من سرد الإنجاز 🏆 .. إلى تفكيك الإنجاز 🔍

screenshot ٢٠٢٦٠٧٠٤ ١٦١٦٥٧ gallery


لا يكفي أن تقول : نجحت .
فالناس لا تبحث عن النتيجة بقدر ما تبحث عن الطريق .
ولعل هذه الحقيقة لم أفهمها بهذا الوضوح إلا وأنا أتابع الحوار الذي دار بين الأستاذة نهاد الكليب والدكتور مسفر بن ناصر القحطاني .
بدأت الأستاذة نهاد تتحدث بحماس عن تجربتها .. عن ورشة قدمتها .. وعن طالبات تحسن مستواهن .. وعن استراتيجيات أثمرت .. وعن أولياء أمور تفاعلوا .. وعن معلمات أبدعن .. وعن أثر جميل عاشته في الميدان .
كان حديثًا صادقًا .. ومليئًا بالشغف .
لكن الدكتور لم يتوقف عند النتائج .
لم يقل : ما شاء الله .
ولم يكثر من عبارات الثناء .
بل بدأ يسأل سؤالًا واحدًا .. بصور مختلفة :
كيف ؟
ثم أعاده مرة أخرى .
ثم أعاده مرة ثالثة .
ثم ضرب مثالًا بدا في أوله بعيدًا عن التعليم .
قال – بمعنى كلامه – : لو أخبرتك أنني كنت أتقاضى مئة ريال .. ثم أصبحت أتقاضى عشرة آلاف ريال في اليوم بفضل طريقة إبداعية .. فما أول سؤال ستسألينه ؟
ولم تنتظر الأستاذة نهاد طويلًا .
قالت بكل تلقائية :
ما هي هذه الطريقة ؟
كرر السؤال .
فأخذ الدكتور يصف ردود أفعال الناس .
قال إنهم انبهروا .
ثم قال إنهم صُدموا .
ثم قال إنهم لم يصدقوا .
ثم قال إن التجربة نجحت حتى خارج الوطن العربي .
وفي كل مرة كانت الأستاذة تعود إلى السؤال نفسه :
وما هي الطريقة ؟
هنا لم يكن الدكتور يتهرب من الجواب .
بل كان يصنع درسًا .
وحين كشف المقصود قال عبارة لو لم يخرج القارئ إلا بها لكفته :
نحن لا نحتاج أن نعرف أن الناس انبهروا .. بل نحتاج أن نعرف ماذا فعلت حتى انبهروا .
وهنا أدركت أن الفرق بين الممارس الحقيقي .. ومن يكتفي بسرد التجارب .. هو الفرق بين من يصف لنا قمة الجبل .. ومن يرسم لنا الطريق إليها .
كثيرون يحدثوننا عن النجاح .
لكن قليلين من يحدثوننا عن خطوات النجاح .
يقول أحدهم :
“ارتفع مستوى طلابي .”
ولا يخبرك ماذا غيّر في طريقته .
ويقول آخر :
“كانت الدورة مبهرة .”
ولا يخبرك ماذا فعل داخل القاعة .
ويقول ثالث :
“حققنا نتائج استثنائية .”
ثم ينتهي الحديث عند كلمة استثنائية .
وكأن الإنجاز معجزة لا منهج .
وهنا جاءت قيمة ذلك الحوار .
لقد نقل التفكير من مرحلة سرد الإنجاز إلى مرحلة تفكيك الإنجاز .
فالإنجاز يشبه ساعة دقيقة .
من بعيد تبدو قطعة واحدة .
لكن من أراد أن يصنع مثلها .. لا يكفي أن ينظر إلى شكلها .
بل لا بد أن يفكها ترسًا ترسًا .
يعرف لماذا دار هذا الترس .
ولماذا توقف ذاك .
وأي قطعة سبقت الأخرى .
عندها فقط يصبح الإنجاز قابلًا للتكرار .
ولعل أجمل ما فعلته الأستاذة نهاد بعد هذا الحوار أنها أعادت صياغة فكرتها .
بدل أن تتحدث عن نجاح الورشة .. بدأت تتحدث عن الأساليب نفسها .
كيف استفادت من خبرات المعلمات .
وكيف جمعت نقاط القوة عند كل واحدة .
وكيف يمكن أن تنتقل الخبرة من معلمة إلى أخرى .
وهنا أصبح الحديث أكثر قيمة .
لأن الخبرة خرجت من كونها قصة نجاح ..
إلى أن أصبحت معرفة يمكن أن يستفيد منها الآخرون .
وهنا خطر ببالي سؤال أكبر :
كم من الإنجازات تضيع ؛ لأن أصحابها يكتفون بسردها ؟
ولو أنهم فككوها خطوة خطوة .. لتحولت إلى مدارس .. ومناهج .. وإرث يبقى بعدهم .
فالطبيب العظيم لا يفيدنا لأنه يقول إنه أجرى ألف عملية ناجحة .
إنما يفيدنا حين يشرح كيف أجرى أول عملية .
والمعلم المبدع لا يلهمنا لأنه يخبرنا أن طلابه متفوقون .
بل لأنه يشرح لنا كيف صنع هذا التفوق .
والمدرب الحقيقي لا يبهرنا بعدد التصفيقات .
بل بقدرته على تحويل ما يفعله إلى خطوات يمكن أن يمشي عليها غيره .
ومنذ ذلك الحوار .. شعرت أن سؤال “كيف ؟” ليس سؤالًا عاديًا .
إنه سؤال الحضارة كلها .
فكل تقدم بدأ بإنسان لم يكتف بأن يرى النتيجة ..
بل أراد أن يفهم الطريق إليها .
ولذلك ربما لا يكون أخطر ما نفعله حين نتحدث عن نجاحاتنا أننا نبالغ في وصفها .
بل أن نحرم الآخرين من معرفة مفاتيحها .
فالإنجاز الذي لا يمكن شرحه ..
لا يمكن توريثه .
أما الإنجاز الذي يُفكك .. ويُفسر .. ويُحلل ..
فقد لا يبقى نجاحًا فرديًا فحسب .
بل يصبح علمًا ينتفع به الناس من بعد صاحبه
.

gemini generated image lmng5lmng5lmng5l

أثر لاينسى
جدة
السبت ١٩ محرم ١٤٤٨
٤ يوليو ٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *