالنجاح ..
ليس أن تتميز في جانب ..
ثم تهمل بقية الجوانب ..
بل أن تظل تبني نفسك ..
بهدوء ..
وصبر ..
ووعي ..
حتى تصبح الصورة كلها ..
أجمل من مجموع أجزائها ..
وربما لهذا ..
لا ينبغي أن نسأل كل صباح :
هل أنا ناجح؟
بل لعل السؤال الأجمل هو :
أي قطعة من فسيفساء النجاح أضيفها إلى نفسي اليوم؟
لأن الإنسان ..
لا يكبر بالقفزات الكبيرة ..
بل بما يضيفه إلى نفسه ..
كل يوم ..
ولو كان قليلًا ..
وهكذا ..
لا يصبح النجاح محطةً نصل إليها ..
بل لوحةً نواصل تركيبها ..
ما دمنا أحياء .

gemini generated image 14lcmo14lcmo14lc

أثر لاينسى 
جدة
السبت ١٨ صفر ١٤٤٨
١ أغسطس ٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *