🌸امرأة هزمت العمر .. وقلبٌ لا يشيخ 🫀🌿✨

screenshot ٢٠٢٦٠٧١٣ ١٦٣٤٥٠ gallery


هناك بشرٌ يمرّون في حياتنا فنذكر أسماءهم ..
وهناك آخرون لا يتركون لنا اسمًا فقط .. بل يتركون طريقةً جديدةً للنظر إلى الحياة .
تمرُّ السنون على الوجوه كما تمرُّ الرياح على الصخور ..
تنحت الملامح ..
وتسرق شيئًا من القوة ..
وتترك آثارها التي لا ينجو منها أحد .
لكنها تقف أحيانًا .. حائرةً أمام قلوبٍ لم تستطع أن تهزمها .
فليس كل من تقدّم به العمر قد كبر ..
وليس كل شابٍّ ما زال حيَّ القلب .
هناك من يموت حلمه قبل أن يشيب شعره ..
وهناك من يبلغ الثالثة والثمانين .. وما يزال يزرع في الغد حلمًا جديدًا .. كأن الزمن لم يقترب منه إلا ليزداد إيمانًا بأن القادم أجمل .
ولذلك ..
حين رأيت الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني .. بعد صلاة الفجر .. يكتب رسالةً تلو أخرى .. وقد نسي أن يختصر ..

file 0000000040f47246bafc934c4fda31df

أدركت أن الأمر لم يكن إعجابًا بمقابلةٍ تلفزيونية ..
بل دهشةَ مربٍّ رأى أمامه إنسانًا انتصر على شيءٍ لا ينتصر عليه الناس عادة .
لم يكن يتحدث عن امرأةٍ نالت شهادةً علمية ..
ولا عن قصة نجاحٍ تُروى في المحاضرات ..
بل عن روحٍ بقيت حيّة .. بعدما انطفأت في قلوبٍ أصغر منها بخمسين عامًا .
وهنا بدأ السؤال الذي ظل يرافقني طويلًا ..
كيف يستطيع إنسانٌ أن يتقدّم به العمر .. ولا يشيخ قلبه ؟

لكن أكثر ما استوقفني لم يكن المقابلة نفسها ..
بل الرجل الذي جلس يشاهدها .
كان الفجر قد ألقى سكونه على البيوت ..
والناس ما بين نائمٍ أو مستعدٍّ ليومٍ جديد ..
بينما كان الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني قد أنهى مشاهدة اللقاء كاملًا .
ولم يكتفِ بأن يقول :
“أعجبتني .”
ولم يكتب سطرًا عابرًا كما نفعل جميعًا بعد مشاهدة مقطع مؤثر .
بل أخذ يرسل رسالةً تلو أخرى ..
حتى بدا وكأن الكلمات تتسابق للخروج قبل أن يهدأ أثر ما رآه .
كتب :
«أبكتني .. وأضحكتني .. وألهمتني هذه المرأة العظيمة .»
ثم لم يتوقف ..
فكأن كل دقيقةٍ من المقابلة كانت تفتح في نفسه بابًا جديدًا للتأمل .
مرةً يقف عند حديثها عن أبيها ..
ثم عند وفائها لزوجها ..
ثم عند حبها لأبنائها ..
ثم ينتقل إلى ما هو أعمق من ذلك كله ..
فيقول :
«ما أعظم إيمانها بالله .. وصبرها على الابتلاء مرتين .»
ثم يتبعها بأخرى :
«كل حرفٍ من كلامها يفيض بالإيجابية .»
ولم يكن يتحدث عن إيجابيةٍ مصنوعة ..
تلك التي تُلتقط لها الصور وتُكتب عنها العبارات ..
بل عن إيجابيةٍ خرجت من قلبٍ عرف الله ..
فعرف كيف يرى الحياة ..
حتى وهي تمتلئ بالمرض .. والفقد .. والغربة .
ثم جاءت الجملة التي شعرت أنها ليست وصفًا لامرأةٍ بعينها ..
بل صفعةٌ رقيقة لكل من أقنع نفسه أن الأحلام لها تاريخ انتهاء .
كتب :
«في سن الثالثة والثمانين .. ولديها طموح في التدريس الجامعي .. وتعلّم اللغة الإنجليزية .. وكتابة مذكراتها .»
توقفت طويلًا ..
ليس عند الرقم ..
بل عند القلب الذي يسكن خلف الرقم .
فكم من إنسانٍ مات طموحه في الخامسة والعشرين ..
وكم من آخر دفن أحلامه وهو في الأربعين ..
بينما كانت هذه المرأة ..
بعد ثلاثة وثمانين عامًا من الحياة ..
تتحدث عن الغد ..
كما يتحدث شابٌّ ما زال يرى الدنيا في أول الطريق .
وهنا فقط ..
بدأت أفهم لماذا لم يكن الدكتور مسفر يكتب عن مقابلة ..
بل كان يكتب عن ظاهرةٍ إنسانية نادرة .

لكن السؤال الذي ظل يلحُّ عليّ لم يكن :
ماذا قالت ؟
بل :
ما الذي جعل رجلًا خبر التربية .. وعاشر آلاف المعلمين والمتدربين .. يكتب عنها بهذا الانفعال ؟
فليس من عادة الدكتور مسفر أن يُغدق الثناء جزافًا ..
ولا أن يتأثر بمشهدٍ عابر .
لقد أمضى عمرًا طويلًا يقرأ الأشخاص قبل أن يقرأ كلماتهم ..
ويزن الأفكار قبل أن يحتفي بها .
ولهذا أدركت أن السر لم يكن في المقابلة ..
بل في الإنسانة التي كانت تتحدث .
كانت آمال تتكلم بهدوءٍ يشبه هدوء المؤمن بعد رحلةٍ طويلة مع الحياة .
لم تكن تستعرض بطولة ..
ولا تعدد إنجازًا ..
ولا تحاول أن تُقنع أحدًا بأنها استثنائية .
بل كانت تحكي حياتها كما تُحكى الأشياء الصادقة ..
بلا ضجيج ..
وبلا ادعاء .
وكلما مضت في الحديث ..
اكتشفت أن القوة الحقيقية لا ترفع صوتها .
فالسنوات لم تمنحها مجرد عمرٍ طويل ..
بل منحتها بصيرةً ترى بها ما لا يراه كثيرٌ من الناس .
ولهذا لم يكن المرض عندها نهاية الطريق ..
ولا الغربة انكسارًا ..
ولا الفقد سببًا للتذمر ..
بل كانت ترى في كل محطة بابًا جديدًا يفتحه الله لها .
وهنا فهمت سر تلك الإيجابية التي تحدث عنها الدكتور مسفر .
فالإيجابية التي تُولد من الظروف تزول بزوالها ..
أما الإيجابية التي تُولد من الإيمان ..
فإنها تبقى حتى حين تتغير الظروف كلها .
ولهذا لم تكن كلماتها تُشبه العبارات المحفوظة التي امتلأت بها كتب التنمية ..
بل كانت تشبه ماءً خرج من عينٍ صافية .

فالإنسان يستطيع أن يتعلم مهارة الإلقاء .. ويستطيع أن يتعلم فن الحوار .. لكن لا أحد يستطيع أن يتصنع الطمأنينة .. إنها تُرى .. ولا تُشرح .
تدخل القلب قبل أن تمرَّ على الأذن .
ولعل أكثر ما أدهشني أن أحلامها لم تكن تتحدث بصيغة الماضي .
لم تقل :
“كنت …”
بل كانت تتحدث عن الغد ..
وكأن الثالثة والثمانين ليست نهاية العمر ..
بل بداية صفحةٍ جديدة .
عندها فقط أدركت أن الإنسان لا يشيخ حين يكثر عدد سنواته ..
وإنما حين يتوقف عن رؤية المستقبل .
أما من بقي قلبه عامرًا بالأمل ..
فإن الزمن نفسه يعجز عن أن يهزمه .

ولعل الإنسان لا يُقاس بما مرّ به ..
بل بما بقي منه بعد الذي مرّ به .
فكم من إنسانٍ خرج من الابتلاء وهو يحمل في قلبه مرارةً لا تنتهي ..
وكم من آخر خرج منه وهو يحمل نورًا يكفي لأن يضيء قلوب الآخرين .
وكانت آمال من هذا الصنف الأخير .
لم تكن تتحدث عن الألم لتطلب شفقة ..
ولا تستعيد ماضيها لتلفت الأنظار ..
بل كانت تمر على الجراح كما يمر العارف بالله على محطاتٍ كتبها الله له .. ثم مضى .
وحين كانت تذكر المرض ..
لم يكن المرض بطل الحكاية .
وحين كانت تذكر الفقد ..
لم يكن الفقد سيد المشهد .
بل كان الله حاضرًا في كل جملة ..
حتى شعرت أن القصة .. في حقيقتها .. ليست قصة امرأةٍ انتصرت على ظروفها ..
بل قصة قلبٍ لم يسمح للظروف أن تنتصر عليه .
ولهذا كانت كلماتها تدخل القلب في هدوء .
لا لأنها منمقة ..
بل لأنها خرجت من مكانٍ لا يصل إليه التكلّف .
فالكلمات التي يكتبها العقل قد تُعجبك ..
أما الكلمات التي يكتبها اليقين .. فإنها تغيّرك .
كنت أستمع إليها ..
وأشعر أن الحياة التي نشتكي منها كل يوم ..
هي نفسها الحياة التي كانت تشكر الله عليها .
والدنيا التي نراها ضيقة ..
كانت تراها واسعة .
والأبواب التي نظن أنها أُغلقت ..
كانت ترى خلفها أبوابًا أخرى لم تُفتح بعد .
عندها خطر لي سؤالٌ لم أستطع أن أدفعه عن نفسي :
كم مرةً ظلمنا أعمارنا ؟
ليس لأن السنوات كانت قليلة ..
بل لأن قلوبنا تعبت مبكرًا .
فالشيخوخة الحقيقية لا تبدأ حين يبيض الشعر ..
بل حين يكبر اليأس .
وحين يفقد الإنسان قدرته على أن يحلم .
أما هي ..
فكانت تتحدث عن أحلامها القادمة ..
كما يتحدث شابٌّ ما زال في أول الطريق .

فالحلم يسكن الخيال .. أما الهدف فيسكن الإرادة .. ولهذا لم تكن تتحدث عن أمنياتٍ مؤجلة .. بل عن مشاريع تنتظر أن تبدأ .
تريد أن تدرّس في الجامعة .
وتريد أن تتعلم الإنجليزية .
وتريد أن تكتب مذكراتها .
ثلاثة وثمانون عامًا ..
وما زالت تتحدث بلغة المستقبل .
يا الله ..
كم من شابٍ دفن أحلامه قبل أن يبلغ الثلاثين ..
وكم من قلبٍ أعلن استسلامه .. وهو في عز شبابه ..
بينما كانت هذه المرأة تُثبت .. دون أن تقصد .. أن العمر لا يقاس بعدد السنوات ..
بل بعدد المرات التي ينهض فيها القلب بعد كل سقوط .
وهنا فهمت سر العبارة التي كتبها الدكتور مسفر :
“هذه المرأة العظيمة مثالٌ صادق في الهمة العالية والنجاح الحقيقي .”
لقد اختار كلمة “صادق” قبل أن يختار كلمة “عظيم” .
لأن العظمة قد تُصنع أمام الناس ..
أما الصدق فلا يُصنع .
إنه يُعاش .

من أين جاءت كل هذه السكينة ؟
الإنسان لا يولد بهذا الاتزان فجأة .
فالنفوس العظيمة لا تُصنع في يوم ..
وإنما تنحتها سنواتٌ طويلة ..
وأيدٍ طيبة ..
وبيوتٌ امتلأت بالقيم قبل أن تمتلئ بالأثاث .
ولهذا ..
كلما كانت الأستاذة آمال تعود بحديثها إلى البدايات ..
شعرت أنني لا أستمع إلى ذكريات ..
بل إلى الجذور .
كانت تتحدث عن أبيها ..
لا بوصفه رجلًا مضى ..
بل بوصفه أثرًا ما زال يعيش فيها .
فبعض الآباء يورثون أبناءهم مالًا ..
وبعضهم يورثونهم اسمًا ..
أما هو ..
فقد ورثها طريقةً كاملة في النظر إلى الحياة .
ولهذا بقي حاضرًا في كلماتها ..
رغم أن السنوات مضت .
فالإنسان لا ينسى من كان سببًا في بناء قلبه .
ولم يكن حديثها عن والدها حديث حنينٍ مجرد ..
بل حديث وفاء .
وكانت كلما ذكرته ..
شعرت أن الابنة ما زالت تجلس أمام أبيها ..
تستمع إليه ..
وتتعلم منه ..
وكأن الزمن لم يمضِ .
وهذا من أعجب ما في الأرواح الجميلة ..
أنها لا تقطع صلتها بمن أحبوا ..
حتى بعد الرحيل .
ثم انتقلت إلى زوجها ..
وهنا تبدل صوتها كله .
لم يكن حديثها عن علاقة زوجية عابرة ..
بل عن رفيق طريق .
وكان أكثر ما شدني أنها لم تتحدث عن نفسه بما صنع لها ..
بل بما صنعه الله لها من خلاله .
حتى إن الامتنان في كلامها كان يتجه إلى الله أولًا ..
ثم إلى الناس .
وهذه منزلة لا يصل إليها إلا من امتلأ قلبه بالرضا .
ثم جاءت لحظة الفقد ..
اللحظة التي ينكسر عندها كثير من الناس .

فالفقد ليس غريبًا عن أحد .. فما من بيتٍ إلا وطرقه يومًا .. وما من قلبٍ إلا وذاق شيئًا من مرارته .. لكن الفرق ليس في وقوع الفقد .. بل في الطريقة التي يخرج بها الإنسان منه .. فالابتلاء واحد .. لكن القلوب ليست واحدة .
لكنها لم تجعل الفقد نهاية الحكاية .
بل جعلته فصلًا من فصولها .
وهنا توقفت طويلًا .
ليس لأن الفقد سهل ..
بل لأنه كان صعبًا إلى الحد الذي لا تستطيع الكلمات أن تصفه .
ومع ذلك ..
لم أسمع منها كلمة اعتراض .
ولا جملة تحمل مرارة .
ولا سؤالًا يبدأ بـ :
“لماذا أنا ؟”
بل كانت تتحدث بطمأنينة من يعرف أن الله لا يختار لعباده إلا ما فيه الخير ..
وإن خفي الخير حينًا .
وهنا أدركت أن الصبر ليس أن تكتم دمعتك ..
بل أن يبقى قلبك حسن الظن بالله ..
حتى وأنت تبكي .
ولعل هذه هي التربية التي لا تُدرَّس في الجامعات ..
ولا تُكتسب من الكتب ..
إنها تُبنى في علاقة الإنسان بربه ..
يومًا بعد يوم ..
حتى تصبح جزءًا من روحه .
ولهذا لم يكن أكثر ما لفت الدكتور مسفر علمها ..
ولا شهادتها ..
ولا ذاكرتها القوية ..
بل هذا القلب الذي خرج من كل تلك الابتلاءات ..
وما زال قادرًا على أن يمنح الآخرين الأمل .

ثم جاء المرض ..
ذلك الضيف الذي إذا دخل بيتًا .. تغيّر كل شيء .
تتبدل المواعيد ..
وتتغير الأولويات ..
ويصبح اليوم الذي كان يمضي بلا التفات .. أمنيةً يتمنى الإنسان أن يعود إليه .
لكن المرض لا يكشف ضعف الجسد وحده ..
بل يكشف حقيقة القلب .
وهنا كانت آمال تزداد جمالًا .
لم تكن تنكر الألم ..
فالأنبياء أنفسهم تألموا .
لكنها كانت ترفض أن تجعل الألم هو اللغة الوحيدة التي تتحدث بها .
ولهذا ..
بينما كان المرض يسكن جسدها ..
كانت الطمأنينة تسكن حديثها .
وكانت كل جملة تنطق بها تقول .. دون أن تصرح :
“ما دام الله معي .. فما الذي أخشاه ؟”
وحين أشار الدكتور مسفر إلى أنها ابتُليت بالمرض مرتين ..
لم يكن يقصد مجرد معلومة تُذكر في سيرة ذاتية .
كان يريد أن يقول لنا شيئًا أكبر .
أن بعض الناس يخرجون من ابتلاءٍ واحد وهم يحملون على الدنيا كلها ..
أما هي ..
فقد خرجت من ابتلاءين ..
وما زالت تحمل في قلبها متسعًا للامتنان .
وهذا ليس أمرًا عاديًا .
فالابتلاء الأول قد يختبر الصبر ..
أما الثاني .. فيختبر اليقين .
واليقين هو ما كان يفيض من كلماتها .
ولهذا كتب الدكتور :
“ما أعظم إيمانها بالله .. وصبرها على الابتلاء مرتين .”
ولم يقل :
“ما أعظم صبرها .”
لأن الصبر قد يصنعه الإنسان مجاملةً أمام الناس ..
أما الإيمان ..
فلا يراه إلا من تأمل التفاصيل .
كان يراه في نبرة صوتها .
وفي هدوئها .
وفي طريقة حديثها عن الأيام القاسية ..
وكأنها لم تكن خصمًا لها ..
بل كانت معلمةً جاءت لتضيف إلى قلبها درسًا جديدًا .
ومن أعجب ما شدني ..
أنها لم تكن تتحدث عن المرض باعتباره ما أخذ منها ..
بل باعتباره ما أعطاها .
أعطاها قدرةً أكبر على فهم الناس .
وأعطاها قلبًا أرق .
وأعطاها يقينًا بأن الصحة نعمة ..
لكنها ليست أعظم النعم .
فأعظم النعم ..
أن يبقى القلب سليمًا ..
مهما أتعب المرض الجسد .
ولهذا ..
لم أشعر وأنا أستمع إليها أنني أمام امرأة تتحدث عن معاناتها ..
بل أمام إنسانة تعيد تعريف معنى العافية .
فالعافية ليست أن تخلو الحياة من الألم ..
بل أن يبقى الإنسان .. وسط الألم .. قادرًا على أن يقول :
الحمد لله .
وهنا فقط فهمت لماذا لم يحتج الأستاذ محمود سعد إلى أن يواسيها طويلًا ..
بل بدا .. في لحظات كثيرة .. وكأنه هو الذي يتلقى منها العزاء .
فبعض الأرواح ..
تتجاوز حاجتها إلى المواساة ..
لتصبح هي نفسها مواساةً لكل من حولها .

ولعل أكثر ما أدهشني ..
أن هذه الروح المطمئنة لم تظهر في حديثها وحده ..
بل ظهرت في الأثر الذي تركته فيمن كان يحاورها .
كان الأستاذ محمود سعد يدخل إلى الحوار ..
كما يدخل أي إعلامي محترف ..
يحمل أسئلته ..
ويريد أن يقود الحلقة نحو محطاتها المحددة .
لكن شيئًا آخر كان يحدث بهدوء .
شيئًا لا تلتقطه الكاميرات ..
ولا تكتبه أوراق الإعداد .
كانت المرأة التي جاءت لتُروِي قصتها ..
تصبح .. مع مرور الدقائق .. هي التي تقود القلوب .
ولذلك كتب الدكتور مسفر عبارة توقفت عندها طويلًا :
“من عظم إيمانها .. لم تكن في حاجة إلى مواساة الأستاذ محمود سعد .”
يا لها من ملاحظة !
فالمذيع عادةً هو الذي يبحث عن الكلمات التي يخفف بها ألم ضيفه ..
أما هنا ..
فقد بدا وكأن الضيف هو الذي يسكب الطمأنينة في المكان كله .
وهذه منزلة لا يبلغها الإنسان بقوة شخصيته ..
ولا بجمال حديثه ..
بل يبلغها حين يمتلئ قلبه بالله حتى يفيض على من حوله .
ولعل هذا هو سر الشخصيات التي لا تُنسى .
ليست تلك التي تتحدث كثيرًا ..
بل تلك التي تترك فيك بعد اللقاء شعورًا لا تستطيع تفسيره .
تشعر أنك خرجت أخف .
وأهدأ .
وأقرب إلى الله .
كأنك لم تستمع إلى قصة امرأة ..
بل جلست ساعةً كاملة في صحبة قلبٍ مطمئن .
وهذا ما جعل الدكتور يكتب بعد الفجر مباشرة ..
لا بعد أيام ..
ولا بعد أسابيع .
فبعض اللقاءات تنتهي بانتهاء التصوير ..
وبعضها يبدأ أثرها بعد أن ينتهي كل شيء .
ولذلك لم يكتب عن شهادتها أولًا ..
ولا عن عمرها ..
ولا عن الدكتوراه ..
بل بدأ بما رآه هو بعين قلبه .
رأى امرأةً تجاوزت مرحلة الشكوى ..
حتى أصبحت مصدرًا للسكينة .
ثم لفتني أمر آخر ..
لم يكن الدكتور يكرر في رسائله كلمة “العظيمة” مصادفة .
لقد وصفها بها أكثر من مرة .
لكن كل مرة كانت الكلمة تأتي بعد سبب مختلف .
مرةً لأنها صاحبة همة .
ومرةً لأنها صاحبة نجاح حقيقي .
ومرةً لأنها تستحق أن تكون كتابًا .
حتى انتهى إلى جملةٍ شعرت أنها ليست ثناءً ..
بل أمنية صادقة :
“لو كنت مسؤولًا في جامعة المنصورة .. لجعلتها تقدم محاضرات في الجامعة .. لتكون رمزًا وقدوة لكل من يرغب أن يكون شيئًا .”
وهنا توقفت ..
ليس عند الاقتراح نفسه ..
بل عند الفكرة التي وراءه .

فالجامعات تُدرِّس العلوم .. لكنها تحتاج أحيانًا إلى من يُعلِّم الحياة .. فقد يُغيِّر كتابٌ طريقة تفكيرك .. لكن قد يُغيِّر إنسانٌ طريقة حياتك كلها .
فنحن اعتدنا أن الجامعات تُدرِّس أصحاب النظريات ..
أما الدكتور ..
فكان يبحث عن إنسانة تُدرِّس أصحاب الأحلام .
لأن بعض الدروس لا تُفهم من الكتب ..
بل تُفهم من الحياة .
قد يشرح أستاذ جامعي نظرية النجاح في ساعتين ..
لكن إنسانةً عاشت هذه الرحلة بصدق ..
قد تعلمها في دقيقة واحدة ..
دون أن تقصد .
ولهذا كان يرى أن وجودها بين الشباب ليس تكريمًا لها وحدها ..
بل حمايةً لأحلامهم .
ولم يكن يقصد أن تمنح الجامعة الأستاذة آمال منصبًا  ..
بل أن تمنح طلابها فرصةً لرؤية الإنسان قبل أن يروا الأستاذ  ..
فبعض الناس يعلّمونك مادةً دراسية  ..
وبعضهم يعلّمونك كيف تُعاش الحياة  . والجامعات تحتاج إلى الاثنين  ..
لكنها في أمسّ الحاجة إلى النوع الثاني  .
فالقدوات لا تصنع التاريخ لأنها مشهورة ..
بل لأنها تجعل الآخرين يؤمنون أن الطريق ما زال ممكنًا .

لكن ربما كان أكثر ما أوقف الدكتور مسفر ..
وأكثر ما أوقفني معه ..
ليس ما فعلته في الماضي ..
بل ما كانت تنوي أن تفعله في المستقبل .
فالناس عادةً يتحدثون عن أحلام الشباب ..
أما هي ..
فكانت تتحدث عن أحلامها بعد الثالثة والثمانين .
تريد أن تُدرِّس في الجامعة .
وتريد أن تتعلم اللغة الإنجليزية .
وتريد أن تكتب مذكراتها .
يا الله ..
أي قلبٍ هذا الذي ما زال يرى الغد أوسع من الأمس ؟
وأي روحٍ هذه التي لم تسمح للعمر أن يملي عليها متى تتوقف ؟
عندها فهمت أن السنوات لا تُطفئ الإنسان ..
بل الذي يطفئه هو أن يتوقف عن رؤية المعنى .
فالإنسان لا يشيخ يوم ينحني ظهره ..
بل يوم تنحني همته .
ولا يهرم حين يضعف بصره ..
بل حين يفقد بصر قلبه .
ولهذا كانت هذه المرأة تمشي في الاتجاه المعاكس لما اعتاده الناس .
فبينما كان كثيرون يعدّون ما بقي من أعمارهم ..
كانت هي تعدّ ما بقي من أحلامها .
شتان بين من ينتظر نهاية الطريق ..
ومن يبحث عن بداية طريقٍ جديد .
ولذلك لم يكن الدكتور مسفر يرى في هذه المرأة قصة نجاح فردية ..
بل كان يرى فيها رسالة .
رسالةً تقول لكل من ظن أن العمر قد سبقه :
لم يسبقك العمر ..
سبقك اليأس .
ورسالةً أخرى لكل من علق أحلامه على ظرفٍ لم يأتِ بعد :
إن البدايات لا يحددها العمر ..
بل يحددها القرار .
ولعل أجمل ما خرجت به من سيرتها أن الإنسان قد يُحرم من أشياء كثيرة ..
لكن أخطر ما يمكن أن يُحرم منه هو أن يفقد القدرة على الحلم .
أما من بقي قلبه عامرًا بالأمل ..
فإن الله يفتح له من الأبواب ما لا يخطر له على بال .
ولهذا لم تكن آمال امرأةً هزمت المرض ..
ولا امرأةً تحدت السنين ..
بل كانت امرأةً رفضت أن تسمح لشيءٍ في الدنيا أن يشيخ قلبها .
وهنا فقط ..
أدركت أن عنوان المقال لم يكن مبالغة .
فهي لم تهزم العمر لأن الزمن توقف عندها ..
بل لأن قلبها سبق الزمن .
ولأن الروح إذا امتلأت بالإيمان ..
والعمل ..
والرضا ..
والطموح ..
لم تعد السنوات قادرةً على أن تنال منها .
ولعل هذا هو الدرس الذي ظل يرافقني بعد أن انتهت المقابلة .
بعد أن أغلقتُ المقطع ..
طال صمتي .
لم أكن أفكر في عمرها ..
ولا في الدكتوراه ..
ولا في المرض ..
بل في نفسي .
كم مرةً قلت :
فات الأوان ؟
وكم حلمًا دفنته بيدي ..
لا لأنني عجزت عنه ..
بل لأنني أقنعت نفسي أن العمر لم يعد يسمح ؟
ثم جاءت هذه المرأة ..
دون أن تعرفني ..
لتنسف تلك الأعذار كلها .
علمتني أن الله لا يسأل الإنسان يوم القيامة :
كم كان عمرك ؟
بل ماذا صنعت بعُمرك ؟
وأن الأيام لا تُقاس بطولها ..
بل بما امتلأت به من معنى .
وربما لهذا خرج الدكتور مسفر من ذلك اللقاء وهو يقول إنها تستحق أن تكون كتابًا .

وأحسب أن الأمر أكبر من كتاب .
فهناك أشخاص لا يغيّرون أفكارنا فقط ..
بل يغيّرون مقياسنا للحياة .
وحين يحدث ذلك ..
فقد تركوا في الأرض أثرًا ..
سيبقى أطول من أعمارهم .
حين انتهت المقابلة .. 
لم أشعر أنني شاهدت امرأةً تجاوزت الثالثة والثمانين  .. 
بل شعرت أنني رأيت العمر وهو يقف مهزومًا أمام قلبٍ لم يعرف الاستسلام  .
عندها رحلتُ عن قصتها ..
وأنا أكثر يقينًا أن الشيخوخة ليست في الوجه ..
بل في الاستسلام .
وأن الشباب ليس في الجسد ..
بل في القلب .
ولهذا ..
كلما تذكرتُها ..
تذكرتُ أن أجمل ما يمكن أن يرزقه الله إنسانًا ..
ليس عمرًا طويلًا ..
بل قلبًا لا يشيخ . 🫀
🌿✨

gemini generated image lmng5lmng5lmng5l

ومهما حاولتُ أن أكتب عنها  ..  فستبقى أشياء لا تُنقل بالحروف ..  بل تُرى في نبرة صوتها  .. وتُحس في سكينة قلبها .. ولهذا أرفق اللقاء كاملًا  ..  فلعل ما عجزت الكلمات عن حمله ..  تدركه وأنت تشاهده بنفسك  .

أثر لاينسى
جدة
الاثنين  ٢٨ محرم ١٤٤٨
١٣ يوليو ٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *