النزيف 🩸 .. حين يسبق الغضب الحقيقة🥀
كل عام وأنتم بخير .. وكل عيدٍ وأنتم أكثر قربًا من الطمأنينة .. وأكثر سعةً في الفهم .. وأكثر قدرةً على احتواء الناس والحياة .
بعد انقضاء العشر الأواخر من رمضان .. تلك الأيام التي ينشغل فيها القلب بالرجاء أكثر من الكلام .. وتخفت فيها الضوضاء ليعلو صوت الدعاء .. ساد صمتٌ جميل في القروب التربوي الذي اعتاد أن يلتقي فيه الفكر مع الروح .
كان الانقطاع مقصودًا .. لأن بعض الدروس لا تُكتب .. بل تُعاش .. وبعض اللحظات لا تُروى .. بل تُرفع إلى السماء في هيئة دعوات صادقة تنتظر القبول في ليالي ليلة القدر .
ثم جاء العيد .
ومع صباح اليوم الرابع .. عند أول خيوط الفجر .. عاد الصوت التربوي الهادئ يطرق أبواب التأمل من جديد .. لا بضجيج الكلمات .. بل بعنوانٍ قصيرٍ يحمل في داخله قصةً كاملة ..
موقف .. النزيف 🩸.
كلمة واحدة .. لكنّها كانت كفيلة بأن تجعل القارئ يتوقف قليلًا .
نزيف ؟
وفي أيام عيد ؟ وفي بيئة يفترض أنها بيئة تعليم وتربية وطمأنينة ؟
كان العنوان وحده يوحي بأن وراءه حكاية ليست عادية .. حكاية قد تبدأ بصرخة .. وتنتهي بحكمة .. وتمر في طريقها عبر دهاليز النفس البشرية .. وغرف الإدارة .. وقلوب الآباء .. وعقول المعلمين .. ومساحات القرار التي تحتاج دائمًا إلى هدوء أكثر من حاجتها إلى انفعال .
في المدارس .. لا تأتي الأزمات غالبًا معلنةً عن نفسها بوضوح .. بل تدخل فجأة .. متخفية في هيئة كلمةٍ من طفل .. أو شكوى من ولي أمر .. أو روايةٍ صغيرة تكبر في الطريق حتى تصل إلى باب الإدارة كأنها حقيقة لا تُقبل النقاش .
وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي .
ليس اختبار النظام .. ولا اختبار المعلم .. بل اختبار العقل الهادئ حين يواجه الغضب .. واختبار الحكمة حين تتزاحم الروايات .. واختبار القلب حين يقف بين إنصاف المظلوم وحماية الحقيقة .
فكم من موقفٍ بدا خطيرًا في لحظته .. ثم اكتشفنا لاحقًا أنه لم يكن سوى سوء فهم تضخم ..
وكم من أزمةٍ كادت أن تهدم الثقة بين المدرسة والأسرة .. ثم أنقذها سؤال واحد بسيط .. هل تأكدنا من الحقيقة قبل أن نغضب ؟
من هنا تبدأ الحكاية .. حكاية نزيفٍ لم يكن في ظهر طالب .. بل كاد أن يكون نزيفًا في الثقة .. ونزيفًا في القرار .. ونزيفًا في العلاقات .. لولا أن الهدوء تدخل في اللحظة المناسبة .
ساد الصمت في القروب بعد أن بدأ الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني يروي تفاصيل الموقف .. وكأن الكلمات لا تُحكى بقدر ما تُستعاد من ذاكرةٍ ما زالت تحتفظ بحرارة اللحظة .
ولاحقًا .. علمنا أن الإشارة للوكيل لاستدعاء الطالب للتحقق من النزيف كانت من الدكتور مسفر نفسه حين كان معلّمًا في أجمل أيام حياته التدريسية .. حيث كان قلبه مع الطلاب وعقله مع الحقيقة .. لا مع الانفعال .
لم يكن الموقف عاديًا كما يبدو في سطوره الأولى .. بل كان من تلك المواقف التي تأتي فجأة دون موعد .. وتضع الإنسان أمام اختبارٍ حقيقي لهدوئه .. وحكمته .. وقدرته على قراءة الناس قبل قراءة الأحداث .
في أحد أيام العمل المدرسي .. دخل ولي أمرٍ غاضب إلى الإدارة بصوتٍ مرتفع .. يحمل في ملامحه توترًا واضحًا .. وفي كلماته اتهامًا خطيرًا .. وكأن المدرسة كلها تقف على حافة أزمة لا يُعرف مداها .
رأسه حاسر وعيناه مشتعلتان .. يصرخ ويهدد .. يحمل قلقه وحنقه على أبنائه الذين عرف عنهم الجميع أنهم جميعًا مشاغبون .. رغم أن أسمائهم كانت على أسماء الأنبياء صلوات ربي وسلامه عليهم .. لكنها بقيت أسماءً على الأوراق أكثر منها صفاتٍ في السلوك .
وكان أكثر ما لفت الانتباه أن هذه الأسماء الطاهرة .. التي سكنت التاريخ .. لم تنقل لهم أخلاق الأنبياء .. بل كانت تذكيرًا مؤلمًا بأن الاسم وحده لا يصنع القيم .. وأن التربية تحتاج إلى صبر .. متابعة .. وقدوة حقيقية .
لقد كان الأب مصممًا على توجيه اللوم على معلم الرياضيات .. مدفوعًا بالغضب والخوف .. معتقدًا أن ابنه تعرض لطعنة بالقلم في ظهره .
كان يتحدث بانفعال .. ويردد أن ابنه تعرض للأذى .. وأن معلمًا طعنه بقلم في ظهره حتى سال الدم .
كلمة .. نزيف .. وحدها كانت كفيلة بأن ترفع منسوب التوتر في المكان .
ومع مرور الحديث بدأ يتضح أن الأب لم يكن يعيش موقفًا واحدًا مع ابنه .. بل كان يعيش سلسلة من المواقف المتكررة مع أبنائه جميعًا .. أولئك الصغار الذين حملوا أسماء أنبياءٍ كرام .. وكأن الحياة أرادت أن تهمس للأب برسالةٍ خفية .. أن الأسماء وحدها لا تصنع القيم .. وأن التربية تحتاج إلى حضورٍ أعمق من مجرد اختيار اسمٍ جميل .
لكن المشهد لم يكن صاخبًا كما توقع الأب .. فقد كان هناك وكيل مدرسة يقف بهدوء .. يستمع .. ويمنح الكلمات وقتها .. وكأن الصمت في تلك اللحظة كان جزءًا من العلاج .. لا علامة على الضعف .
وفي زاوية المشهد كان يقف معلمٌ هادئ .. شاعر في روحه .. أديب في حضوره .. رجل تجاوزته السنوات .. وابتعد عن أهله وأولاده .. وجاء يخدم في الميدان التربوي وهو يحمل في داخله تعب الغربة وضيق الحياة .. لكنه ما زال يؤدي رسالته بهدوء .
وكان معلم الرياضيات من أولئك المعلمين العرب الذين جاءوا في سنواتٍ مضت يحملون خبراتهم وقلوبهم إلى هذه الأرض الطيبة .. يزرعون العلم في عقول أبنائنا .. ويتركون بصماتٍ لا تُنسى .. أولئك الذين تعلمنا منهم الكثير .. وبقي فضلهم في الذاكرة مهما ابتعدت الأيام .. فمنهم من عاد إلى وطنه .. ومنهم من أنهكه العمر .. ومنهم من غادر الدنيا .. رحمه الله رحمة واسعة .. لكن أثرهم ما زال حيًا في نفوس من تعلم على أيديهم .
كان يمكن للموقف أن يتحول إلى أزمة كبيرة لو أن الانفعال قاد القرار .. لكن الهدوء كان حاضرًا .. والحكمة كانت تتشكل في الخلفية بصمت .
ولم تمضِ دقائق حتى دخل أخوه الآخر باكيًا .. يشتكي من معلم الرياضيات .. وكأن القلق الذي دخل به الأب إلى المدرسة بدأ يتكاثر أمامه في صورة شكاوى متلاحقة .. طفل هنا يصرخ .. وآخر هناك يتهم .. وأبٌ يقف في المنتصف يحاول أن يمسك الحقيقة من أطرافها المتناثرة .
وهنا بدأ المعنى الحقيقي للموقف يظهر .
لم تكن القيادة في ذلك اليوم صراخًا في وجه ولي الأمر .. ولا دفاعًا متشنجًا عن المعلم .. ولا اتهامًا للطالب .. بل كانت قيادة هادئة تبحث عن الحقيقة أولًا .
فحين ترتفع الأصوات .. يصبح أول واجب على القائد أن يخفض إيقاع الموقف .. وأن يمنح الحقيقة فرصة للظهور .
كان الدكتور مسفر يروي الحكاية وكأنه يعيد ترتيب تفاصيلها في ذاكرته .. ويشير إلى أن من أجمل ما يكون في القائد أنه لا ينافس فريقه .. ولا يخشى بروز الآخرين .. بل يمنحهم المساحة ليكبروا ويثبتوا قدرتهم .. لأن القائد الحقيقي لا يخاف من نجاح من حوله .. بل يصنعه .
وفي تلك اللحظة لم يكن المطلوب الدفاع عن أحد .. ولا إصدار حكم .. بل التحقق .
التحقق فقط .
طلبوا رؤية الطالب .. وطلبوا التأكد من موضع النزيف .. فالحقيقة لا تُبنى على الروايات .. بل على المشاهدة .
اقتربوا بهدوء .. وكُشف ظهر الطفل .
لم يكن هناك نزيف .. ولا طعنة .. ولا أثر قلم .
كان الظهر سليمًا تمامًا .
في تلك اللحظة سقط التوتر دفعة واحدة .. وكأن الموقف كله كان فقاعةً من الخوف انفجرت عند أول لمسة للحقيقة .
الأب الذي جاء غاضبًا بدأ صوته يهدأ .. والطفل الذي كان يصرخ بدأ ينظر حوله في ارتباك .. والرواية التي بدت قبل دقائق وكأنها كارثة تحولت إلى سوء فهمٍ بسيط كاد أن يصنع أزمة كبيرة .
وفي زاوية المشهد ظهر درسٌ عظيم .
لم يكن الذي انكشف مجرد ظهر طالب .. بل انكشفت حقيقة كبيرة في العمل التربوي .. أن كثيرًا من الأزمات لا تبدأ من المشكلة نفسها .. بل من الرواية التي تُروى عنها .
فالأم قد تسمع كلمة من طفلها فتقلق .. والطفل قد يبالغ لأنه خائف .. والأب قد يغضب لأنه يحب ابنه .. لكن الحقيقة تبقى في مكانها .. تنتظر من يقترب منها بهدوء .
وكان في الموقف بعدٌ آخر لا يقل عمقًا .
المعلم الذي ظن البعض أنه سبب الأزمة .. كان في الحقيقة رجلًا يحمل تعب الغربة .. وضيق الحياة .. ووجع البعد عن أسرته .. وربما ألم الجسد الذي كان يشتكي منه .. ومع ذلك كان يؤدي رسالته .
وفي خضم الموقف .. دخل طالب آخر يشكو من معلم آخر .. وبدأ يصرخ هو أيضًا .. وكأن الأزمات تتسابق لتدخل الغرفة في الوقت نفسه .
لكن الحقيقة كانت تتكرر بهدوء .
التحقق أولًا .
كشفوا الأمر مرة أخرى .. فلم يجدوا شيئًا .. واكتشفوا أن القصة لم تكن إلا كلمة انتقلت من فم إلى فم حتى تحولت إلى اتهام .
وفي عمق هذا الموقف كانت تتشكل قاعدة تربوية هادئة .. أن الحلول الضعيفة لا تأتي من حجم المشكلة .. بل من سوء فهمها .. فكلما عجز الإنسان عن قراءة أبعاد الموقف بدقة .. وكلما استعجل الحكم قبل جمع المعلومات .. خرج القرار هشًا .. متعبًا .. لا يعالج الجرح بل يوسّعه ..
أما حين يشعر القائد بالمشكلة جيدًا .. ويمنحها وقتها .. ويجمع تفاصيلها .. ويستمع لكل الأطراف .. فإن الحقيقة تبدأ بالظهور بهدوء .. وتتحول الأزمة إلى درس .. والموقف إلى خبرة .. والحكاية إلى وعي يبقى أثره طويلًا في الميدان التربوي ..
وهنا يظهر عمق التجربة التي نقلها لنا الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني .. حيث لم يكن يروي موقفًا عابرًا .. بل كان يقدّم نموذجًا عمليًا في كيف تُفهم المشكلات قبل أن تُحل .. وكيف تُبنى القرارات على وعي لا على انفعال .
وهنا تتجلى الحكمة التربوية في أبهى صورها .
فالقائد لا يُدير المواقف بالصوت المرتفع .. بل بالعقل الهادئ .
والمعلم لا يُدان بالشائعات .. بل بالحقائق .
والمدرسة لا تحمي نفسها بالانفعال .. بل بالعدل .
والأسرة لا تبني ثقتها إلا حين ترى الحكمة قبل القرار .
وفي أعماق هذه الحكاية كان الدكتور مسفر يرسل رسالة هادئة لكل من يعمل في الميدان التربوي .. رسالة تقول إن القيادة ليست تشبثًا بالمكان .. ولا خوفًا من الآخرين .. بل قدرة على صناعة بيئة يشعر فيها الجميع بالأمان .
فالقائد الحقيقي .. كما يقول .. هو الذي يستعد للخروج من مكانه قبل أن يتمسك به .. ويصنع بدائل من حوله .. ويمنح الفرص .. لأن الناس تحفظ الجميل لمن يمنحها الثقة .
وحين يشعر الفريق أن قائده لا ينافسه .. بل يدعمه .. يلتفون حوله بمحبة .. ويقفون معه في الأزمات .. وتصبح المؤسسة كلها كأنها قلب واحد .
أما حين يدخل القائد في منافسة مع فريقه .. فإنه يفقدهم بصمت .. ويصبح العمل مجرد واجب بلا روح .
ومن هنا تمتد رسالة هذا الموقف إلى كل بيت .
إلى الأب الذي يسمع شكوى ابنه .. تمهل قبل أن تغضب .
وإلى الأم التي يقلقها حديث صغير .. تحققي قبل أن تخافي .
وإلى المعلم الذي يواجه المواقف الصعبة .. تذكر أن هدوءك نصف الحل .
وإلى المديرة والقائدة .. امنحي فريقك الثقة قبل أن تطلبي منه النجاح .
وإلى القائد التربوي .. الحقيقة لا تحتاج صوتًا مرتفعًا .. بل عقلًا هادئًا .
فكم من نزيفٍ كان يمكن أن يحدث في العلاقات .. وفي الثقة .. وفي النفوس .. لولا أن الهدوء سبق القرار .. ولولا أن الحكمة سبقت الغضب .
وهكذا انتهت الحكاية .. لكنها في الحقيقة لم تنتهِ .. لأنها لم تكن قصة نزيف .. بل قصة وعي .. وقصة قيادة .. وقصة إنسانية تعلمنا أن الحقيقة تحتاج فقط إلى من يمنحها فرصة لتظهر ..
وبينما استقرّت الحقيقة في أذهان الجميع .. برز درس آخر من أرقى دروس القيادة .. أن القيادة الحقيقية لا تقتصر على اتخاذ القرار وحل المشكلة فحسب .. بل تكمن في منح الثقة لمن حولك .. وتمكينهم من الأداء بثقة وراحة .. حتى يثمر عملهم ويستمر أثرهم طيبًا .
الدكتور مسفر بن ناصر .. رغم مرور السنوات .. ما زال يذكر وكيله بكل تقدير وامتنان .. مشيرًا إلى كيف أن ثقته ودعمه للفريق جعلهم أكثر قدرة على مواجهة الأزمات بهدوء وفعالية .. دون صخب أو تسرّع .
وهذه الرسالة .. بكل بساطتها .. تحمل عبرة عظيمة لكل قائد تربوي .. تمكين الفريق .. تقدير الجهد .. وثقة القائد بهم تصنع بيئة عمل مستقرة ومزدهرة .. ويظل أثرها حيًا في النفوس قبل المؤسسات .
ولم يكتفِ الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني بسرد الموقف كتابةً كما عايشه .. بل قام بعد ذلك بتسجيله صوتيًا ليترك لنا نافذة حية على تفاصيل الحدث وروحه .
وفي نهاية هذا التسجيل .. وعلى وقع الأيام المباركة .. ختم الدكتور بكلمته البسيطة والسامية ..
“ومادام العيد .. خلونا نعيد .. فلنُعيد النظر بكل شيء بهدوء” .
وفي هذه الكلمات .. رغم قصرها .. رسالة لكل متدربة وقارئ .. أن العقل الهادئ يسبق القرار .. وأن الدعابة الرقيقة قد تكون أقدر من الكلمات على تعليم الحياة .
وفي أيام العيد .. حيث تعود القلوب إلى صفائها .. وتستعيد النفوس هدوءها .. يبقى هذا الموقف رسالةً تربوية رقيقة تقول لنا ..
كونوا أهدأ .. تكون الحياة أكثر عدلًا .
تحققوا أكثر .. تقل الأزمات .
ارحموا الناس .. يرحمكم الله .
وكل عام وأنتم بخير .. وأيامكم عامرة بالسكينة .. وقلوبكم ممتلئة بالحكمة .. وأعمالكم شاهدة لكم بالخير .
وفي ختام هذا المقال .. وفاءً للأمانة العلمية .. وحفظًا لحقوق الطرح التربوي .. نضع للقارئ الكريم رابط الحكاية كما رواها وكتبها الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني في القروب التربوي دون زيادة أو نقص .. لتبقى الكلمة في أصلها .. والمعنى في صدقه .. والتجربة في حقيقتها . 🌿
أثر لاينسى
جدة
٤ شوال ١٤٤٧
٢٣ مارس ٢٠٢٦

