كم من علاقةٍ ماتت .. لا لأن أحدًا أخطأ .. بل لأن أحدًا لم يسأل .
يكفي سوءُ فهمٍ صغير .. حتى يبدأ العقل في كتابة روايةٍ كاملة .. ثم يصدقها .. ثم يغضب لها .. ثم يعاقب أصحابها .. مع أن بطل الرواية نفسه لم ينطق بكلمة .
نحن لا نتألم دائمًا مما حدث .. بل مما ظننا أنه حدث .
ولهذا كانت أكثر المعارك التي خسرها الإنسان .. هي المعارك التي خاضها ضد تفسيرٍ صنعه بنفسه .
إن أخطر ما يفعله العقل حين يغيب الحوار .. أنه يملأ الفراغ بالاحتمالات .
والاحتمالات إذا دخلت القلوب .. خرجت منها الطمأنينة .
طرح الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني سؤالًا بدا في ظاهره بسيطًا .
لكنه كان يخفي وراءه عالمًا كاملًا من التجارب الإنسانية :
“ما الموقف الذي ترك في نفسك أثرًا سلبيًا من مدرب أو معلم ؟”
لم يكن يبحث عن أسماء .. ولا عن شكاوى .. ولا عن فضفضة عابرة .. بل كان يبحث عن موقفٍ يمكن أن يتحول إلى درس .
وبين الإجابات .. توقفت الأستاذة البديعة سناء العليوي عند حادثةٍ ظنت يومًا أنها انتهت .
لكنها بقيت حيّة في ذاكرتها ..
حادثةٌ بدأت بخطأٍ صغير على سبورة .. وانتهت بسوء فهمٍ طال سنوات .
لكن الدكتور لم يكن يستعرض القصة لذاتها .
بل كان يريد أن يستخرج منها درسًا .
فقال للحاضرين :
“أنا قصدت من هذا المشهد أن نتعلم .
لأن هذه الفكرة تتكرر عندنا بصورة مؤذية .”
ثم التفت إلى الأستاذة سناء .
وقال ما معناه :
“مع أنني كنت أخالفها في الرأي .
إلا أنني أعجبت بأنها دافعت عن فكرتها .. وهذا حق مشروع .
فمن حق الإنسان أن يبين وجهة نظره حتى النهاية .”
.
بقي الدكتور يناقش الفكرة .. لا الأشخاص .
لم يكن يريد أن يثبت أن المشرفة كانت مخطئة .. ولا أن يثبت أن الأستاذة سناء كانت على صواب .
كان يبحث عن شيءٍ أكبر من ذلك كله .
كان يحاول أن ينتزع من قلب الحادثة سؤالًا يكاد يختبئ في كل علاقة إنسانية :
لماذا نهرب من المواجهة ؟
ولم يكن يقصد بالمواجهة الخصومة .. ولا رفع الصوت .. ولا كسر الخواطر .
كان يقصد تلك الدقائق القليلة التي يجلس فيها الإنسان مع صاحب الموقف .. قبل أن يجلس مع ظنونه .
قال لها بهدوء :
“لو أنك جلست معها خمس دقائق .. ربما سقطت كل التوقعات .”
ثم أطلق عبارة تستحق أن تُكتب بماء الذهب :
كلما غابت المواجهة .. حضرت السيناريوهات .
فالإنسان إذا لم يسمع الحقيقة من صاحبها .. بدأ يؤلفها بنفسه .
يملأ الفراغ بالاحتمالات .
ويفسر الصمت تفسيرًا .
ويحمّل النظرات ما لم تقله .
ويصنع من موقفٍ صغير قصةً كاملة .. ثم يعيش داخلها وكأنها حقيقة لا تقبل النقاش .
ومن هنا خرج الحوار من حدود المدرسة .
لكنه لم يخرج منها قبل أن يلفت النظر إلى أمرٍ آخر لا يقل أهمية .
فقد قال إن هذا لا يخص المعلمين وحدهم .. بل حتى المشرفين ومديري المدارس .
“قبل أن نطلب من المعلمين أن تتسع صدورهم .. يجب أن نطلب من المشرفين ومديري المدارس أن تتسع صدورهم أيضًا .”
فالمعلم من حقه أن يناقش .
ومن حقه أن يسأل :
“ماذا تقصد ؟”
لأن الحوار ليس أمرًا عسكريًا .. بل وسيلة للفهم .
وليس من العدل أن نطلب من المعلم أن يسمع فقط . بينما نغلق في وجهه باب السؤال .
وكان يقول :
“إذا قلت لك : عندك مشكلة في إدارة الصف .. فمن حقك أن تسألني : ماذا تقصد بإدارة الصف ؟”
فليس السؤال قلة أدب .. بل هو بداية الفهم .
وهنا اتسعت الفكرة .
فلم تعد تخص مدرسةً .. ولا مشرفًا .. ولا معلمًا ..
بل خرجت من الفصول إلى البيوت .
ومن المكاتب إلى القلوب .
لتدخل بيوت الناس كلها .
فكم أبٍ تغيّر قلبه على ابنه .. لأنه صدق ما نُقل إليه .. ولم يجلس معه عشر دقائق ؟
وكم أمٍّ حملت في صدرها على ابنتها أشهرًا .. ولو سألتها مباشرة .. لانتهى الأمر في دقائق ؟
وكم زوجٍ بنى جدارًا بينه وبين زوجته .. لأنه فسّر صمتها . ولم يسألها عنه ؟
وكم زوجةٍ سهرت ليلها تؤوّل كلمةً قالها زوجها .. بينما كان يقصد شيئًا آخر تمامًا ؟
وكم أخوين افترقا سنوات .. لأن كل واحدٍ منهما كان يحاور ظنه . . لا أخاه ؟
بل حتى بين الأصدقاء .
كم علاقةٍ لم تقتلها الكلمة .
وإنما قتلها تفسير الكلمة .
ولذلك كان الدكتور يكرر معنىً بالغ العمق :
إن أكثر ما يرهق الإنسان أنه يترك الحقيقة .
ثم يعيش مع الاحتمالات .
فتبدأ العبارات التي نعرفها جميعًا :
“لعله قصد .”
“أكيد أنه فعل ذلك لأنه .”
“ربما أراد أن يحرجني .”
ثم تتحول كلمة «ربما» مع الأيام إلى يقين .
مع أنها لم تكن يومًا إلا احتمالًا .
ولهذا قال عبارةً بقيت ترن في الذهن :
المواجهة تسقط كثيرًا من التوقعات .
كم خصومةٍ كان يمكن أن تموت عند أول لقاء .
لكنها بقيت حيّة .. لأن أصحابها اختاروا أن يسمعوا الناس .
ولم يختاروا أن يسمعوا صاحب القصة .
ولعل أجمل ما ختم به الدكتور تلك المناقشة أنه غيّر مفهومًا يظنه كثير من الناس صحيحًا .
وقال عنها :
“لم أشعر أنها توقفت عند مفرداتي المستفزة .. بل واصلت مناقشة الفكرة نفسها .”
ثم نبّه إلى خطأ يقع فيه كثير من الناس .
إذ يتركون أصل القضية .. وينشغلون بألفاظٍ أو مواقف جانبية .
فتضيع الحقيقة بين الانفعالات .
فليس كل حوارٍ ناجح هو الحوار الهادئ .
أحيانًا يكون الحوار الصادق مليئًا بالأسئلة .
ومليئًا بالاعتراض .
وربما اشتد فيه النقاش .
لكن ما دام الاحترام حاضرًا .
فإن الحقيقة تخرج أقرب مما كانت .
أما المجاملة التي تمنع السؤال .
والصمت الذي يؤجل المواجهة .
فقد يؤخر المشكلة قليلًا .
لكنه لا يعالجها أبدًا .
لكن الدكتور لم يكتفِ عند هذا الحد ..
فجأة التفت إلى زاوية لم يكن أحدٌ ينظر إليها ..
قال للأستاذة سناء :
“هل اعترفت أمام الطالبات أنها أخطأت؟”
أجابت :
“نعم … عادت بعد الحصة وصححت الحل .”
وهنا تغيّر مسار الحوار كله .
فبدل أن يستمر في الحديث عن الإساءة التي شعرت بها الأستاذة سناء، توقف عند خصلةٍ رآها أكبر من الخطأ نفسه .
قال :
“هذه فضيلة أعظم من الذكاء والدقة … يكفيها فضيلة الاعتراف بالخطأ .”
يا الله …
كم نحتاج إلى هذه الجملة في حياتنا !
نحن نربط عظمة الإنسان بقوة ذاكرته …
أو سرعة بديهته …
أو كثرة معلوماته …
بينما هناك فضيلة قد تكون أعظم من ذلك كله …
أن يملك الشجاعة ليقول :
“لقد أخطأت .”
فالاعتراف بالخطأ لا يُسقط الإنسان …
بل يرفعه .
ولا ينقص هيبته …
بل يزيدها .
لأن الناس لا يبحثون عن إنسانٍ لا يخطئ …
فالخطأ من طبيعة البشر .
لكنهم يبحثون عن إنسانٍ لا يكابر إذا أخطأ .
ولهذا لفت الدكتور النظر إلى أمرٍ دقيق .
قال بمعنى كلامه :
إذا كانت هذه المشرفة قد رجعت إلى الطالبات .. وصححت الإجابة أمامهن ..
فهذا دليلٌ على أنها لم تكن تخشى الحقيقة .
ومن يملك شجاعة الاعتراف أمام طالباته ..
ليس من السهل أن يكون هدفه إيذاء معلمته عمدًا .
وهنا أدركت الأستاذة سناء شيئًا لم تكن قد فكرت فيه من قبل .
فقالت إنها لم تخبر المشرفة بأنها علمت بما حدث ..
وكأنها هي أيضًا اختارت أن تحفظ لها هذا الموقف الكريم ..
فكم من الناس نذكر أخطاءهم …
وننسى فضائلهم .
وكم من موقفٍ حسنٍ يضيع …
لأن خطأً واحدًا غطّى عليه .
وهنا تتجلى عدالة الفكر ..
فليس الإنصاف أن نحصي زلات الناس …
ثم نغض الطرف عن مواقفهم النبيلة ..
كما أنه ليس من الحكمة أن نمحو فضائل إنسان …
لأننا تأذينا منه مرة .
فالناس ليسوا ملائكة …
لكنهم أيضًا ليسوا شياطين .
وفي داخل كل واحدٍ منا لحظات يشرق فيها أجمل ما فيه …
ولحظات يضعف فيها أكثر مما ينبغي .
ولعل أعظم ما نتعلمه من هذه القصة …
أن الإنسان إذا أراد أن يحكم …
فعليه أن يجمع الصورة كلها …
لا أن يقف عند أول مشهدٍ فيها .
لكن الحوار لم ينتهِ عند الحادثة ..
بل انتهى عند الإنسان .
فبعد أن فرغ الدكتور من مناقشة الموقف ..
التفت إلى الحاضرين جميعًا ..
وقال جملةً لو أنها كُتبت وحدها لكفت :
«لا يجب أن تكون كل الحوارات ناعمة .»
كم نحن أسرى لهذه الفكرة !
نظن أن الحوار الناجح هو الذي يخلو من الاختلاف .
وأن العلاقة الجيدة هي التي لا ترتفع فيها الأسئلة .
وأن المحبة تعني الموافقة الدائمة .
بينما الحقيقة غير ذلك .
فالحديد لا يلمع إلا بعد احتكاكه .
والعقل لا ينضج إلا إذا ناقش ..
وسأل ..
واعترض ..
وأعاد التفكير .
ولهذا قال :
«أحيانًا نحتاج إلى حوارات فيها شيء من النقاش الجاد ؛ لكي نكتشف جوانب أخرى في شخصياتنا .»
ثم شهد للأستاذة سناء شهادةً جميلة .
لم يقل إنها كانت مصيبة .
ولم يقل إنه كان مخطئًا .
بل قال :
«لم أشعر أنها كانت ضعيفة في الحوار .. بل كانت قوية .»
ثم أضاف عبارة تستحق التأمل طويلًا :
«لا يهم هل كانت مصيبة في الموقف أو غير ذلك .»
يا لها من تربية راقية ..
فالقوة ليست أن تربح النقاش .
القوة أن تبقى حاضر العقل ..
ثابت الاحترام ..
وأنت تختلف .
قد تكون مخطئًا ..
لكن طريقتك في الحوار تكشف أخلاقك .
وقد تكون مصيبًا ..
لكن حدتك قد تُضيع حقك .
وهنا ينتقل الدكتور إلى معنى آخر ..
لا يقل جمالًا .
قال إن المشكلة ليست في أن نختلف ..
بل في أن نغادر .
وروى موقفًا حدث له في أحد مجموعاته .
حذف منشورًا خالف نظام المجموعة .
فجاءته صاحبة المنشور تعتذر .
شرح لها السبب بهدوء .
ثم فوجئ بأنها غادرت المجموعة كلها .
لم يغضب من خروجها ..
بل تأسف لأن رد الفعل كان أكبر من الموقف .
وأراد أن يقول شيئًا يتكرر في حياتنا كثيرًا :
ليس كل تصحيحٍ إهانة .
وليس كل ملاحظةٍ إسقاطًا .
وليس كل اختلافٍ نهايةً للعلاقة .
فالإنسان الذي يغادر عند أول خلاف ..
لن يجد مكانًا يبقى فيه طويلًا .
لأن الحياة نفسها قائمة على الاختلاف .
وربما كانت أجمل رسالة خرجت بها من حديث الدكتور :
لا تجعل ردود أفعالك أعنف من المواقف نفسها .
فكم من إنسانٍ غادر علاقة ..
أو مجلسًا ..
أو مجموعة ..
لأن كلمةً آلمته ..
بينما كان الحوار الصادق قادرًا على إنهاء الأمر كله في دقائق .
وكان الدكتور يلفت إلى معنى قريب من ذلك ..
فقال : “فرق كبير بين أن تغضب لموقف أو سلوك عارض .. وبين أن يكون الغضب من أهم ملامح شخصيتك .”
فالغضب العابر طبيعة بشرية ..
أما أن يتحول إلى عدسة نرى بها كل موقف ..
فهناك تبدأ العلاقات في التآكل شيئًا فشيئًا .
ثم عاد إلى أصل الفكرة من جديد ..
إلى المواجهة .
قال :
إن الإنسان إذا اعتاد أن يهرب من المواجهة ..
اعتاد أن يعيش في الفضفضة .
يشكو لهذا ..
ويفسر لذاك ..
ويجمع المؤيدين لروايته ..
لكن المشكلة تبقى كما هي .
أما المواجهة الهادئة ..
فقد تكون أصعب في بدايتها ..
لكنها أرحم في نهايتها .
ولعل هذه من أعظم العبارات التي خرج بها ذلك الحوار كله :
الفضفضة لا تحل المشكلة .. لكنها تؤجل مواجهتها .
فالفضفضة قد تخفف الألم ..
لكنها لا تُصلح السبب .
أما الحوار ..
فقد يكون مؤلمًا للحظات ..
لكنه يفتح باب العلاج .
ولذلك لم يكن الدكتور يدعو إلى المواجهة لأنها انتصار .
بل لأنها أقرب طريق إلى الحقيقة .
فالحق لا يخاف من السؤال ..
ولا يخشى النقاش ..
ولا يضيق بالحوار .
إنما الذي يخاف الحوار ..
هو الوهم .
ثم مضى الدكتور يوسّع الدائرة أكثر ..
حتى لم تعد القضية قضية مشرفةٍ ومعلمة ..
ولا مدرسةٍ وطالبة ..
بل قضية إنسانٍ مع نفسه .
قال للأستاذة سناء ..
وهو يلخّص الفكرة كلها :
“كلما استطعنا المواجهة .. سقطت كثير من الأفكار والتوقعات .”
ولعلها من تلك الجمل التي تبدو عابرة في أول سماعها ..
لكنها كلما تقدّم الإنسان في عمره اكتشف أنها تختصر نصف مشكلات الحياة .
فنحن كثيرًا ما لا نتألم مما حدث ..
بل مما تخيلنا أنه حدث .
نصنع في عقولنا رواية كاملة ..
ثم نحاكم الآخرين على أحداث لم تقع أصلًا .
يكفي أن يتأخر ردّ أحدهم ..
فنقول :
لعلّه تغيّر .
ولعلّه غضب .
ولعلّه يقصد أن يتجاهلني .
ولعلّه ..
ولعلّه ..
ثم تمضي الأيام ..
وتتحول كلمة “لعلّ” إلى حقيقة راسخة ..
مع أنها لم تكن يومًا إلا احتمالًا .
ولهذا كان الدكتور يكرر معنى بديعًا ..
وهو أن الإنسان حين يترك باب الحقيقة مغلقًا ..
يفتح على نفسه أبواب الاحتمالات كلها .
والاحتمالات لا سقف لها .
فهي لا تعرف حدودًا ..
ولا تتقيد بواقع .
بل تتغذى على الخوف ..
وتكبر بالصمت .
ولهذا لا يرهق الإنسان ما يقوله الناس دائمًا ..
بل يرهقه ما يقوله هو لنفسه .
ثم توقّف الدكتور عند نقطة دقيقة ..
قد يغفل عنها كثيرون .
قال :
إن الناس يظنون أن المواجهة تعني الخصومة .
وهذا غير صحيح .
فالمواجهة ليست صراخًا .
وليست انتصارًا لطرف على آخر .
وليست كشفًا للعيوب .
المواجهة في صورتها الناضجة ليست إلا سؤالًا صادقًا .
أن تقول :
“أريد أن أفهم .”
لا :
“أريد أن أُدين .”
فرقٌ كبير بين الاثنين .
الأول يبني علاقة .
والثاني يهدمها .
ولهذا كان يؤكد أن خمس دقائق من الحوار الصادق ..
قد توفر على الإنسان خمس سنوات من سوء الفهم .
ثم جاءت منه ملاحظة تستحق أن تُكتب في كل بيت ..
وكل مدرسة ..
وكل مؤسسة .
قال :
إن أكثر الناس الذين يلجؤون إلى الفضفضة ..
هم أولئك الذين لم يواجهوا .
فالفضفضة ليست علاجًا دائمًا .
إنها أحيانًا تؤجل الألم فقط .
أما المواجهة المهذبة ..
فهي التي تمنح الحقيقة فرصة أن تتكلم .
فمن السهل أن نجلس مع صديق فنشكو .
ومن السهل أن نبكي لمن يحبنا .
ومن السهل أن نعيد الحكاية عشرات المرات .
لكن الأصعب ..
أن نطرق الباب الصحيح .
وأن نقول لصاحب الموقف نفسه :
“ساعدني أن أفهم .”
هناك فقط ..
تبدأ المشكلة بالذوبان .
ولم يكن الدكتور يدعو إلى مواجهة فظة ..
ولا إلى كلمات قاسية .
بل كان يفرّق بين الشجاعة والغلظة .
فالإنسان القوي لا يرفع صوته .
ولا يستعرض انتصاره .
إنما يملك من الهدوء ما يجعله يسأل ..
ويستمع ..
ثم يحكم .
ولهذا قال معنى بقي يرنّ في الذهن :
“ليس كل حوار ناجح هو الحوار الناعم .”
أحيانًا يكون الحوار الصادق مليئًا بالأسئلة ..
والاعتراضات ..
وإعادة النظر .
لكن ما دام الاحترام حاضرًا ..
فإن الحقيقة تخرج أوضح ..
والقلوب تخرج أخف .
أما المجاملة التي تمنع السؤال ..
فقد تؤجل المشكلة ..
لكنها لا تعالجها .
ولعل أكثر ما استوقفني في حديث الدكتور ..
أنه لم يكن يدعو إلى المواجهة من أجل الانتصار ..
بل من أجل الكرامة .
وحين أراد أن يوضح فكرته ..
لم يأتِ بمثال من الكتب ..
ولا استشهد بنظرية تربوية ..
بل حكى موقفًا صغيرًا مع ابنه ماجد .
قال إن أحد المعلمين اعتاد أن يصغّر اسمه أمام زملائه .
فقال له ماجد بهدوء :
“يا أستاذ .. اسمي ماجد .. ولا أسمح لك أن تصغره .”
أعاد المعلم الأمر مرة أخرى .
فأجابه بالهدوء نفسه :
“أنا لا أسمح لك .”
لم يرفع صوته .
ولم يسيء الأدب .
ولم ينسحب .
وحين طلب منه المعلم أن يخرج من الفصل ..
خرج .
ثم عاد إلى والده ..
وسأله :
“ما رأيك في موقفي ؟”
فقال له الدكتور :
“والله إنك بطل .”
ثم علّل ذلك بكلمات تستحق أن تُعلّق في كل بيت :
“لا تسمح لأحد أن يهينك .. ولكن بأدب .”
ولذلك قال الدكتور عبارةً لافتة :
“أنا لا أريد أبناءً يُربَّون على الذلة والخضوع .. وإنما أريدهم أن يتربوا على العزة والكرامة واحترام الآخرين .”
يا لها من معادلة صعبة !
فكثير من الناس يظنون أن الكرامة لا تحفظ إلا بالصراخ .
ويظن آخرون أن الأدب يقتضي السكوت عن كل شيء .
بينما التربية الحقيقية تجمع بين الاثنين .
أن تعرف كيف تحفظ احترامك ..
دون أن تفقد احترام الآخرين .
فليس كل صمتٍ حكمة .
وليس كل صوتٍ شجاعة .
إنما الشجاعة أن تقول ما يجب أن يقال ..
بالطريقة التي ينبغي أن يقال بها .
ثم عاد الدكتور إلى فكرةٍ ظل يكررها طوال الحوار ..
حتى شعرت أنها ليست مجرد رأي ..
بل قاعدة من قواعد الحياة .
كان يقول :
“أنا لا أطلب من الناس أن يوافقوني .. لكن أطلب منهم أن يتحاوروا .”
وكان يؤكد :
“هل تتوقع أن كل ما تطرحه سيوافقك عليه الجميع ؟ المنطق يقول : لا .”
فإذا كان الاختلاف سنةً بين الناس ..
فلماذا نستغرب أن يخالفنا أحد ؟
ولماذا نعدّ كل رأي مختلف خصومة ؟
فليس الخطر أن نختلف .
الخطر أن نغلق أبواب الحوار .
ولذلك كان يرى أن الإنسان حين يترك السؤال ..
ويكتفي بالتوقع ..
فإنه يمنح الوهم سلطةً لا يستحقها .
فالحقيقة لا تُولد في المجالس التي نتحدث فيها عن الناس ..
بل في اللحظة التي نجلس فيها مع الناس أنفسهم .
ولهذا قال ما معناه :
إذا أخبرك أحدهم أنني أخطأت ..
فلا تجعل حديثه هو الحقيقة .
تعال إليّ أولًا .
اسألني .
ناقشني .
ثم احكم .
كم من البيوت كانت ستبقى عامرة لو فعل أهلها ذلك .
وكم من الأخوة كانوا سيبقون إخوة .
وكم من الزوجات ما كنّ لينمن باكيات .
وكم من الأزواج ما كانوا ليحملوا في صدورهم كل هذا الصمت .
وكم من الصداقات ما كانت لتدفن وهي ما زالت حيّة .
لقد أدركت ..
بعد أن انتهيت من قراءة ذلك الحوار ..
أن المشكلة ليست في قلة الحب بين الناس .
ولا في قلة الخير .
ولا حتى في كثرة الأخطاء .
المشكلة أن كثيرًا من العلاقات لا تموت بسبب ما قيل ..
بل بسبب ما لم يُقل .
تموت لأن أحدًا افترض ..
ولم يسأل .
وظن ..
ولم يتحقق .
وسمع ..
ولم يحاور .
ولذلك ربما كانت أعظم هدية يمكن أن نقدمها لمن نحب ..
ليست النصيحة .
ولا الاعتذار .
ولا حتى التسامح .
بل أن نعطيه فرصةً ليتكلم قبل أن نصدر حكمنا عليه .
فكم من كلمةٍ صادقة ..
أنقذت عمرًا كاملًا من سوء الفهم .
وكم من دقائق قليلة من الحوار ..
وفّرت على أصحابها سنواتٍ من القطيعة .
ولهذا ..
حين أغلقت تلك المحادثة ..
لم يبق في ذهني سؤال الدكتور الأول ..
ولا قصة المشرفة ..
ولا حتى تفاصيل الحوار .
بقيت جملة واحدة فقط ..
كأنها خلاصة المقال كله :
كلما غابت المواجهة .. حضرت السيناريوهات .
وكلما حضرت الحقيقة ..
اختفت أكثر الخصومات من تلقاء نفسها .
ثم خطر لي سؤال ..
وأنا أطوي صفحات ذلك الحوار :
كم علاقةً في حياتنا انتهت ..
لا لأن أحدًا أخطأ ..
بل لأن أحدًا لم يتثبت ؟
وهنا لا نتحدث عن مهارة اجتماعية فحسب ..
بل عن مبدأٍ ربّى الله عليه المؤمنين قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا .
قال سبحانه :
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾
فالتثبت ليس خلقًا إضافيًا ..
إنه حمايةٌ للقلوب .
وحراسةٌ للعلاقات .
وصيانةٌ للعدل .
فكم إنسانًا ظُلم لأن خبرًا سبق الحقيقة .
وكم قلبًا انكسر لأن تفسيرًا سبق السؤال .
وكم بيتًا تهدّم لأن الظن سبق الحوار .
ولهذا لم يكن القرآن يقول :
احكموا ..
بل قال أولًا :
تبينوا .
وكأن الطريق إلى العدل يبدأ دائمًا من باب الفهم .
وحين انتهى الدكتور من حديثه ..
شعرت أن القضية لم تعد قضية مشرفةٍ ومعلمة ..
ولا أبٍ وابنه ..
ولا زوجين ..
ولا صديقين ..
بل قضية الإنسان مع نفسه .
فالإنسان لا يخسر علاقاته في اللحظة التي يسمع فيها الكلام ..
بل في اللحظة التي يصدق تفسيره للكلام دون أن يتحقق .
هناك يبدأ الشرخ .
وهناك يولد البعد .
وهناك يكبر الوهم حتى يصبح عند صاحبه حقيقةً لا تقبل النقاش .
وربما لهذا السبب ..
ليست العلاقات الطويلة هي التي تخلو من الخلاف .
بل هي التي تعرف كيف تعبر الخلاف .
فالناس جميعًا يخطئون .
وجميعهم يسيئون الفهم .
وجميعهم يقولون ما لا يقصدون أحيانًا .
لكن الناجحين في علاقاتهم يملكون شجاعةً نادرة ..
شجاعة أن يسألوا قبل أن يحكموا .
وأن يسمعوا قبل أن يصدقوا .
وأن يفتحوا الباب ..
قبل أن يغلقوا القلب .
خرجت من ذلك الحوار ..
وأنا أوقن أن أجمل ما قاله الدكتور لم يكن نصيحةً في التربية ..
ولا قاعدةً في الإشراف ..
بل كان درسًا في الحياة كلها .
فالإنسان لا يعيش بما يسمعه ..
بل بما يختار أن يصدقه .
وكلما اتسعت المسافة بين الحقيقة والظنون ..
ضاقت المسافة بين القلوب .
ولذلك ..
إذا شعرت يومًا أن كلمةً جرحتك ..
أو موقفًا أثقلك ..
أو نظرةً أقلقتك ..
فلا تجعل أول خطواتك نحو القطيعة ..
بل اجعلها نحو الباب .
اطرقه .
واسأل .
فربما كانت خمس دقائق من الحديث ..
خيرًا من خمس سنوات من سوء الفهم .
وربما كان سؤالٌ صادق ..
أرحم من ألف تفسير .
فالخصومات لا تبدأ دائمًا من الكلمات ..
بل تبدأ يوم نتوقف عن سؤال أصحابها ..
ونبدأ في سؤال ظنوننا .

أثر لاينسى
جدة
الثلاثاء ٢٩ محرم ١٤٤٨
١٤ يوليو ٢٠٢٦

