🩹 ماذا سميت وجعك ؟ 🩶🥀

screenshot ٢٠٢٦٠٩١٠ ١٤٢٦٥٦ gallery



قرأت مقالة لأستاذي أحمد حسن مشرف .. «عن الفرق بين الابتلاء والتروما وما بينهما» .. ثم أغلقت الصفحة .. لكن المقالة لم تُغلق في رأسي ..
بقي شيء منها مفتوحًا ..
ربما لأن بعض المقالات لا تنتهي عند آخر سطر فيها .. بل تبدأ هناك .. حين يترك الكاتب في يد القارئ سؤالًا أثقل من أن يُعاد إلى صاحبه ..
وأنا .. منذ قرأتها .. أفكر في شيء يبدو بسيطًا جدًا :
ماذا يحدث للإنسان حين يغيّر الاسم الذي يطلقه على ألمه
هل يتغير الألم نفسه؟
ربما لا ..
لكن شيئًا آخر يتغير بالتأكيد :
الطريقة التي ننظر بها إليه .. والطريق الذي نختاره بعد ذلك ..
لفتتني في المقالة حكاية المقهى ..
السؤال كان عن جمال المكان وجودة ما يقدم .. فجاءت الإجابة من زاوية أخرى تمامًا :
«كله فساد!»
ضحكت قليلًا وأنا أقرأها .. ثم توقفت ..
فربما نحن نفعل الشيء نفسه مع حياتنا أكثر مما نظن ..
لا نرى الشيء كما هو .. بل كما تسمح لنا نافذتنا أن نراه ..
واحد يدخل تجربة مؤلمة فيقول :
«هذا ابتلاء.»
وآخر يدخل التجربة نفسها فيقول :
«هذه تروما.»
وثالث يقول :
«أنا هكذا بسبب طفولتي.»
ورابع يقول :
«أنا فقط أحتاج إلى وضع حدود.»
وخامس لا يجد لها اسمًا أصلًا .. فيكتفي بأن يصمت ..
التجربة واحدة أحيانًا .. لكن الحكايات التي نرويها عنها مختلفة ..
وهنا أدركت أن المسألة أعمق من صراع بين مصطلحات قديمة وجديدة ..
نحن لا نختار الكلمات التي نصف بها آلامنا اعتباطًا .. نحن نختار معها .. بطريقة ما .. موقعنا من الألم.
لكنني .. وأنا أتفق مع الأستاذ في خطورة أن تتحول المصطلحات النفسية إلى مخارج جاهزة من المسؤولية .. شعرت برغبة في أن أذهب خطوة أخرى ..
لأنني لا أظن أن المشكلة في كلمة «تروما» وحدها ..
كما أن المشكلة ليست في كلمة «ابتلاء» ..
المشكلة تبدأ حين يتحول الاسم إلى حكم نهائي على صاحبه.
حين أقول :
«أنا مصاب بتروما» ..
ثم أتوقف عند هذه الجملة .. وأبني حولها جدارًا لا أعود أرى من خلاله إلا جرحي ..
وحين أقول :
«هذا ابتلاء» ..
ثم أكتفي بالجملة نفسها .. وأجعلها ستارة أُسدلها على كل سؤال يحتاج إلى مواجهة وعلاج وتغيير ..
في الحالتين يحدث شيء متشابه بصورة مدهشة :
يتحول التفسير إلى إعفاء.
وهنا ربما تكمن المشكلة الحقيقية ..
ليس كل من قال «أنا متروّم» يهرب من المسؤولية ..
أحيانًا يكون الإنسان قد عاش شيئًا لم يكن يملك القدرة على تسميته .. ثم جاءه مصطلح ما فأضاء له غرفة مظلمة في داخله ..
فجأة يفهم لماذا يخاف ..
لماذا يرتبك ..
لماذا يبالغ في الحذر ..
لماذا ينسحب حين يقترب منه أحد ..
لماذا يفسد شيئًا جميلًا بمجرد أن يشعر بأنه أصبح مهمًا لشخص آخر ..
وفي تلك اللحظة .. لا يكون المصطلح عذرًا ..
قد يكون بداية معرفة.
والإنسان لا يستطيع أن يصلح شيئًا لا يعرفه ..
كما لا يستطيع أن يضمد جرحًا يصر على إنكار وجوده ..
لكن هناك لحظة أخرى مخيفة ..
لحظة يصبح فيها الجرح أجمل من الشفاء ..
لحظة يتوقف الإنسان عن قول :
«لقد حدث لي هذا.»
ويبدأ في قول :
«أنا هذا الذي حدث لي.»
وهنا يتغير كل شيء ..
الأولى قصة حدثت في الماضي ..
أما الثانية فهي هوية تسكن الحاضر ..
الأولى تقول :
«لقد تأذيت.»
والثانية تقول :
«أنا شخص مؤذى .. وهذه طبيعتي .. وهذا سقفي .. وهذا عذري.»
وبين الجملتين مسافة شاسعة ..
قد يكون الإنسان ضحية في بداية الحكاية .. لكنه ليس مضطرًا إلى أن يبقى ضحية في نهايتها ..
وقد لا يكون مسؤولًا عن الباب الذي أُغلق في وجهه .. لكنه مسؤول عن السؤال الذي يأتي بعد ذلك :
هل سأظل واقفًا أمام الباب طوال حياتي؟
وأظن أن هذا هو الجزء الذي أخشاه في ثقافتنا الجديدة ..
أن نتحول من مجتمع كان أحيانًا يطلب من الإنسان أن يتحمل أكثر مما ينبغي .. إلى مجتمع يطلب منه أن يتحمل أقل مما يستطيع ..
في الماضي ربما كان الإنسان يُقال له :
«اصبر.»
حتى حين كان يحتاج إلى أن يصرخ ..
واليوم قد يُقال له :
«احمِ نفسك.»
حتى حين يحتاج إلى أن يتعلم كيف يحتمل ..
وبين القسوتين تضيع منطقة واسعة جدًا اسمها :
النضج.
النضج الذي يقول للإنسان :
نعم .. لقد تأذيت ..
لكن ماذا ستفعل بهذا الأذى؟
نعم .. لم يكن ما حدث لك عادلًا ..
لكن هل ستسمح لظلم الأمس أن يحدد أخلاقك اليوم؟
نعم .. طفولتك تركت فيك أشياء كثيرة ..
لكن هل ستجعل طفولتك تسكن مقعد القيادة إلى الأبد؟
نعم .. هناك أشخاص تجاوزوا حدودهم معك ..
لكن هل ستصبح كل علاقة جديدة معركة حدود؟
نعم .. لك الحق في أن تنسحب من علاقة تؤذيك ..
لكن هل كل علاقة متعبة علاقة مؤذية؟
هذه الأسئلة لا تُريحنا ..
ولعل قيمتها أنها لا تفعل ..

أكثر ما أعجبني في مقالة الأستاذ أنها دافعت عن شيء نفتقده كثيرًا :
المسؤولية.
لكنني أظن أن المسؤولية نفسها تحتاج إلى رحمة .. كما تحتاج الرحمة إلى مسؤولية ..
لأن الإنسان حين يُقال له «أنت مسؤول» قد يسمع أحيانًا :
«إذن أنت مذنب.»
وحين يُقال له «أنت متأذٍ» قد يسمع :
«إذن أنت معذور.»
مع أن الحقيقة أكثر تعقيدًا وجمالًا من ذلك ..
قد أكون متأذيًا ومسؤولًا في الوقت نفسه ..
قد أكون ضحية في شيء .. ومخطئًا في شيء آخر ..
قد أفهم سبب غضبي .. دون أن يصبح غضبي حقًا في إيذاء الآخرين ..
قد أفهم لماذا أصبحت قاسيًا .. دون أن تصبح قسوتي مقبولة ..
قد أعرف أن أحدهم كسر شيئًا في داخلي .. دون أن أعطيه مفاتيح بقية حياتي ..
فهم السبب لا يعني تبرير النتيجة.
وهذه .. في رأيي .. واحدة من أكثر الجمل التي نحتاج إلى تذكرها في زمننا ..
ربما نحن نعيش اليوم في عصر كثرت فيه الكلمات لأننا تعبنا من الأشياء ..
صرنا نسمي كل شيء ..
نسمي الحزن اكتئابًا ..
والخلاف علاقة سامة ..
والأنانية نرجسية ..
والانسحاب حدودًا ..
والتعلق مرض ..
والبرود حماية ..
والخوف حدسًا ..
وأحيانًا تكون هذه الكلمات دقيقة ومُنقذة فعلًا ..
لكن أحيانًا أخرى نشعر براحة غريبة بمجرد أن نعثر على الاسم ..
كأننا كنا نبحث عن تفسير .. فلما وجدناه توقفنا عن البحث عن الحل ..
وهذه هي المفارقة :
قد يكون الاسم الذي يساعدك على فهم جرحك هو نفسه الاسم الذي يمنعك من تجاوزه.
ليس لأنه خاطئ ..
بل لأننا أسأنا استخدامه ..
وأنا لا أريد أن أضع السماء في جهة .. والنفس في جهة أخرى ..
لا أريد أن أقول للإنسان :
إما أن تفهم نفسك .. أو أن تؤمن بمعنى ما يحدث لك ..
ولا أريد أن أضع العلاج النفسي في مواجهة الصبر .. أو العلم في مواجهة الإيمان .. أو الماضي في مواجهة الحاضر ..
فالإنسان أعقد من هذه الثنائيات الجميلة في بساطتها ..
يمكنه أن يعرف جرحه وأن يبحث عن معناه ..
أن يطلب المساعدة وأن يتحمل مسؤوليته ..
أن يعترف بضعفه وأن يعمل على قوته ..
أن يقول :
«لقد آلمني هذا» ..
دون أن يقول :
«ولذلك لا أستطيع أن أتغير.»
وربما هذه هي المساحة التي نحتاج أن نستعيدها :
مساحة لا تنكر الجرح .. ولا تقدسه ..
لا تسخر من الألم .. ولا تجعله هوية ..
لا تستخدم المسؤولية لتجلد الإنسان .. ولا تستخدم الرحمة لتعفيه من نفسه ..
ولذلك .. لو أردت أن أختصر ما بقي في نفسي من مقالة الأستاذ في جملة واحدة .. فلن أقول :
«لنستخدم كلمة ابتلاء بدل تروما.»
بل سأقول :
لنحذر من أي كلمة تجعلنا أصغر من قدرتنا على التغير.
لأن بعض الكلمات تفتح النوافذ ..
وبعضها .. من حيث لا نشعر .. يبني الجدران ..
وأخطر الجدران ليست تلك التي يمنعنا أحد من تجاوزها ..
بل تلك التي نبنيها نحن من الكلمات .. ثم ننسى أننا من بناها ..
ربما لا يكون السؤال في النهاية :
هل ما حدث لي ابتلاء أم تروما؟
ولا :
أي المصطلحين أكثر صحة؟
بل سؤالًا أصعب قليلًا :
ماذا فعلتُ أنا بما حدث لي؟
هل جعلني أكثر قسوة؟
أم أكثر فهمًا؟
هل جعلني أطالب العالم بأن يعوضني إلى الأبد؟
أم علمني أن أعطي نفسي ما افتقدته يومًا؟
هل جعلني أفسر كل شيء من خلال جرحي؟
أم جعلني أعرف جرحي .. ثم أوسع نظري إلى ما وراءه؟
وهل أستطيع أن أقول في اللحظة نفسها :
«نعم .. لقد حدث لي شيء لم أختره.»
ثم أضيف :
«لكن ما سأفعله بعد ذلك ما زال يحمل شيئًا من اختياري.»
ربما هنا تبدأ الحرية الحقيقية ..
ليس حين ننكر ما حدث ..
ولا حين نعيش أسرى له ..
بل حين نستطيع .. للمرة الأولى .. أن نحمل قصتنا بأيدينا دون أن نسمح لها بأن تحملنا أينما شاءت ..
وربما لهذا السبب بالذات .. لا ينبغي أن نخاف من الكلمات الجديدة ..
ينبغي فقط أن نسألها .. كل مرة :
هل جئتِ لتساعديني على فهم نفسي؟
أم جئتِ لتقنعيني بأنني لم أعد مسؤولًا عنها
؟

gemini generated image pdeugrpdeugrpdeu

اثر لاينسى
جدة
الخميس ٢٨ ربيع الأول ١٤٤٨
١٠ سبتمبر ٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *