منذ أن سرد الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني هذا الموقف للمرة الأولى .. وأنا أعزم على الكتابة عنه .. ثم يحول بيني وبينه شاغل .. أو يستوقفني أمر .. أو أؤجل الحديث عنه ظنًّا مني أن الوقت سيتسع لاحقًا .
لكن بعض المواقف لا يليق بها التأجيل طويلًا .. لأنها لا تمر على الذهن مرور العابر .. بل تبقى معلقة في الذاكرة .. تستدعي التأمل كلما تذكّرنا كم يمكن لموقف واحد أن يكشف طبائع البشر .. ويختبر الحكمة .. ويضع الجميع أمام لحظة فارقة لا تحتمل الحلول السطحية .
وهذا الموقف ليس قصة عن معلم أخطأ .. ولا عن طالب غضب .. ولا عن مدير مدرسة واجه أزمة .. بل هو درس تربوي عميق في فهم الإنسان قبل محاولة إصلاحه .. وفهم المجتمع قبل إصدار الأحكام عليه .
لفت انتباه الدكتور مسفر في إحدى زياراته الميدانية لمدرسة تقع في هجرة بعيدة عن المحافظة بما يزيد عن الساعة والنصف .. مشهد غير مألوف .. مجموعة من طلاب المرحلة المتوسطة يجلسون تحت جدار مقابل لفصلهم الدراسي .. في وقت يفترض أن يكونوا فيه على مقاعد الدراسة .
لم يكن المكان مريحًا .. ولا الجلوس فيه مغريًا .. مما جعل المشهد يثير السؤال قبل أن يثير الاستغراب .
كانت البداية مجرد ملاحظة .. لكنها قادت إلى أزمة تربوية معقدة امتدت لأسبوعين كاملين .
صفعة واحدة أشعلت الموقف كله .
معلم لغة عربية فقد أعصابه أمام استفزاز متكرر .. فصفع أحد طلابه أمام زملائه وأقاربه .
والطالب لم يكن فردًا معزولًا .. بل جزءًا من نسيج اجتماعي متماسك .. يرى الكرامة شأنًا جماعيًا لا فرديًا .
وهنا لم تعد القضية صفعة على وجه طالب فحسب .. بل جرحًا أصاب شعور مجموعة كاملة من المراهقين الذين قرأوا الموقف بعين العاطفة والانتماء والغيرة .
رفض الطلاب دخول الحصة .
أضربوا جماعيًا .
وتحولت المدرسة إلى ساحة توتر صامت ينتظر شرارة جديدة .
ولم يكن القلق محصورًا في المعلم وحده .. بل كان مدير المدرسة يعيش هو الآخر حالة من التوتر المتصاعد .. فقد أخبر الدكتور مسفر أنه كان يتوقع في كل يوم وصول شكوى رسمية من ولي أمر الطالب إلى إدارة التعليم .. وأنه حين رأى المشرف التربوي داخل المدرسة ظن في البداية أن القضية قد وصلت بالفعل إلى الجهات المختصة .. ولم يُخفِ المدير شعوره بالعجز أمام أزمة امتدت أسبوعين كاملين دون أن تنجح محاولاته في احتوائها .. حتى قال للدكتور بصراحة تحمل كثيرًا من القلق والاستنجاد : “تكفى يا أستاذ افزع لي” .. في إشارة إلى أن الموقف تجاوز قدرته على المعالجة وأصبح بحاجة إلى تدخل أكثر خبرة وحيادًا .
ما يلفت النظر في هذا الموقف أن الدكتور مسفر لم يبدأ بالبحث عن المخطئ ليصدر حكمه .. بل بدأ بالبحث عن الحقيقة ليفهمها .
جلس مع المعلم أولًا .
استمع إليه .
تركه يتحدث .
وكان من الواضح أن المعلم دخل الجلسة مثقلًا بالهواجس .. وعشرات التساؤلات والإحتمالات المقلقة .. فالأزمة استمرت أسبوعين .. والحديث عنها لم يعد حبيس المدرسة .. وربما كان يتساءل في داخله : هل وصلت القضية إلى إدارة التعليم ؟ وهل أصبح وجود المشرف اليوم مرتبطًا بما حدث ؟ ولهذا حرص الدكتور منذ البداية على إزالة هذا القلق .. موضحًا أن زيارته للمدرسة لم تكن بسبب الحادثة أصلًا .. وإنما كانت زيارة اعتيادية كشف خلالها الموقف بالصدفة .. ثم قادته مسؤوليته المهنية إلى التوقف عنده ومحاولة فهمه ومعالجته .
ولم يكتفِ الدكتور بالاستماع المجمل إلى رواية المعلم .. بل طلب منه أن يعود إلى بداية القصة وأن يروي ما حدث من الألف إلى الياء، ..خطوةً خطوة .. كما وقع تمامًا دون اختصار أو تجميل .. كان يريد أن يسمع الحكاية من صاحبها نفسه .. وأن يفهم كيف تراكمت الاستفزازات .. وكيف وصل الأمر إلى تلك اللحظة التي فقد فيها المعلم السيطرة على أعصابه .. ولم يبدأ حديثه معه بالعتاب أو إصدار الأحكام .. بل دعاه إلى أن يروي ما جرى كما حدث تمامًا .. وكأنه كان يريد أن يزيل من المشهد كل رواية ناقصة أو انفعال طارئ .. ليصل إلى الحقيقة كما عاشها صاحبها لا كما نقلها الآخرون .. فبعض الأزمات لا تُفهم من نهايتها .. بل من الطريق الطويل الذي قاد إليها. .. ولهذا كان حريصًا على أن يفهم أولًا .. ثم يبني موقفه على فهمٍ كامل لا على انطباعٍ سريع .. إدراكًا منه أن العدالة في مثل هذه المواقف لا تُبنى على جزء من الصورة .. وإنما على اكتمالها بكل تفاصيلها .
وخلال هذا السرد اتضح أن الأزمة لم تكن مجرد خلاف تربوي عابر أو رد فعل لحظي .. بل إن المعلم نفسه كان يحمل مخاوف أعمق من المساءلة الإدارية .. فقد بدا قلقًا من ردود الفعل الاجتماعية التي قد تترتب على ما حدث .. وأخبر الدكتور بأن بعض الطلاب ربما باتوا يفكرون في الانتقام منه .. حتى إنه أصبح يخشى على سيارته وعلى نفسه مع اقتراب نهاية العام الدراسي .. هذا الاعتراف كشف أن الموقف تجاوز حدوده التعليمية .. وأصبح يقترب من دائرة التوتر الشخصي إذا لم يُحتوَ بحكمة وهدوء .
حاول أن يرى الموقف بعينيه .
فوجد رجلًا أخطأ .. نعم .. لكنه أيضًا إنسان استُنزفت أعصابه حتى انفجرت في لحظة لم يحسب عواقبها .
ومن الأساليب المهنية التي استخدمها الدكتور مسفر في إدارة الحوار مع المعلم أنه كان واضحًا منذ البداية في ضبط إطار الجلسة .. فقد بيّن أن الهدف هو الوصول إلى حل ودي يعالج الأزمة .. لكنه في الوقت نفسه لم يُخفِ أن استمرار الوضع دون معالجة لا يمكن تجاوزه .. وأن من واجبه المهني إعداد تقرير دقيق لجهة الاختصاص إذا تعذر الوصول إلى معالجة تحفظ استقرار المدرسة وتمنع تفاقم الموقف .. وكان هذا التوازن بين الطمأنة والوضوح جزءًا من منهجه في إدارة الأزمات دون إفراط في التطمين أو تهديد مبكر يفسد مسار الحوار .
ثم جلس مع الطلاب .
ولم يذهب إليهم مدافعًا عن المعلم .. ولا مهاجمًا لهم .. بل مستمعًا لهم .
ولذلك حرص منذ بداية جلسته مع الطلاب على طمأنتهم بأنه لم يأتِ لإصدار أحكام جاهزة، .. بل للاستماع إليهم والوصول إلى مخرج عادل للجميع . حتى إنه أكد لهم أنه لن يغادر المدرسة ذلك اليوم إلا بعد أن يصلوا جميعًا إلى حالة من الرضا والارتياح تجاه الحل .. وهي رسالة منحتهم شعورًا بأن صوتهم مسموع وأن مشاعرهم ليست موضع تجاهل أو استهانة .
ومن أكثر ما يلفت الانتباه في هذا الحوار أن الدكتور مسفر لم يدخل مع الطلاب في مواجهة مباشرة منذ اللحظة الأولى .. بل استخدم ما وصفه لاحقًا باستراتيجية “الانحناء والتكوير” . فقد بدأ بتقديم تنازل لفظي خفف من حدة التوتر حين أخبرهم بأن المعلم سيُنقل من المدرسة ..وهو يدرك أن هذا الطرح قد يخفف الاحتقان مؤقتًا ويفتح مساحة أوسع للاستماع .. و يعلم أيضًا أن هذا الخبر سيجعلهم أكثر استعدادًا للاستماع لما سيأتي بعده .. وبعد أن هدأت مقاومة الطلاب النفسية .. بدأ تدريجيًا في نقل الحوار من مساحة الانتصار العاطفي إلى مساحة التفكير في العواقب والمسؤوليات .. حتى قادهم إلى القبول بحل أكثر توازنًا وعدالة
وهنا تظهر واحدة من أهم القواعد القيادية والتربوية: الناس لا يبحثون أولًا عن الحل .. بل يبحثون عمن يشعر بهم .
حين يشعر الإنسان أن ألمه مفهوم .. يصبح أكثر استعدادًا لسماع الحلول .
ولهذا لم يبدأ الدكتور مسفر بإلقاء المواعظ .. بل بدأ بتهدئة الانفعالات .. وضبط مسار الحوار .. ثم فتح نافذة للتفكير بدل البقاء داخل دائرة الغضب .
وحين جلس معهم اتخذ خطوة ذكية هدأت الأجواء منذ البداية .
قال لهم بوضوح إن أي كلمة غير مسؤولة ستُوثق في التقرير .. وإن بعض الألفاظ قد تنقل القضية من نطاقها التربوي إلى نطاق قانوني وقضائي .
وهنا حدث تحول مهم .
فالغضب حين يشتعل يجعل الإنسان يتحدث بلا حساب .. لكن تذكيره بالمسؤولية يعيده إلى دائرة التفكير .
ولعل هذه من أهم الرسائل التي يحتاجها المراهقون اليوم: أن المطالبة بالحق لا تعني التجاوز .
وأن المظلوم قد يتحول إلى مخطئ إذا سمح لغضبه أن يقوده .
وأن الأنظمة لا تحمي طرفًا على حساب طرف .. بل تحمي الجميع .
ومن أجمل ما في الحوار أن الدكتور لم يترك الطلاب أسرى لغضبهم .. ولم يترك المعلم أسير خطئه .. بل جعل الجميع يرون عواقب الطريق الذي يسيرون فيه .
فالطلاب كانوا يظنون أن مقاطعة الحصة انتصار لموقفهم .. بينما أوضح لهم أن الإضراب الجماعي ورفض الدراسة ليسا وسيلة مشروعة للاعتراض .. وأن استمرار هذا السلوك قد يجر عليهم وعلى مدرستهم تبعات أكبر مما يتصورون .
وهنا برزت مهارة قيادية دقيقة .
فبدل أن يواجههم مباشرة برفض موقفهم .. بدأ أولًا باستيعاب مشاعرهم .. ثم قادهم تدريجيًا لرؤية نتائج أفعالهم
والأجمل في الموقف كله أنه كشف أهمية معرفة طبيعة المجتمع الذي نعمل فيه .
فالمعلم المتميز قد ينجح في مدرسة .. ويواجه أزمة في أخرى إذا لم يفهم ثقافة البيئة المحيطة به .
والقائد الناجح لا يكتفي بمعرفة الأنظمة .. بل يعرف أيضًا الناس الذين يطبق عليهم تلك الأنظمة .
العادات .. القيم .. الحساسيات الاجتماعية .. طريقة التفكير .. المحركات الخفية خلف ردود الأفعال .
كل ذلك جزء من المشهد التربوي .. وليس أمرًا منفصلًا عنه .
ومن أعظم الدروس التي خرجت بها من هذا الموقف أن النجاح في حل المشكلات لا يقاس بانتهاء المشكلة فقط .. بل بالطريقة التي انتهت بها .
فكم من مشكلة سكتت اليوم لتعود غدًا بصورة أشد .
وكم من قرار أنهى أزمة ظاهرًا .. بينما ترك جذورها تنمو في الخفاء .
ولهذا كان الدكتور مسفر محقًا حين أشار إلى أن القضية ليست في حل المشكلة وحدها .. بل في المنهجية التي نتبعها أثناء الحل .
فالقرارات قد تنهي الموقف .
أما الحكمة فتعالج أسبابه .
ومن أبرز ما أشار إليه الدكتور مسفر في هذا السياق .. ما يتعلق بكيفية إدارة المواقف مع أولياء الأمور .. وهي نقطة يعدّها من أكثر الجوانب حساسية في العمل التربوي .. فهو يرى أنه حين يحضر ولي أمر يشتكي من معلم ويذكر أن ابنه قد تضرر .. فإن الخطأ في تلك اللحظة أن يبدأ القائد بالدفاع عن المعلم أو استحضار شهادات جاهزة من نوع : “هذا أفضل معلم عندي” لأن هذا الأسلوب يضعه في مواجهة مباشرة مع ولي الأمر ويُضعف قدرته على احتواء الموقف .
ويرى أن التعامل الصحيح في مثل هذه اللحظة لا يكون بالدخول في تقييمات أو أحكام مسبقة .. وإنما بالتهدئة أولًا .. والتأكيد على أن الموضوع محل تحقيق ومتابعة .. وأن الحق سيأخذ مجراه العادل لكل الأطراف .. وأن القضية لن تُغلق إلا بعد الوصول إلى نتيجة منصفة ومرضية .
كما يحذر من خطأ متكرر في الميدان التربوي .. يتمثل في التسرع في اتخاذ موقف دفاعي قبل اكتمال الصورة .. خصوصًا عندما تكون الشكوى مرتبطة بضرر مباشر على طالب .. فالمسألة هنا لا تتعلق بمكانة المعلم أو تاريخه المهني .. بقدر ما تتعلق بمعالجة الضرر في لحظته الأولى .
ويضيف أن بعض القادة أو العاملين في الميدان قد تدفعهم النوايا الحسنة أو روح الانتماء إلى الدفاع عن زملائهم .. غير أن هذا السلوك إذا لم يُحسن ضبطه في موضعه الصحيح قد يؤدي إلى إرباك مسار العدالة بدل حمايته .
ويختم هذه الفكرة بالتأكيد على أن الدفاع عن منسوبي المؤسسة أمر مطلوب ومفهوم .. لكنه لا بد أن يُمارس في توقيته وأسلوبه المناسبين .. بحيث لا يُنكر خطأ .. ولا يُهدر حق .. وإنما تُدار القضية بميزان مهني عادل يحفظ للجميع كرامتهم ويضمن الوصول إلى الإنصاف .
ويبقى هذا الموقف شاهدًا على حقيقة تربوية لا تتغير : في كثير من الأزمات لا يكون الناس بحاجة إلى من ينتصر لهم أو عليهم .. بقدر حاجتهم إلى من يفهمهم أولًا .. ثم يقودهم بهدوء نحو الحل .
غير أن ما جعل هذا الموقف عالقًا في الذاكرة ليس الصفعة نفسها .. بل ما كشفته من حقائق تربوية عميقة .
فالطالب في هذه المرحلة العمرية لا ينظر إلى الأمور بعين الراشد الهادئة .. بل بعين المراهق الذي تتشكل هويته أمام أقرانه كل يوم .
ولذلك فإن الإهانة العلنية لا تقف عند حدود اللحظة .. بل قد تتحول إلى جرح طويل الأمد .. خصوصًا حين تقع أمام الأصدقاء والأقارب وأبناء العمومة الذين قد يستحضرون الحادثة كلما أرادوا النيل من صاحبها أو السخرية منه .
ولعل من أهم ما تكشفه هذه القصة أن الصفعة لا تنتهي عند لحظة وقوعها .. فقد ينسى الطالب سبب العقاب .. لكنه قد لا ينسى أبدًا شعور الإهانة الذي رافقه .. ولهذا كان الضرب دائمًا من أفقر الوسائل التربوية أثرًا .. وأكثرها كلفة على العلاقة بين المعلم وطلابه .. وما يزيد الأمر خطورة أن آثاره لا تقف عند الجانب النفسي والتربوي .. بل قد تمتد إلى مساءلات نظامية ومشكلات كان يمكن تجنبها بحكمةٍ في لحظة غضب .
ولهذا أدرك الدكتور مسفر منذ اللحظة الأولى أن القضية أكبر من مخالفة مدرسية بسيطة .. وأن التعامل معها بمنطق العقوبة وحده قد يزيدها اشتعالًا .
كما أدرك أمرًا آخر لا يقل أهمية .. وهو أن معرفة طبيعة المجتمع ليست شيئًا يمكن الاستغناء عنه تربويًا .. بل ضرورة مهنية .
فالمدرسة ليست جدرانًا وفصولًا فقط .. بل مجتمع كامل بقيمه وعاداته وحساسياته الخاصة .
ومن الأخطاء الشائعة أن يظن بعض العاملين في الميدان التربوي أن فهم المجتمع يحتاج سنوات طويلة من التجربة .. بينما يستطيع الإنسان الواعي أن يختصر على نفسه كثيرًا من الوقت بالسؤال والاستماع والتعلم ممن سبقوه إلى المكان .
ولهذا كان الدكتور يردد دائمًا أن أول ما ينبغي أن يعرفه المعلم أو القائد الجديد هو طبيعة المجتمع الذي يعمل فيه .. وما الذي يعدّه الناس قيمةً لا يُتهاون بها ؟ وما الذي يعدونه إهانة ؟ وما الذي يحرك مشاعرهم ؟ لأن كثيرًا من الأزمات لا تنشأ من سوء النية .. وإنما من سوء الفهم .
.
وهذه من أعظم مهارات إدارة الأزمات .. أن تجعل الطرف الآخر يكتشف الخطأ بنفسه بدل أن تفرض عليه الاعتراف به .
ومن الدروس التي تستحق الوقوف عندها طويلًا أن الدكتور لم يقدم نفسه يومًا باعتباره المنقذ الذي جاء ليحسم النزاع .. بل كان حريصًا على بناء جسر من الثقة مع الجميع .
حتى عبارته الشهيرة للطلاب: “أنا منكم وفيكم وأعرف كيف تفكرون” لم تكن مجاملة .. بل كانت رسالة تقول لهم: أنا أفهم مشاعركم قبل أن أناقش تصرفاتكم .
وحين يشعر الإنسان بأنه مفهوم .. يصبح أكثر استعدادًا للتنازل والعفو والتفكير بعقلانية .
أما الدرس الذي أراه من أثمن ما قيل في هذا الموقف فهو حديث الدكتور عن المعلمين .
فالمعلم بشر قبل أن يكون موظفًا .. له مشاعر .. وله نقاط ضعف .. وله لحظات يرهقه فيها الضغط والاستفزاز .
وهذا لا يبرر الخطأ .. لكنه يفسره .
وهناك فرق كبير بين التبرير والتفسير .
فالقيادة الحكيمة لا تنكر الخطأ .. لكنها أيضًا لا تنسى إنسانية المخطئ .
ولهذا كان الدكتور واضحًا مع المعلم: نعم .. لقد أخطأت .
وكان واضحًا مع الطلاب: نعم .. لكم حق .
وكان واضحًا مع الجميع: الحل لا يكون بإضافة أخطاء جديدة إلى الخطأ الأول .
ولعل من أروع ما ختم به الدكتور هذا الموقف قوله إن القضية ليست في حل المشكلة .. بل في منهجية حلها .
فكثير من المشكلات تنتهي ظاهريًا .. لكنها تبقى كامنة تحت السطح تنتظر فرصة جديدة للظهور .
أما الحل الحقيقي فهو الذي يعالج الجذور لا الأعراض .. ويعيد بناء الثقة لا مجرد إيقاف النزاع .
وهذا ما حدث هنا .
فانتهت الأزمة .. وبقي الدرس .
أما الصفعة فكانت عابرة .
وأما الحكمة التي كشفتها تلك الصفعة .. فهي التي تستحق أن تُروى وتُكتب وتُتأمل .
ولعل أجمل ما في هذه القصة أنها لم تنتهِ بعقوبة .. ولا بتحقيق .. ولا بمنتصر ومهزوم .
انتهت باعتذار شجاع .
وعفو كريم .
وحفظٍ لكرامة الجميع .
فالمعلم امتلك شجاعة الاعتذار .
والطالب امتلك شجاعة التسامح .
والمدير صبر على أزمة كانت أكبر من مجرد إجراء إداري .
أما الدكتور مسفر فقد قدم نموذجًا عمليًا لمعالجة المشكلات المعقدة .. لا بالصوت المرتفع .. ولا بالاندفاع .. بل بالفهم العميق لطبيعة البشر ..
وعاد الطلاب إلى مقاعدهم ..
وعادت المدرسة إلى هدوئها ..
لكن الدرس بقي حيًا .
ومن الأمور التي استوقفتني كثيرًا في هذا الموقف أن الدكتور لم يكن يعالج مشكلة بين معلم وطلاب فحسب .. بل كان حريصًا على ترسيخ مفهوم أكبر وأعمق .. وهو أن الحقوق في بلادنا لا تُنتزع بالغضب .. ولا تُؤخذ بالتصعيد .. وإنما تُطلب عبر الأنظمة والجهات المختصة .
ولهذا كان حديثه للطلاب حازمًا وواضحًا حين بين لهم أن امتناعهم الجماعي عن الدراسة ليس وسيلة مقبولة لمعالجة الخطأ .. وأن وجود مظلمة لا يمنح أحدًا حق تجاوز النظام .
فالمعلم أخطأ .. نعم .
والطالب تضرر .. نعم .
لكن معالجة الخطأ لا تكون بخطأ آخر .
وقد أعجبني كثيرًا تأكيده المتكرر على أننا نعيش في دولة قامت على الشريعة والأنظمة .. دولة تحفظ الحقوق وتكفل للناس سبل التظلم والمحاسبة .. وليست ساحة مفتوحة يتولى فيها كل فرد تنفيذ ما يراه مناسبًا وفق غضبه أو رغبته في الانتقام .
كان يريد أن يغرس في نفوس أولئك المراهقين درسًا سيبقى معهم طويلًا : أن العدالة لا تعني الفوضى .
وأن الحق لا يبرر مخالفة النظام .وأن الاحتكام إلى القانون ليس ضعفًا .. بل هو عنوان الدولة القوية والمجتمع الواعي .
ولعل أكثر ما لفت انتباهي في هذا الموقف تلك اللحظة التي قرأ فيها الدكتور ما لم يقله الطلاب صراحة .
فقد شعر أن القضية لم تعد مجرد مقاطعة للحصة أو احتجاج عابر .. بل إن فكرة الانتقام كانت تتشكل في النفوس بصمت .
ابتسامات بعض الطلاب حين أشار إلى الأمر كانت كافية لتخبره أن حدسه لم يكن بعيدًا .
لقد فهم طبيعة المرحلة العمرية .
وفهم طبيعة الجرح الذي خلفته الصفعة .
وفهم كذلك طبيعة البيئة الاجتماعية التي قد تجعل بعض المواقف تستمر آثارها سنوات طويلة .
ولهذا لم يكتف بحل المشكلة داخل أسوار المدرسة .. بل حاول أن يحمي الجميع من تداعياتها المستقبلية .
حتى إنه أوصى المعلم – من باب الاحتياط وحسن التقدير للموقف – أن يتجنب الوجود في آخر يوم دراسي ما أمكن .
لم يكن ذلك خوفًا .. ولا استسلامًا .. بل قراءة واقعية للمشهد .فالغضب أحيانًا يخبو في الظاهر بينما تبقى جذوته مشتعلة في الداخل .. خصوصًا عند المراهقين الذين تحركهم الحماسة أكثر مما يحركهم التفكير الهادئ .
وهنا تظهر قيمة القائد الخبير الذي لا يكتفي بمعالجة الحاضر .. بل يفكر في ما قد يحدث بعد انتهاء الأزمة .
ومن أجمل ما في هذه القصة أن نهايتها حملت درسًا آخر لا يقل روعة عن بدايتها .
فبعد سنوات من ذلك الموقف العصيب .. التقى الدكتور بذلك المعلم مرة أخرى .
ولم يجده غارقًا في آثار تلك الأزمة .. ولا متعثرًا بسبب خطئه القديم .
بل وجده يعمل موجهًا طلابيًا .فضحك الدكتور من المفارقة .. ومازحه قائلًا إنه آخر شخص كان يتوقع أن يعمل في مجال التوجيه الطلابي بعد حادثة الصفعة الشهيرة .
وكان الموقف كفيلًا بأن يثير الضحك بينهما بعد أن كان يومًا مصدر قلق وخوف وتوتر .
ثم تمضي الأيام أكثر ..
ويترقى ذلك المعلم لاحقًا ليصبح مشرفًا تربويًا في العلاقات والاتصال المؤسسي .. ويتميز في عمله ويبدع فيه .
وهنا تتجلى حقيقة تربوية عظيمة : أن الخطأ لا يجب أن يكون حكمًا مؤبدًا على صاحبه .
فكم من إنسان تعثر في موقف .. ثم تعلم منه .. فنضج بسببه أكثر مما كان سينضج بدونه .
ولو أننا حكمنا على الناس بأخطائهم الأولى فقط .. لما وجدنا مبدعًا يتطور .. ولا قائدًا ينضج .. ولا إنسانًا يتغير .
ولهذا كان الدكتور منصفًا حين لم يبرر خطأ المعلم .. لكنه في الوقت نفسه لم يجعل ذلك الخطأ يلغي بقية صفاته أو يحجب مستقبله المهني .
ومن أكثر العبارات التي بقيت عالقة في ذهني بعد هذا الموقف كله قوله بمعنى عميق: لا تضع نفسك سريعًا في موضع القاضي على الآخرين .
فنحن نرى الموقف من خارجه .. بينما يعيش صاحبه تفاصيله وآلامه وضغوطه التي لا نعرفها .
ولهذا كان متعاطفًا مع الطالب الذي صُفع .. ومتفهمًا كذلك مع المعلم الذي استُفز حتى فقد السيطرة على نفسه .
فالحكمة لا تعني الانحياز لطرف ضد طرف .. وإنما تعني القدرة على رؤية الصورة كاملة .
وربما لهذا السبب نجح هذا الموقف في أن ينتهي باعتذار كريم .. وعفو نبيل .. ومدرسة بقيت مفتوحة .. وطلاب عادوا إلى مقاعدهم .. ومعلم واصل مسيرته .. ودرس تربوي بقي حيًا في ذاكرة كل من سمع القصة .
فلم تكن القضية في النهاية صفعةً على وجه طالب .. بل كانت درسًا بليغًا في فهم البشر .. وفهم المجتمعات .. وفهم أن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بإصدار الأحكام .. وإنما يبدأ بفهم النفوس .
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ..

ولمن أراد أن يطّلع على الموقف كما رواه الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني بنفسه .. فليقرأه بعين المتأمل لا بعين العابر .. فبعض النصوص لا تُقرأ لمجرد المعرفة ..بل تُتذوَّق لفهم ما وراءها من حكمةٍ وإنسانية .
أثر لاينسى
جدة
السبت ٢٧ ذو الحجة ١٤٤٧
١٣ يونيو ٢٠٢٦

