ثغرات السنوات الأولى 🌱 حين يهدم الإنسان 🔨 وهو يظن أنه يبني ..
حوار تربوي كشف جرحًا صامتًا في الميدان التعليمي والحياة
في مساءٍ تربوي هادئ ..
كان الحديث يدور بين نخبة من المهتمين بالتعليم ..
لكن ذلك المساء لم يكن حديثًا عابرًا ..
بل كان كشفًا لجرحٍ صامتٍ يسكن الميدان التربوي منذ سنوات .
كتب الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني بهدوء العالم ..
وحكمة المربي ..
وخبرة من عاش الميدان طويلًا ..
عبارة قصيرة ..
كانت كفيلة أن تفتح أبواب التفكير على مصراعيها .
ثغرات السنوات الأولى ○○○
ساد صمتٌ تأملي عميق ..
وكأن الفكرة اخترقت القلوب قبل العقول ..
ثم بدأ يشرح بهدوء الواثق ..
قد تقابل شخصًا في حياتك ..
في العمل ..
في المجتمع ..
في التعليم ..
أو حتى في محيطك القريب ..
فتتعجب من سلوك يصدر منه ..
وتسأل نفسك بصمت ..
كيف لم يتعلم هذا الإنسان أبجديات التعامل ..
كيف وصل إلى هذا العمر دون أن يدرك أثر كلماته وتصرفاته ..
كيف يعيش بين الناس وهو لا يشعر بما يفعل ..
ثم تكتشف الحقيقة ..
أن هناك ثغرات في سنواته الأولى لم تُعالج ..
فكبرت معه ..
ونمت داخله ..
وأصبحت جزءًا من شخصيته ..
بل وأصبحت تقوده دون أن يشعر .
وهنا تبدأ القصة .
الجهل الذي لا يشعر بصاحبه .
أوضح الدكتور مسفر الفكرة بعمق أكبر ..
قد تقابل شخصًا في مكان ما فتستغرب منه بعض السلوكيات الغريبة التي يفترض أنه تعلمها في سنواته الأولى من العمر ..
أنا أتحدث عن السلوكيات التي تصدر عن جهل ..
ونفس الفكرة تنطبق على المعلم ..
ففي سنواته الأولى في عالم التدريس يكتشف حجم الأخطاء التي ارتكبها بحق طلابه بسبب جهله ..
والتي قد تمتد معه سنوات طويلة دون أن يدرك حجم تأثيرها المدمر على الطلاب والطالبات .
ثم توقف قليلًا ..
وأكمل حديثه بتركيز عميق ..
صدقوني .. لا مشكلة لدي مع من يتعمد ..
فالمتعمد تواجهه شكاوى غالبًا تردعه ..
لكن مشكلتي مع من يجهل ..
مع الجاهل الذي يجهل خطورة سلوكه ..
المتعمد يمارس سلوكه عن علم ..
أما الجاهل فيؤذي سواء في حالة الغضب أو الرضا ..
وهذا ما يجعل أثره أكثر دمارًا .
كانت الكلمات ثقيلة المعنى ..
صادقة الإحساس ..
كأنها تضع اليد على جرحٍ قديم في الميدان وفي الحياة معًا .
ليس كل من يؤذي إنسانًا شريرًا ..
وليس كل من يجرح الآخرين يقصد الأذى ..
لكن بعض الجهل قد يكون أخطر من القسوة نفسها ..
لأنه يمارس الأذى وهو يظن أنه يؤدي واجبه .
وهنا أدرك الحاضرون أن القضية أعمق من مجرد تعليم ..
إنها قضية وعي ..
وقضية إنسان ..
وقضية مسؤولية .
الأستاذة الراقية المتألقة علا من قطر .. رؤية القائد التربوي .
وسط هذا الطرح العميق ..
جاء صوت هادئ يحمل نضج التجربة ..
ورقي الفكرة ..
وإنسانية القائد الذي عاش الواقع ..
الأستاذة الراقية علا من قطر .
تحدثت بهدوء ..
لكن كلماتها كانت واضحة ..
صادقة ..
تلامس الميدان كما هو ..
أعتقد أنه واجب جدًا أن يتضمن تدريب المعلم الجديد ليس فقط الناحية الأكاديمية من استراتيجيات وغيرها ..
ولكن يضاف لها أخلاقيات المهنة ..
ومهارات التواصل مع الطالب ..
والإدارة ..
وأولياء الأمور ..
بذلك نضمن تقليل نسبة هذه الأخطاء لدى المعلم ..
ووضع الحجة عليه عند الخطأ بأنه قد تم تدريبه على ذلك ..
للأسف حتى الآن نكتفي بملفات وتعاميم قد يقرأها المعلم وقد لا يعيرها اهتمامًا .
ثم أضافت بواقعية القائد الذي يرى التفاصيل ..
نواجه سلوكيات طلبة صعبة ومعروفة ..
وكثيرًا ما نخسر معلمًا كفؤًا أكاديميًا بسبب شكاوى الطلبة وأولياء الأمور عليه لعدم قدرته على التعامل السليم مع هذه السلوكيات ..
ويغلب عليه طابع العصبية ..
وقد تصل للسب أو الضرب ..
كما نلاحظ أن هناك معلمًا محبوبًا من جميع طلبته ومعلمًا آخر غير محبوب ..
وذلك مبني على طبيعة العلاقة التي بناها المعلم مع طلابه ..
لذلك أضفت في معايير تقييمي للمعلمين خانات للتواصل وتفاعل الطلاب ..
وأساليب التعزيز والتوجيه ..
لأتمكن من تطوير هذه المعايير لديهم .
كان الحديث واقعيًا ..
واضحًا ..
لا يحمل تنظيرًا مجردًا ..
بل تجربة ميدان ..
ووعي قيادة ..
وحرصًا على الإنسان قبل النظام .
العلاقة التي تصنع الفرق .
في تلك اللحظة ..
اتضح للجميع أن القضية ليست في المعلومات فقط ..
وليست في الشهادات فقط ..
وليست في سنوات الخبرة فقط .
القضية في العلاقة .
قد يكون الإنسان قويًا في مجاله ..
لكنه ضعيف في القلوب ..
وقد يكون بسيطًا في أدواته ..
لكنه عظيم في إنسانيته .
الناس لا يتذكرون كل ما نقول ..
لكنهم يتذكرون شعورهم معنا .
هل كانوا مطمئنين ..
هل كانوا محترمين ..
هل كانوا محبوبين ..
أم كانوا خائفين من كلمة ..
أو نظرة ..
أو تصرف ..
وهنا يظهر الفرق بين من يبني الإنسان ..
ومن يهدمه وهو يظن أنه يبنيه .
القرآن وضع المنهج منذ البداية ○○○
عادت الأستاذة علا لتؤكد البعد الأعمق في التربية والحياة ..
دائمًا أنصح نفسي ومن حولي أن نستمد تعاملنا مع الجميع من نصوص القرآن الكريم وسنة نبينا ﷺ ..
التي تحث على حسن الخلق والتعامل الشرعي ..
من أبرزها قوله تعالى ..
(((158) فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَا نفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوََّكلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) )) آل عمران .
هذه الآية ليست مجرد توجيه ديني ..
بل منهج حياة ..
ومنهج قيادة ..
ومنهج تربية ..
الرحمة تجمع الناس ..
واللين يصنع القلوب ..
والأخلاق تبني الأثر ..
وهذا ما جعل النبي ﷺ يدخل القلوب قبل أن يدخل العقول ..
ويكسب الناس قبل أن يعلمهم ..
ويربيهم قبل أن يوجههم .
قصة تختصر الجهل ○○○
عاد الدكتور مسفر ليقدم صورة رمزية عميقة ..
مثل المحب للرجل الذي وجد ذبابة على رأس من يحب ..
فأخذ حجرًا كبيرًا ورماها ..
فتضرر الشخص الذي كان يريد حمايته .
توقفت الكلمات قليلًا ..
لكن المعنى كان واضحًا جدًا .
الجهل قد يقتل ..
حتى لو كان صاحبه محبًا .
النية الطيبة وحدها لا تكفي ..
والحماس وحده لا يكفي ..
والرغبة في الإصلاح وحدها لا تكفي .
لا بد من وعي ..
لا بد من فهم ..
لا بد من إدراك أثر التصرفات .
القيادة التربوية ومسؤولية الوعي ○○○
واصل الدكتور مسفر حديثه ..
الواجب على المدير أو القائد التربوي أن يضع فرضيات ..
لا أن يفترض حسن النية فقط ..
يجب متابعة الأداء ..
ووضع فرضية ..
ثم التحقق منها ..
لمعرفة إذا كان هناك خلل حقيقي أو ثغرة في الأداء ..
خصوصًا من المعلمين المحبوبين الذين قد يظن الجميع أنهم مثاليون .
القائد الحقيقي لا يبحث عن الصورة الجميلة فقط ..
بل يبحث عن الحقيقة .
لأنه مسؤول عن الإنسان ..
قبل أن يكون مسؤولًا عن النظام .
الأعمار الأربعة للإنسان ○○○
ومن أعمق ما طرح الدكتور مسفر في الحوار ..
أكبر الإشكاليات التي تقع في الميدان التربوي هي أن نتوقع من الطرف الآخر أن يعرف ما هو بديهي ..
الأعمار أربعة ..
عمر زمني وجسدي ..
وعمر عقلي ..
وعمر اجتماعي ..
وعمر عاطفي ..
العمر الزمني يظهر في بطاقة الهوية ..
لكن العمر العقلي قد يكون صغيرًا جدًا رغم مرور السنوات ..
والعمر العاطفي قد يكون متأخرًا رغم كثرة التجارب ..
وقد يخدم الإنسان ثلاثين سنة ..
لكنه لم ينضج بعد .
وقد يكون شابًا ..
لكنه يملك وعيًا كبيرًا ..
لأنه يعمل على نفسه ..
ويتعلم ..
ويعالج ثغراته ..
ويطور شخصيته .
العمر الحقيقي هو عمر الوعي .
رسالة تتجاوز التعليم ○○○
لم يكن هذا الحوار مجرد حديث عن المعلمين فقط ..
ولا عن المدارس فقط ..
ولا عن الإدارة فقط .
بل كان رسالة للحياة كلها .
لكل أب ..
لكل أم ..
لكل معلم ..
لكل قائد ..
لكل موظف ..
لكل إنسان يعيش بين الناس .
انتبه ..
قد تجرح إنسانًا وأنت تظن أنك تنصحه ..
قد تهدم نفسًا وأنت تظن أنك تربيها ..
قد تكسر قلبًا وأنت تظن أنك تصلحه .
الوعي مسؤولية ..
والرحمة ضرورة ..
والإنسان أمانة .
الخاتمة .
في نهاية ذلك الحوار العميق ..
بقيت فكرة واحدة تطرق القلب بهدوء .
سد ثغراتك قبل أن تجرح إنسانًا دون أن تشعر .
راجع نفسك ..
تعلم ..
تطور ..
اقرأ ..
اسأل ..
استمع ..
اقترب من الناس ..
كن رحمة في حياتهم .
فالإنسان قد ينسى الكلمات ..
لكنه لا ينسى الشعور .
قد ينسى الدروس ..
لكنه لا ينسى من كان إنسانًا معه .
وفي الميدان ..
وفي الحياة ..
وفي المجتمع ..
تبقى الرحمة هي المعلم الحقيقي ..
ويبقى الوعي هو الطريق الآمن ..
وتبقى ثغرات السنوات الأولى هي الجرح الذي يجب أن نعالجه قبل أن يكبر داخلنا .
أثر لاينسى
جدة
الثلاثاء ٥ شوال ١٤٤٧
٢٤ مارس ٢٠٢٦

