🧠 حين لا تكفي الإجابة ..

screenshot ٢٠٢٦٠٦١٥ ٠٢٤٩٠٤ gallery


🧠 حين لا تكفي الإجابة
من المعلومة السريعة إلى المعرفة النقية

في كل عصر يبحث الإنسان عن شيء يحمّله مسؤولية نقص الفهم  ..
مرة كانت الكتب
ومرة كانت المدارس
ومرة كان المعلم
واليوم أصبح قوقل والذكاء الاصطناعي المتهمين الجاهزين في كل مجلس معرفي  ..
فإذا جاءت إجابة ضعيفة قلنا : قوقل لم يفهم  ..
وإذا جاءت معلومة ناقصة قلنا : الذكاء الاصطناعي أخطأ ..
لكن السؤال الذي طرحه الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني في مجموعة “مدربون ومدربات مبدعات” كان مختلفًا تمامًا :
“لماذا عندما أستعين بقوقل تكون الإجابة هزيلة ؟”
بدا السؤال في ظاهره تقنيًا
لكنه في عمقه كان سؤالًا عن الإنسان أكثر من كونه سؤالًا عن محرك بحث  ..
بادرت الأستاذة عائشة الزهراني إلى الإشارة إلى أن الإجابات قد تكون عامة وغير دقيقة  ..  وأن جزءًا منها قد يكون صحيحًا وجزءًا آخر غير ذلك  ..
وأضافت الأستاذة مها الشهري ملاحظة لافتة حين ذكرت أن الإجابة أحيانًا لا تعبّر عن الفكرة المطلوبة بدقة  .. أو أنها تتحدث عن زاوية مختلفة من الموضوع نفسه  ..
بينما لخصت الأستاذة ياسمين المسألة بعبارة قصيرة لكنها عميقة :
“عدم صياغة السؤال أو الأوامر بصورة دقيقة واضحة ” ..
ومن هنا بدأ الحوار يتجه إلى منطقة أكثر عمقًا  ..
فالمشكلة ليست دائمًا في الإجابة
بل في السؤال
وليست في المعلومة
بل في طريقة البحث عنها
أوضح الدكتور مسفر أن قوقل لا يمنح الإنسان المعرفة بقدر ما يمنحه طرفًا من المعرفة  ..
فحين نكتب مصطلحًا واسعًا مثل “التفكير الإبداعي” فإننا لا نحصل على العلم كله، بل على نافذة صغيرة منه ..
والمشكلة تبدأ عندما يأخذ الإنسان تلك النافذة ويظن أنه رأى المبنى كاملًا  ..
عندها لا يعود الخطأ في قوقل
بل في استعجالنا ..
وفي ميلنا إلى اقتناص أول إجابة ثم القفز بها إلى ساحة النقاش  ..
وقد عبّر الدكتور مسفر عن ذلك بصورة لافتة حين أوضح أن بعض المشاركين في الحوارات يأتون بجزء من فكرة أو طرف من موضوع ثم يضعونه في سياق مختلف تمامًا .. فتبدو الإجابة غريبة عن مسار الحوار  ..  وكأنها قطعة لا تنتمي إلى الصورة التي تُركّب أمام الجميع  ..
ومن هنا انتقل النقاش إلى قضية أخرى أكثر أهمية :
متى نتحدث ؟
ومتى نصمت ؟
ففي زمن أصبحت فيه المشاركة سهلة  .. بات الصمت الواعي مهارة نادرة
وقد أكد الدكتور مسفر أكثر من مرة أنه لا يرى في الاعتراف بالجهل نقصًا .. بل بداية للمعرفة  ..
فإذا طُرح موضوع لا يملكه  ..  فإنه يفضّل الاستماع والتعلم بدل أن يملأ الفراغ بكلمات لا تضيف شيئًا  ..
وكانت هذه من أكثر الأفكار إشراقًا في الحوار   ..
لأن كثيرًا من الناس يظنون أن القيمة في كثرة الحديث   ..
بينما الحقيقة أن بعض أجمل لحظات التعلم تبدأ حين يجلس الإنسان مستمعًا
وحين يدرك أن حسن الظن به لا يصنع معرفة   ..
وأن مكانته لا تمنحه علمًا لم يدرسه   .
وفي سياق حديثه استحضر الدكتور مسفر تجربة أكاديمية خاصة  .. حين وجد أن صاحبة الخبرة العلمية الأعمق في موضوعه البحثي كانت باحثة متخصصة اطلعت على أعمال قريبة من موضوع رسالته
ولم يكن المعيار عنده اسمًا أو لقبًا أو منصبًا   ..
بل المعرفة نفسها
فالعلم لا يعترف إلا بأهله
ولا يسأل كثيرًا عن الألقاب قبل أن يسأل عن العمق   ..
ولعل أجمل ما كشفه هذا الحوار أن المشكلة ليست في قوقل أصلًا  ..
فمحركات البحث تجيب بحسب ما نطلب  ..
لكنها لا تستطيع أن تمنحنا الصبر
ولا العمق
ولا القدرة على التمييز بين طرف الفكرة وجوهرها  ..
ولا أن تزرع فينا فضيلة التريث قبل إصدار الأحكام   ..
إن أول إجابة نعثر عليها ليست نهاية الطريق   ..
بل بدايته
وأول معلومة نقرأها ليست معرفة  ..
بل دعوة إلى المعرفة   .
ولهذا فإن الإنسان لا يخطئ حين يجهل
لكنه يخطئ حين يظن أن أول ما وجده هو كل ما ينبغي أن يعرفه  ..
فبين البحث والفهم مسافة
وبين المعلومة والمعرفة رحلة  .
وبين أول جواب والحقيقة الكاملة طريق طويل لا يقطعه إلا من أدرك أن التعلم لا يبدأ عندما نجد الإجابة  ..
بل عندما نكتشف أن السؤال أعمق مما كنا نظن  .

🖼️ حين ننظر إلى الصورة ولا نراها ●●●
وكأن الحوار لم يكتفِ بإعادة النظر في طريقة البحث عن المعرفة  ..
فبعد أن ناقش المشاركون كيف تقودنا الإجابات السريعة إلى أوهام الفهم، فتح الدكتور مسفر القحطاني بابًا آخر لا يقل عمقًا :
” من منكم يستخدم قراءة الصورة كأسلوب من أساليب التدريب ؟”
بدا السؤال بسيطًا
لكن ما إن بدأت الإجابات تتوالى حتى ظهرت مفارقة معرفية لافتة ..
ذكرت الأستاذة عفاف العتيبي أن الصورة تُستخدم لجذب الانتباه وكسر الملل وإيضاح الفكرة  ..
وأضافت الأستاذة شفيعة العنزي أنها ترتبط بالموضوع وتُعد من أكثر الأساليب ثباتًا في الذاكرة ..
وأشارت الأستاذة جواهر المراغي إلى دورها في تنشيط الدماغ وتسهيل استيعاب المفاهيم ..
وكانت جميع الإجابات صحيحة
لكن الدكتور مسفر كان يبحث عن شيء آخر.
كان يسأل عن المهارات  ..
بينما كانت معظم الإجابات تتحدث عن المزايا ..
وهنا ظهر الفرق الدقيق الذي يغيب كثيرًا في النقاشات العلمية  ..
فالإنسان قد يعرف فوائد الشيء كلها ..
ومع ذلك لا يعرف ماهيته ..
وقد يحفظ مزاياه عن ظهر قلب
ومع ذلك لا يدرك آلياته
ولهذا كان الدكتور يعيد السؤال في كل مرة بصيغة مختلفة :
أين المهارات ؟
ليس ماذا تحقق الصورة
بل ماذا تصنع ؟
ولم يكن الفرق بين السؤالين صغيرًا كما يبدو ..
فالأول يتحدث عن النتائج
أما الثاني فيتحدث عن العمليات العقلية التي تقود إلى تلك النتائج ..
ومع استمرار الحوار حاولت الأستاذة شيخة الحمادي الاقتراب من الفكرة عبر الحديث عن عرض المعنى المرتبط بالصورة ..
وأشارت الأستاذة سناء العليوي إلى التحليل والتخيل ..
واستحضرت الأستاذة مها الشهري أمثلة من صور تدريبية سابقة كانت تحمل أكثر من معنى، وتفتح المجال لتفسيرات متعددة ..
وكان الجميع يدور حول الفكرة 
لكنهم لم يصلوا بعد إلى قلبها ..
عندها كشف الدكتور مسفر عن المهارات التي تجعل من “قراءة الصورة” أداة تدريبية حقيقية لا مجرد وسيلة عرض جميلة ..
فالصورة في نظر المختص ليست إطارًا بصريًا فحسب ..
بل ساحة كاملة تعمل فيها مجموعة من المهارات العقلية المتتابعة :
التعرّف
والوصف
والتحليل
والربط
والإبداع
والنقد
واستخلاص النتائج
وهنا تتغير الصورة كلها
فالمتدرب لا ينظر إلى الصورة ليراها فقط ..
بل ليمارس من خلالها سلسلة من العمليات الذهنية التي تبدأ بالملاحظة وتنتهي بالحكم والاستنتاج ..

img 20260609 wa0028


ولعل أجمل ما كشفه هذا الحوار أن الإنسان كثيرًا ما يخلط بين فضائل الأشياء وحقيقتها ..
فيتحدث عن أهمية التفكير الناقد دون أن يعرف مهاراته ..
ويمدح الإبداع دون أن يدرس أدواته ..
ويشيد بالقيادة دون أن يغوص في نماذجها ..
ويثني على قراءة الصورة دون أن يسأل نفسه :
ماذا يحدث فعلًا داخل العقل حين يقرأ صورة ؟
وهنا عاد الدرس نفسه الذي بدأ به الحوار منذ ساعاته الأولى  ..
درس الفرق بين الحديث حول الشيء ..
والحديث عن الشيء
فالحديث حوله يمنحنا انطباعًا جميلًا
أما الحديث عنه فيمنحنا معرفة حقيقية.
والفرق بينهما هو الفرق بين من يرى الصورة. ..
ومن يقرأها
.

img 20260608 wa0115

🖼️ الصورة التي كشفت أكثر مما أظهرت ●●●
ثم جاءت الصورة
صورة بسيطة في ظاهرها 
أسرة متواضعة تجتمع على سرير واحد تحت سقف يتسرب منه المطر  ..
أطفال نائمون
أب يحتضن أبناءه
أم يعلو وجهها الرضا
كلب
قطة
دجاجة
عصفوران عند النافذة
ومظلة صغيرة تحاول أن ترد شيئًا من بلل السماء  ..
في الظاهر لم تكن سوى صورة
لكن الحوار أثبت أنها لم تكن صورة عن أسرة فقيرة  ..
بل صورة عن العقول التي تنظر إليها ..
حين عرضت الأستاذة مها الشهري الصورة عادت الفكرة التي كانت قد أشارت إليها قبل ذلك  ..
فالصورة ليست مجرد وسيلة تدريبية .
بل نافذة تكشف ما في الداخل  ..
ومن هنا جاء الحديث عن الاختبارات الإسقاطية  ..
وتحدثت الأستاذة مها عن تلك الاختبارات النفسية التي لا تسأل الإنسان مباشرة عما يشعر به  ..
بل تعرض عليه صورة غامضة أو موقفًا مفتوحًا  ..
ثم تتركه يتكلم
وعندما يتكلم عن الصورة 
يكون في الحقيقة يتكلم عن نفسه
وأضافت إحدى المشاركات أن المختصين يستطيعون من خلال تلك الاستجابات أن يقتربوا من طريقة التفكير والاحتياجات العاطفية والصراعات النفسية وآليات الدفاع ومستوى النضج الانفعالي والعلاقات مع الآخرين  ..
وأشارت الأستاذة ازدهار الحايك إلى استخدام هذا الأسلوب مع ذوي الاحتياجات الخاصة والموهوبين وبعض الحالات النفسية  .. حيث تصبح استجابة الفرد للصورة طريقًا لفهم ما يختزنه العقل وما يثيره الوجدان  ..
لكن الدكتور مسفر لم يتوقف عند هذا الحد.
بل أعاد الجميع إلى نقطة أكثر دقة  ..
كيف نقرأ الصورة ؟
لا ماذا نشعر تجاهها
ولا ماذا نستفيد منها
بل كيف نقرأها
وهنا ظهرت المستويات السبعة التي كان يؤكد عليها منذ البداية  ..
فأول مستوى هو العد أو التعرف
المستوى الذي قد يبدو أبسط المستويات وأقلها شأنًا  ..
لكنه في نظره من أهمها
لأنه الباب الذي يدخل منه المترددون والخجولون والقلقون إلى المشاركة  ..
فليس كل متدرب قادرًا منذ اللحظة الأولى على التحليل والنقد والإبداع  ..
لكن الجميع تقريبًا يستطيع أن يجيب عن سؤال بسيط :
كم شخصًا في الصورة ؟
كم حيوانًا فيها ؟
كم نافذة ؟
كم طائرًا؟
ومن هذا السؤال الصغير تبدأ الثقة بالنفس في التكون
ثم يأتي الوصف
ثم التحليل
ثم الربط
ثم الإبداع
ثم النقد
ثم استخلاص النتائج  ..
ولعل أجمل ما حدث في هذا التطبيق العملي أن الأستاذة جوهرة لم تكتف بالعد  ..
بل اندمجت مع الصورة  ..
فرأت ما وراء الأعداد
ووصفت السرير المائل
والنافذة المكسورة
والمظلة
والفقر
والرضا
والسعادة
وكان رد الدكتور مسفر درسًا آخر في المعرفة  ..
فلم يقل إن الإجابة خاطئة
بل أوضح أنها تجاوزت المطلوب
فالعد شيء
والوصف شيء آخر
والتحليل شيء ثالث
ولكي نتقن المهارات لا بد أن نتعلم الفصل بينها قبل الجمع بينها  ..
وهنا عاد الحوار كله إلى فكرته الأولى التي بدأت منذ الليلة السابقة  ..
فالمشكلة ليست في غياب المعلومات  ..
المعلومات موجودة في كل مكان  ..
والمشكلة ليست في الوصول إلى الإجابات  ..
فالإجابات أصبحت أقرب إلينا من أي وقت مضى  ..
لكن المشكلة الحقيقية هي في القدرة على فهم ما نصل إليه  ..
ولهذا عاد الدكتور مسفر إلى نقد الاعتماد السريع على جوجل والذكاء الاصطناعي  ..
ليس لأنهما يفتقران إلى المعلومات  ..
بل لأنهما كثيرًا ما يقدمان لنا المعرفة مختلطة  ..
كما يفعل حاطب الليل الذي يجمع الحطب والحجارة والأشواك والثعابين في حزمة واحدة
أما الفهم
فهو عملية مختلفة تمامًا
عملية فرز
وتمييز
وتأمل
وغوص في المعنى حتى تصبح المعرفة نقية واضحة مستقرة في الذهن  ..
وعند هذه النقطة لم تعد الصورة مجرد وسيلة تدريبية  ..
بل تحولت إلى استعارة بديعة للحياة كلها  ..
فنحن لا نختلف لأننا ننظر إلى صور مختلفة  ..
بل لأن كل واحد منا يقرأ الصورة نفسها بعين مختلفة  .

وفي نهاية هذا الحوار الطويل   ..  لم نخرج بصورةٍ نقرأها، ولا بمعلومةٍ نحفظها  ..  ولا بإجابةٍ جاهزةٍ نرددها  ..
خرجنا بسؤالٍ أكبر
ما الفرق بين أن نعرف… وأن نفهم  ؟
فكم من معلومةٍ نحملها في ذاكرتنا، لكنها لم تتحول بعد إلى معرفة  ..
وكم من مصطلحٍ نردده بثقة .. بينما لم نلامس حقيقته بعد  ..
وكم من إجابةٍ نستطيع الوصول إليها بضغطة زر .. لكننا نعجز عن تفسيرها أو توظيفها أو بناء معنى حقيقي منها  ..
لقد كانت الصورة التي تأملها المتحاورون أكثر من مجرد صورة  ..
كانت مرآة
كل واحد رأى فيها شيئًا مختلفًا  ..
رأى بعضهم عدد الأشخاص  ..
ورأى آخرون الفقر
ورأى غيرهم الرضا
ورأى آخرون الحماية والألفة والدفء ..
أما الحقيقة الأجمل .. فأن الصورة لم تكن تكشف ما فيها فقط  ..
بل كانت تكشف من ينظر إليها
وهكذا هي الحياة
الأحداث واحدة
والمواقف واحدة
لكن العقول تختلف في قراءتها  ..
ولذلك لا تُقاس قيمة الإنسان بعدد ما جمع من المعلومات، بل بقدرته على الفهم  .. والتمييز، والربط .. واستخلاص المعنى ..
فالمعرفة ليست ما نجده في الكتب  ..
ولا ما تخبرنا به محركات البحث  ..
ولا ما تمنحنا إياه التقنيات الحديثة ..
المعرفة الحقيقية هي ما يبقى في العقل بعد أن تنطفئ الشاشات، وتُغلق الصفحات .. ويهدأ ضجيج الإجابات  ..
هي ذلك النور الخفي الذي يجعلنا نرى الأشياء على حقيقتها  ..
ولعل أجمل ما تعلمناه من هذا الحوار أن رحلة العلم لا تبدأ حين نعثر على الجواب  ..
بل حين نكتشف أن السؤال ما زال أعمق مما كنا نظن  ..
وحينها فقط
نغادر وهم المعرفة
ونبدأ طريق الفهم  .

gemini generated image lmng5lmng5lmng5l


أثر لاينسى
جدة
الاثنين
٢٩ ذو الحجة ١٤٤٧
١٥ يونيو ٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *