● حين يرهقنا النجاح ..🕯️

screenshot ٢٠٢٦٠٥١٧ ٠٢٣١١٩ gallery

حين يتحول النجاح إلى عبءٍ خفي .. وتأكل الضغوط أجمل ما في الإنسان 🕯️


في الميدان التربوي .. هناك أشياء لا تُقال كثيرًا .. رغم أنها تحدث كل يوم .
أشخاص يبدون في الخارج ناجحين .. منجزين .. ثابتين .. بينما أرواحهم من الداخل تستنزف بصمت .
ولعل أجمل ما حدث في ذلك الحوار داخل قروب “مدربات مبدعات” .. أنه لم يكن نقاشًا عن التدريب فقط .. بل كان مواجهة صادقة مع الإنسان حين يرهقه الركض الطويل .
البداية كانت مع مقال الأستاذة رحاب المرزوق .. ذلك المقال الذي لم يلمس القلوب لأنه مكتوب بلغة جميلة فقط .. بل لأنه كُتب من منطقة حقيقية جدًا .. منطقة التعب الصامت .
حين قالت : إنها كانت تعمل كثيرًا .. تنجز كثيرًا .. تتحمل فوق طاقتها .. حتى أصبحت تعيش بمنطق “النجاة لا الحياة” .
يا لعمق هذا الوصف .
فهناك فرق هائل بين إنسان يعيش .. وإنسان ينجو فقط .
النجاة تعني أن يؤدي الإنسان مهامه بأقصى ما يستطيع .. لكنه يفقد نفسه بالتدريج أثناء ذلك .
وهذا ما أشارت إليه الأستاذة رحاب ببراعة مؤلمة : أن الإنسان قد ينجح أمام الجميع .. بينما ينهار داخله بهدوء لا يلاحظه أحد .
تتلاشى خفته .. يختفي شغفه .. تؤجل أحلامه .. حتى يصبح غريبًا عن نفسه .
ولعل أكثر ما جعل النص صادقًا .. أنها لم تتحدث بعقلية الضحية .. بل بعقلية الإنسان الذي انتبه أخيرًا إلى نفسه قبل فوات الأوان .
قالت : “أعظم مشروع أهملته طوال السنوات الماضية .. كان أنا” .
وهذه ليست جملة لحظية .. بل حقيقة يعيشها كثير من العاملين في الميدان التربوي .
معلمات .. قائدات .. مشرفات .. وحتى إداريون .
أشخاص يحملون على أكتافهم ضغوطًا متراكمة .. ويحاولون دائمًا الوصول للكمال .
وهنا جاءت مداخلة الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني لتكشف زاوية مهمة جدًا في القضية .
لم يتعامل مع الموضوع بعاطفة مجردة .. بل أعاد تفسيره بوعي مهني وإنساني عميق .
تحدث عن “العبء الكمي” و”العبء النوعي” .. موضحًا أن الأخطر ليس كثرة العمل فقط .. بل أن يُطلب من الإنسان ما لا يمتلك أدواته أصلًا .
وهنا يبدأ الاحتراق النفسي الحقيقي .
وحين ضرب مثال الشخص الذي يُطلب منه شيء لا يستطيع القيام به .. كان يشرح أزمة يعيشها كثير من العاملين في التعليم دون أن ينتبهوا لها : أن بعض الضغوط لا تأتي من العمل نفسه .. بل من التوقعات غير الواقعية .. أو من تحميل النفس فوق احتمالاتها الطبيعية .
والأجمل في حديثه .. أنه لم يدفع الناس نحو السخط أو جلد المؤسسات أو تضخيم دور الضحية .. بل أعاد التوازن للفكرة .
فهو يرى أن الحياة بطبيعتها مليئة بالكبد والتعب .. لكن الفرق الحقيقي يكمن في : كيف يدير الإنسان ضغوطه ؟ وكيف يوازن بين نجاحه المهني ونجاحه الإنساني ؟ وكيف لا يسمح للعمل أن يلتهم روحه بالكامل ؟
وكانت من أعمق رسائله : “لا تجعلي عملك مقدسًا حتى يفسد نجاحك الخارجي” .
يا لها من جملة تستحق التأمل طويلًا .
لأن بعض الناس يخلصون للعمل .. حتى يخسروا أنفسهم .. وصحتهم .. وعلاقاتهم .. وأحلامهم المؤجلة .
وفي وسط هذا الحوار .. ظهرت تعقيبات الأخوات كأنها تكمل اللوحة .
الأستاذة مها الشهري تحدثت بوعي ناضج عن أن الضغوط جزء من الحياة .. لكن المهم أن يتحول الإنسان من الاستنزاف إلى الإنجاز الواعي .
أن ينتقي أعماله بذكاء .. ويعرف ما الذي يستحق عمره فعلًا .. وما الذي يستهلكه بلا معنى .
أما الأستاذة شادية البشيري .. فقد لخصت التجربة كلها بعبارة عميقة : “بقدر ما تتعلم ترتقي .. وبقدر ما تواجه من صعاب تصقل .. وبقدر ما تمر بك التجارب تنضج” .
وهذه فعلًا طبيعة النضج الحقيقي .
فالحكمة لا تولد فجأة .. بل تتشكل عبر التعب .. والمحاولات .. والانكسارات الصغيرة التي تعلّم الإنسان كيف يرى الحياة بعمق أكبر .
حتى ذلك الصوت الذي عبّر عن شعوره بأنه أصبح “أسيرًا ينتظر إطلاق سراحه” بعد سنوات طويلة في التعليم .. لم يكن شكوى فردية بقدر ما كان انعكاسًا لحالة يشعر بها كثيرون حين يفقدون المعنى وسط تراكم المسؤوليات .
لكن اللافت في الحوار كله .. أن الفكرة لم تتجه نحو الإحباط .. بل نحو الوعي .
وعي الإنسان بنفسه . بوعيه بحدوده . بوعيه بأن الإنجاز لا يعني أن يستهلك عمره بالكامل . وبأن النجاح الحقيقي ليس أن يصفق لك الجميع .. بينما أنت من الداخل منهك وفارغ .
وفي الحقيقة .. أجمل ما في البيئات الواعية .. أنها لا تمنحك حلولًا سحرية .. بل تمنحك القدرة على رؤية نفسك بصدق .
وهذا ما يحدث داخل “مدربات مبدعات” .. ليست مجرد مساحة تدريبية .. بل مساحة للتفكير .. والتأمل .. وإعادة فهم الإنسان لنفسه ولحياته ولعمله .
ولعل الرسالة الأعمق التي خرج بها ذلك الحوار كله :
أن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى أن يعمل أكثر .. أحيانًا يحتاج فقط .. أن يعود إلى نفسه قبل أن يضيع منها تمامًا

وكأن الأستاذة عائشة ..  وهي قائدة مدرسة .. اختصرت كل هذا الحوار العميق بكلمات قليلة ..  لكنها ممتلئة نورًا وطمأنينة ..  حين ختمت المشهد بقولها : الحمدلله دائمًا وأبدًا ..
فبالحمد تهدأ الأرواح ..  وتخف وطأة الطريق ..  ويستعيد الإنسان نفسه مهما أثقلته الحياة
.

أثر لاينسى
جدة
الأحد ٣٠ ذو القعدة ١٤٤٧
١٧ مايو ٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *