هناك أشخاص يمرون في حياتنا كما تمر الغيوم العابرة .. نراهم ثم نمضي ويمضون .. فلا يبقى منهم في الذاكرة إلا الاسم أو الصورة ..
وهناك أشخاص آخرون .. ما إن يجلسوا في مجلس .. أو يشاركوا في حوار .. أو يطرحوا سؤالاً .. حتى يتركوا أثراً لا يشبه سواه .. أثراً لا يُرى بالعين بقدر ما يُشعر به القلب .. وكأنهم يوقظون في داخلنا شيئاً كان نائماً منذ زمن ..
وتلك هي الكاريزما الحقيقية ..
ليست جمال مظهر .. ولا براعة خطاب .. ولا ارتفاع صوت .. ولا قدرة على إبهار مؤقت ..
بل قدرة نادرة على لمس الإنسان من الداخل .. وتحريك عقله وقلبه معاً ..
ومن أجمل ما قيل عن المجالس المعرفية أنها لا تُقاس بما يقال فيها فقط .. بل بما تتركه في النفوس بعد انتهائها ..
وهذا ما حدث في إحدى أمسيات قروب “مدربون ومدربات مبدعات” بعد أن انتهت نخبة من المدربات من تقديم برامجهن المتميزة ومبادراتهن الملهمة ضمن مبادرة تمكين بتنسيق الأستاذة مها الشهري وإشراف الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني ..
فبعد الثناء على ما قُدم من جهود وتجارب .. لم يغلق الحوار أبوابه كما يحدث في كثير من اللقاءات .. بل بدأ فصل جديد أكثر عمقاً وإثارة ..
فجأة طرح الدكتور مسفر سؤالاً بسيطاً في ظاهره ..
عميقاً في جوهره ..
هل الكاريزما ضرورية للمدرب الممتع ؟
سؤال واحد فقط ..
لكنه كان كافياً لإشعال حوار امتد ساعات طويلة .. وفتح عشرات النوافذ الفكرية والتربوية والإنسانية ..
منذ اللحظات الأولى بدأت الآراء تتدفق ..
رأى بعض المشاركين أن الكاريزما هي أول جسر يصل بين المدرب والمتدربين ..
فهي التي تخلق الانطباع الأول .. وتجذب الانتباه .. وتمنح الرسالة فرصة للوصول ..
ورأى آخرون أن الكاريزما وحدها لا تكفي ..
فالعلم هو الأصل ..
والخبرة هي الأساس ..
وأن المدرب قد يكون بعيداً عن الأضواء لكنه يملك من المعرفة والتجربة ما يجعله أكثر تأثيراً من كثير من أصحاب الحضور اللافت ..
وهنا بدأ السؤال يكبر ..
إذا كانت الكاريزما مهمة ..
فما الذي يصنعها؟
وماهي ؟
هل هي هبة فطرية؟
هل تُشترى؟
هل تُكتسب؟
هل يمنحها اللباس؟
أم تصنعها الثقافة؟
أم تبنيها التجربة؟
توالت الإجابات ..
لغة الجسد ..
الثقة بالنفس ..
التواصل البصري ..
الابتسامة ..
الهدوء ..
الأناقة ..
الثقافة ..
القدرة على الإقناع ..
الذكاء العاطفي ..
حسن الاستماع ..
وضوح الرسالة ..
بساطة العرض ..
كل ذلك كان حاضراً في النقاش ..
لكن الدكتور مسفر كان يقود الحوار نحو منطقة أعمق ..
كان يحاول أن ينقل الجميع من الحديث عن المظاهر إلى الحديث عن الجوهر ..
ومن الحديث عن الصفات إلى الحديث عن المهارات ..
ومن الانطباعات العامة إلى الفهم العلمي للكاريزما ..
وهنا ظهرت إحدى أجمل الأفكار التي دارت في ذلك الحوار ..
فالكاريزما ليست مجرد لطف مؤقت ..
وليست كلمة جميلة تقال في وقت مناسب ..
وليست مجاملة يتقنها الإنسان مع من حوله ..
بل هي منظومة متكاملة من مهارات الحياة الكبرى ..
تظهر في صورة إنسان ..
إنسان يعرف ماذا يقول ..
ومتى يقول ..
وكيف يقول ..
ولمن يقول ..
ولماذا يقول ..
وهنا يبدأ الفرق بين التأثير السطحي والتأثير العميق ..
فالابتسامة وحدها لا تصنع قائداً ..
والتودد وحده لا يصنع مدرباً ..
والإلقاء وحده لا يصنع أثراً ..
والدهشة اللحظية لا تصنع حياة ..
ومع تعمق الحوار بدأت تتكشف ملامح المدرب الكاريزمي الحقيقي ..
المدرب الذي لا يعتمد على كثرة الكلام ..
بل على قوة الفكرة ..
ولا يكتفي بمعرفة المعلومة ..
بل يتقن فن إيصالها ..
ولا يصحح الأخطاء فقط ..
بل يبني الثقة داخل النفوس ..
ويوقظ الإمكانات النائمة في الآخرين ..
ويجعل المتدرب يرى في نفسه ما لم يكن يراه من قبل ..
فالكاريزما هنا لم تعد مجرد حضور ..
بل أصبحت صناعة للأثر ..
وصناعة للإنسان ..
وصناعة للحياة ..
ثم انتقل الحوار إلى مساحة أكثر عمقاً ..
حين أوضح الدكتور مسفر أن الدراسات الحديثة لم تعد تنظر إلى الكاريزما على أنها موهبة غامضة أو قدرة خارقة يولد بها الإنسان ..
بل تؤكد أنها مجموعة من السلوكيات والمهارات القابلة للتعلم والتطوير والممارسة ..
وأن التاريخ مليء بأشخاص لم يولدوا كاريزميين ..
لكنهم أصبحوا كذلك بالقراءة والتدريب والتجربة والخبرة ..
وهنا تحولت الكاريزما من حلم بعيد إلى مشروع يمكن بناؤه ..
ومن صفة فطرية إلى مهارة يمكن اكتسابها ..
ثم جاء الحديث عن أنواع السلطة ..
السلطة التقليدية ..
والسلطة القانونية ..
والسلطة الكاريزمية ..
وكان الفرق واضحاً ..
فالتقليدية تستمد قوتها من العرف ..
والقانونية تستمد قوتها من النظام ..
أما الكاريزمية فتستمد قوتها من الإيمان العميق بالشخص وتأثيره ..
وهنا تتجلى قوة الكاريزما ..
فهي لا تفرض نفسها بقانون ..
ولا تفرض نفسها بمنصب ..
بل تنبع من اقتناع الآخرين وثقتهم وتأثرهم ..
لكن أكثر محطات الحوار إثارة وتأملاً كانت عندما طرح الدكتور مسفر فكرة سماها بعض الباحثين ..
“فن الإغراء” ..
ولم يكن المقصود بذلك المعنى السطحي الذي قد يتبادر إلى الذهن ..
بل الإغراء الإنساني الراقي ..
الإغراء الذي يجعل الناس ينجذبون إليك كما تنجذب الفراشات إلى الضوء ..
لا لأنك تملك سلطة عليهم ..
ولا لأنك تفرض حضورك عليهم ..
بل لأنك تمنحهم شعوراً نادراً بأنهم مهمون ..
ومفهومون ..
ومقدرون ..
ومرئيون ..
وهنا حددت خمسة مفاتيح كبرى لهذا التأثير الإنساني الجميل ..
الاستماع الوجداني ..
احترام مشاعر الآخرين ..
تقدير جهودهم ..
تحفيزهم ودعمهم ..
واحترام استقلاليتهم وحقهم في الاختيار ..
وفي هذه النقطة تحديداً غادر الحوار حدود التدريب ..
ودخل إلى قلب الحياة نفسها ..
فالإنسان المؤثر لا يسعى إلى السيطرة على الآخرين ..
بل يساعدهم على بناء ذواتهم ..
ولا يحاول أن يصنع نسخاً منه ..
بل يساعد كل إنسان على أن يكون نفسه بأفضل صورة ممكنة ..
ولذلك كانت واحدة من أجمل خلاصات النقاش ..
أن أعظم المؤثرين ليسوا من جذبوا الأنظار إليهم ..
بل من أضاءوا الطريق للآخرين وجعلوهم يرون قيمة أنفسهم ..
ومع استمرار الحوار طرح الدكتور سؤالاً جديداً ..
ما الصفات الخمس الأكثر توهجاً في الشخصيات الكاريزمية التي مرت بكم؟
فتكررت إجابات عديدة ..
الثقة بالنفس ..
الحضور الإيجابي ..
الإنصات ..
الإلهام ..
الهدوء ..
الذكاء العاطفي ..
العلم ..
الإقناع ..
الجاذبية ..
لكن المدهش أن الحوار لم يتوقف عند الصفات نفسها ..
بل امتد إلى مهارة أخرى بالغة الأهمية ..
هي مهارة فهم السؤال نفسه ..
فالإنسان المبدع لا يجيب فقط ..
بل يفهم المطلوب أولاً ..
ويعرف حدوده ..
ويستوعب أبعاده ..
وهي مهارة قد تبدو صغيرة ..
لكنها في الحقيقة من أسرار النجاح في الحوار والتدريب والقيادة والحياة كلها ..
ولعل أجمل ما خرجت به من ذلك النقاش كله ..
أن القيمة الحقيقية لم تكن في المعلومات وحدها ..
فالمعلومات اليوم متاحة في الكتب .. والدورات .. والمواقع .. ومحركات البحث ..
لكن ما لا تمنحه التكنولوجيا بسهولة ..
هو مهارة الحوار ..
ومهارة الإصغاء ..
ومهارة السؤال ..
ومهارة التفكير ..
ومهارة التعبير عن الرأي ..
ومهارة تقبل الرأي الآخر ..
ومهارة بناء الفكرة فوق الفكرة ..
والثقة في المشاركة دون خوف أو تردد ..
لقد بدأ الحوار بسؤال عن الكاريزما ..
لكنه انتهى إلى ما هو أبعد من الكاريزما ..
بدأ بالبحث عن سر التأثير ..
وانتهى إلى اكتشاف قيمة الإنسان ..
واكتشاف قيمة المجتمعات المعرفية الحية التي لا تكتفي بتبادل المعلومات ..
بل تصنع الوعي ..
وتبني الشخصية ..
وتوقظ الفكر ..
وتفتح أبواب التأمل ..
بعض الحوارات تمنحنا معلومة ..
وبعضها يمنحنا مهارة ..
أما الحوارات النادرة ..
فإنها تمنحنا طريقة جديدة للنظر إلى الحياة ..
ولهذا لا تبقى في الذاكرة الكلمات وحدها ..
ولا تبقى الأسئلة وحدها ..
ولا تبقى الإجابات وحدها ..
بل تبقى الوجوه التي أيقظت كل ذلك في داخلنا ..
وتلك هي حقاً ..
✨ وجوه الكاريزما التي لا تُنسى . ✨

أثر لاينسى
جدة
الأربعاء ٢ محرم ١٤٤٨
١٧ يونيو ٢٠٢٦

