✨ حين يخسر العبقري معركته مع نفسه 💔🧠

screenshot ٢٠٢٦٠٦١٦ ١٥٣٨٤٩ gallery


بعض الناس لا تهزمهم الحياة .. بل تهزمهم المعارك التي يخوضونها داخل أنفسهم ..
وليس أكثر إيلامًا من أن ترى إنسانًا يقف على قمة جبلٍ عالية .. ثم يقضي عمره كله يراقب الذين يصعدون نحوه .. بدل أن يلتفت إلى الأفق الممتد أمامه ..
وأنا أقرأ موقف الدكتورالفاضل مسفر بن ناصر القحطاني لم أشعر أنني أمام قصة شخصٍ بعينه .. بقدر ما شعرت أنني أمام مرآة إنسانية كبيرة تعكس واحدة من أكثر القضايا خفاءً في النفس البشرية ..
قضية الإنسان الذي يملك كل أسباب التقدم .. ثم يتعثر في معركة لا يراها أحد سواه ..
يروي الدكتور أنه التقى خلال مرحلة الدكتوراه بشخصية استثنائية بكل ما تحمله الكلمة من معنى ..
رجل جمع الله له من المواهب ما يندر أن يجتمع في غيره ..
متمكن في التقنية .. متقن للغات .. سريع الفهم .. واسع الاطلاع .. متقد الذكاء .. يملك قدرة عجيبة على التقاط الجديد ومواكبته ..
حتى إن الدكتور يؤكد أنه لم يمر عليه شخص يجمع ذلك القدر من المهارات كما جمعه ذلك الرجل ..
لكن وسط كل هذا البريق كانت هناك غيمة صغيرة لا تكاد تُرى ..
كان الرجل ينفعل كلما رأى نجاحًا عند الآخرين ..
ولم يكن الأمر مفهومًا في البداية ..
فالإنسان عادة يغار ممن يتفوق عليه .. أما هذا الرجل فكان يتضايق أحيانًا من نجاح أشخاص لا يملكون عُشر ما يملكه من قدرات وإمكانات ..
ومع الأيام بدأ المشهد يتضح ..
لم تكن المشكلة في الآخرين .. كانت المشكلة في العدسة التي ينظر من خلالها إليهم ..
فالغيرة شعور بشري طبيعي قد يزور أي قلب .. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول الغيرة إلى طريقة دائمة لرؤية العالم ..
عندها لا يعود نجاح الآخرين مصدر إلهام .. بل يصبح تهديدًا ..
ولا يعود تفوقهم دليلًا على إمكانية الوصول .. بل يتحول إلى خصم يُستنزف الجهد في مقاومته ..
وهنا تبدأ المأساة الحقيقية ..
لأن الإنسان لا يصبح أسير الآخرين .. بل يصبح أسير نفسه ..
ولعل أكثر ما شدني في هذه القصة أن الدكتور لم يتحدث عن شخص يفتقد الموهبة أو المعرفة أو الفرص ..
بل تحدث عن رجل يملك كل ذلك ..
وهنا توقفت طويلًا أمام حقيقة مؤلمة ..
بعض القصص لا تؤلمنا لأن بطلها فشل .. بل تؤلمنا لأن بطلها كان قادرًا على النجاح أكثر من الجميع ..
فالألم الحقيقي لم يكن في ضياع عقد تدريبي .. ولا في خلاف عابر .. ولا حتى في سنوات مضت وانتهت ..
بل في رؤية طاقة استثنائية وهي تتآكل ببطء في معارك كان يمكن تجاوزها ..
وفي مشاهدة عقل قادر على التحليق بعيدًا وهو يستهلك جناحيه في مراقبة ما يفعله الآخرون ..
وهنا يتجلى أحد أعظم دروس الحياة ..
أن نقص الإمكانات ليس دائمًا هو المشكلة ..
أحيانًا تكون المشكلة في طريقة توجيه الإمكانات ..
فالطاقة نفسها التي يمكن أن تبني مستقبلًا كاملًا .. تستطيع أن تستهلك صاحبها إذا وُجهت نحو المقارنات والصراعات الجانبية ..
وقد تجسد ذلك بوضوح حين روى الدكتور قصة المركز التدريبي الذي كاد يتعاقد معه قبل سنوات ..
كل شيء كان جاهزًا .. العقد شبه مكتمل .. والاتفاق في مراحله الأخيرة ..
ثم اختفى الأمر فجأة ..
ومضت سنتان كاملتان ..
حتى جاءه اتصال من صاحبة المركز نفسها بعد أن حضرت إحدى دوراته التدريبية ..
وكانت أول عبارة قالتها له:
“حسبي الله على من ظلمك .”
وحين بدأت تروي التفاصيل اتضح أن شخصًا واحدًا فقط استطاع أن يغيّر قرارها ..
مدرب استشارته فأخبرها ألا تتعاقد مع الدكتور
..

أقنعها أن هناك من هو أفضل وأكفأ ..
وقلل من قيمته ومكانته ..
والمُدهش في الأمر أن الدكتور لم يغضب ..
ولم يطالب بمعرفة الاسم ..
ولم ينشغل بالدفاع عن نفسه ..
بل قال لها ببساطة :
“كلامه صحيح .. هناك من هو أكفأ مني وأكثر خبرة مني .”
هنا توقفت طويلًا ..
لأن الفارق بين الإنسان الواثق والإنسان القَلِق لا يظهر عند المدح .. بل يظهر عند المقارنة ..
الواثق لا تهزه حقيقة وجود من هو أفضل منه ..
أما القَلِق فيعيش معركة دائمة لإثبات أنه الأفضل دائمًا ..
ولهذا كان الدكتور أكثر انشغالًا بفهم الظاهرة من الانشغال بالشخص ..
لقد كان يرى أمامه نموذجًا لإنسان يملك كنزًا هائلًا من المواهب .. لكنه يستهلك وقته في متابعة ما عند الآخرين ..
وكأن أكبر خسارة في القصة لم تكن ضياع عقد تدريبي ..
بل ضياع سنوات من عمر إنسان كان يمكن أن يكون في الصفوف الأولى لو التفت إلى مشروعه الخاص بدل الالتفات المستمر إلى مشاريع الناس ..
ومن الزاوية التربوية .. يصعب ألا نتساءل :
من أين تبدأ هذه المشاعر ؟
كثير منها لا يولد فجأة في الكبر .. بل قد ينمو بهدوء منذ الطفولة ..
حين يُربى الطفل على المقارنات أكثر من التربية على التطور ..
حين يسمع باستمرار :
“انظر إلى أخيك ..”
“فلان أفضل منك ..”
“لماذا لم تحصل على ما حصل عليه غيرك ؟”
شيئًا فشيئًا يتعلم أن قيمته لا تُقاس بما يحققه هو .. بل بموقعه مقارنة بالآخرين ..
فيكبر وهو لا يسأل : كيف أتقدم ؟
بل يسأل : كيف أتجاوزهم ؟
وهنا تبدأ رحلة الاستنزاف الطويلة ..
أما اجتماعيًا .. فإن العلاقات لا يفسدها الاختلاف بقدر ما يفسدها التنافس غير الناضج ..
فالتنافس الصحي يقول : سأبني نفسي ..
أما التنافس المريض فيقول : يجب أن يتراجع الآخر ..
الأول يصنع إنجازًا .. والثاني يصنع صراعًا ..
الأول يضيف للحياة .. والثاني يستهلكها ..
ولذلك نجد أن كثيرًا من الناس لا يسقطون بسبب ضعف قدراتهم .. بل بسبب كثرة معاركهم الجانبية ..
حتى إن الدكتور أشار إلى ملمح آخر كان حاضرًا عند صاحبه .. وهو ما سماه فكرة المؤامرة والمظلومية ..
تلك العدسة التي تجعل الإنسان يفسر كل شيء ضده ..
كل نجاح حوله مشبوه ..
كل ترقية لغيره غير مستحقة ..
كل قرار موجه ضده ..
كل تقدم للآخرين يحمل تفسيرًا خفيًا ..
ومثل هذه القناعات حين تستقر في النفس لا تعذب الآخرين بقدر ما تعذب صاحبها .. لأنها تحرمه من رؤية الواقع كما هو .. وتدفعه إلى خوض معارك وهمية تستنزف طاقته الحقيقية ..
ومن أعمق ما يمكن أن يُقال هنا أن الله سبحانه لم يطالبنا يومًا بأن نحاسب الناس على نعمهم .. بل أن نحاسب أنفسنا على نعمنا ..
لن نسأل يوم القيامة لماذا نجح فلان .. ولا لماذا رُزق فلان .. ولا لماذا تقدم فلان ..
بل سنُسأل عما فعلنا نحن بما أعطانا الله ..
ولهذا كان بعض السلف يقول :
“من اشتغل بنفسه عن الناس استراح .”
وما أعظمها من راحة ..
راحة الإنسان الذي يعرف أن طريقه خاص به .. ورزقه خاص به .. ومهمته في الحياة خاصة به ..
فلا يضيع عمره في عدّ خطوات الآخرين .. ولا في تفسير نجاحاتهم .. ولا في مطاردة أخبارهم ..
بل ينشغل بزرع أرضه هو .. وسقي شجرته هو .. وبناء مستقبله هو ..
ولعل أجمل ما خرجت به من هذا الموقف كله أن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى موهبة جديدة .. ولا إلى فرصة أكبر .. ولا إلى قدرات إضافية ..
أحيانًا يحتاج فقط إلى أن يتوقف عن تبديد ما لديه ..
فقد لا يكون النقص في الذكاء .. ولا في العلم .. ولا في الإمكانات .. بل في اتجاه البوصلة ..
فالسفينة لا تغرق لأنها ضعيفة .. بل لأنها فقدت وجهتها ..
وهكذا كان الدرس الذي تركه هذا الموقف ..
فالمأساة ليست أن تكون إمكاناتك محدودة .. فكم من عظيم بدأ من الصفر ..
وليست أن تتأخر قليلًا .. فكم من ناجح وصل متأخرًا ..
لكن المأساة الحقيقية أن تكون واقفًا فوق كنز من المواهب .. ثم تقضي عمرك كله عند نوافذ الآخرين ..
تراقب نجاحاتهم .. وتفسر إنجازاتهم .. وتعدّ خطواتهم .. بينما مشروعك الشخصي ينتظر منك التفاتة واحدة فقط ..
فبعض الناس يخسرون السباق لأنهم أبطأ من غيرهم ..
أما بعضهم فيخسرونه لأنهم لم ينشغلوا بالجري أصلًا ..
بل قضوا أعمارهم واقفين عند نوافذ غيرهم .. يراقبون خطاهم .. ويحصون إنجازاتهم .. ويقارنون بين بداياتهم ونهايات غيرهم ..
حتى مضى العمر وهم لم يلتفتوا إلى الطريق الذي كان ينتظرهم وحدهم ..
فليست الخسارة أن يتأخر الإنسان في الوصول .. بل أن ينسى الطريق الذي خُلق ليسلكه ..
وليست المأساة أن تقل إمكاناته .. بل أن يبدد أعظم إمكاناته وهو يفتش في دفاتر الآخرين ..
فكم من موهبة ذبلت لا لأنها عجزت عن الإثمار .. بل لأنها انشغلت بعدِّ ثمار غيرها ..
حتى جاء المساء ولم تكتشف الشجرة أنها كانت قادرة على أن تملأ المكان ظلاً وثمراً وجمالاً .

gemini generated image lmng5lmng5lmng5l

ولمن رغب في الاطلاع على الموقف من مصدره الأول  .. بعيدًا عن أي زيادة أو نقصان أو إعادة صياغة ..  نضع بين أيديكم النص الأصلي كاملًا كما دوّنه الدكتور الفاضل مسفر بن ناصر القحطاني .. دون تغيير في لفظٍ أو معنى .


أثر لاينسى
جدة
الثلاثاء غرة محرم ١٤٤٨
١٦ يونيو ٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *