موقف ( النزيف) 🩸
لعل من أجمل الايام في حياتي العملية تلك التي قضيتها في التدريس فلها جمال خاص يصعب علي وصفه.
وكان من عادتي حال عدم ارتباطي بالحصص الجلوس مع وكيل المدرسة والذي كان غاية في الذوق والرقي وجمال الروح مع ذلك الفارق الكبير في العمر بيني وبينه لكني كنت أشعر بقربه من نفسي وشعوري أيضا انه كان يبادلني المشاعر نفسها.
لم يكن مدير المدرسة وقتها يتواجد كثيرا في المدرسة وهذا بحد ذاته كان يشعر الجميع أن الوكيل هو الشخص الذي يجب أن نعود اليه في كل ما يعترضنا من صعوبات ومعوقات
من أجمل ما استفدته من هذا الوكيل المسدد لغة الهدوء التي تسود كل سلوكياته الإدارية خاصة وانني وقتها أفتقد تلك المهارة فكان من حسن حظي ان قربي منه في بداية عملي الوظيفي
لاحقا اكتشفت ان الرجل لايوجد اي مشكلة ان يشاركه الجميع في حل المشكلات التي تعصف بالمدرسة كل الوقت خاصة من أولياء الأمور الذين لم يجدوا من مدير المدرسة مهارة في كسبهم والتقرب منهم والرفع من قيمتهم.
وفي أحد الأيام كنت مع الوكيل في غرفة المدير حيث كان مكتبه في نفس الغرفة فدخل علينا احد أولياء الأمور حاسر الراس لاتبشر لغة جسده بخير
هذا الاب الغاضب لديه عدد من الأبناء في المدرسة وكان قد سمى جميع أبنائه بأسماء الأنبياء عليهم السلام لكن هذه التسمية لم تنفعهم لا في اخلاقهم ولا في مستواهم الدراسي فقد كانوا على رأس المشاغبين العابثين في المدرسة
دخل الأب علينا وقد علا صوته ويهدد والوكيل يحاول تهدئته لكنه لا يهدأ وانا وقتها لم أكن اعرف انه هو ابوهم اقصد الطلاب الصغار
كنت في وضع المستمع لحديثه الصاخب فكان يقول ان معلم الرياضيات قد طعن ابنه بقلم في ظهره مما سبب له نزيف حاد شديد
ذلك المعلم كان من دولة عربية وكان متقدما في السن وكان معروفا لدينا في المدرسة بكونه اديبا شاعرا ضيق النفس مع الطلاب لكن لايمكن أن يفعل تلك السلوك الوحشي فقد كان من اهل الصلاة والخوف من الله.
كلام ولي الأمر عن النزيف واسلوبه الهجومي اصاب الوكيل بالشلل في التفكير ولم أكن بعيدا عن حال الوكيل
في أثناء الحديث الغاضب يدخل احد أبناء ولي الأمر باكيا فصرخ فيه ابوه وسأله عن سبب صراخه فقال معلم الرياضيات ضربني فزاد اشتعال الأب وقام الشرر يتطاير من وجهه وكل ذرة في جسده
العجيب أن الموقف لم يلامس في نفسي شيئا وكانه مشهد تمثيلي صنعه مخرج فاشل لكني آثرت الصمت لنقص خبرتي وعدم معرفتي بما يجب أن يتم فعله في مثل هذه المواقف فجلست مستمعا بلا تأثر أو تأثير لكن عندما طال الموقف وسمج قررت التدخل
استاذنت الوكيل في التدخل في الحوار وكانه ينتظر مني ذلك فقلت له ان الكلام الذي يقوله ولي الأمر خطير ولو ثبت على المعلم فانا في صف ولي الأمر فلا يمكن أن يقبل ان يقوم معلم بطعن طالب بقلم مهما كان خطأ الطالب
بدأ صوت ولي الأمر ينخفض قليلا فقدشعر بتعاطفي معه ( وانا لم تتحرك فيني ذرة عاطفة) قلت للوكيل لماذا لا نستدعي الطالب حتى نرى مكان النزيف ومدى خطورته
لم ينتظر الوكيل فقام مباشرة وطلب ان يحضر الطالب فجاء فطلبت من الوكيل ان يكشف الطالب عن ظهره فكشف فلم نجد في ظهره أي شيء وليس فيه ما يدل على أن قلما لمس ظهره
لكن ماذا عن الابن الثاني الذي ضربه معلم الرياضيات.. نعم صحيح لكن لم يكن معلم الرياضيات الأول بل كان معلما من دولة عربية أخرى وعند سؤال المعلم لاحقا انكر انه ضربه
نزل الموقف كالصاعقة على ولي الأمر عندما وجد ظهر ابنه محاطا بالعافية فقام يردد عبارة امه قالت لي وقالت لي أمه فقلت له لو انك قبل أن تأتي للمدرسة تأكدت من الموقف قبل أن تضع نفسك في هذا الموقف
العجيب ان الوكيل لم يعاتبه ولم يوبخه بل سارع بإنهاء الموقف بطريقة لطيفة متناسيا صوته المرتفع وكلماته المتدافعة سوءا وقبحا
تعلمت من هذا الموقف ان اتحقق من أبعاد اي موقف قبل التفكير في مناقشه أو حله فالحكم على الشيء فرع عن تصوره كما يقول علماء أصول الفقه
يكون الحل دائما مهترئا كسيحا عندما نفشل في الشعور الجيد بالمشكلة وتحديد ابعادها بدقة ثم جمع المعلومات الكافية عنها ووقتها يمكن لنا ان نفرض الفروض ثم اختبارها
وسلااااااااااامتكم
وبعد أن قرأنا موقف الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني كما ورد في القروب التربوي .. ندرك أن الحكاية لم تقف عند حدود الحدث .. بل امتدت إلى مساحات أعمق من الفهم والتأمل .. حيث تحولت التفاصيل الصغيرة إلى دروس كبيرة .. والموقف العابر إلى تجربة تربوية تحمل في داخلها معاني القيادة .. ووعي القرار .. وإنسانية الميدان .
فبعض الحكايات لا تُقرأ مرة واحدة .. بل تحتاج قراءة ثانية .. أهدأ .. وأعمق .. قراءة نظرت إلى ما وراء الكلمات .. وسألت عن أبعاد الموقف .. وكيف أُدير .. وماذا نتعلم منه .. وكيف يمكن أن يتحول حدث بسيط إلى درسٍ كبير في الحكمة والتربية والقيادة .
ومن هنا جاءت هذه القراءة التحليلية للموقف .. محاولة للتأمل في أبعاده التربوية والإنسانية .. واستنطاق رسائله الهادئة .. وإضاءة ما بين سطوره من معانٍ قد تمر على القارئ سريعًا .. لكنها تترك أثرًا طويلًا حين تُقرأ بعين الفكر والتجربة والوعي .
هذه القراءة لم تكن إعادة للحكاية .. بل محاولة لفهمها .. وليست تكرارًا للحدث .. بل غوصًا في معانيه .. وليست سردًا جديدًا .. بل تأملًا في حكمةٍ تربويةٍ تستحق أن تُقرأ أكثر من مرة .
ولمن أراد الاطلاع على القراءة التحليلية الكاملة للموقف .. والتعمق في معاني القيادة والحكمة والوعي التربوي .. فهنا رابط المقال ..
أثر لاينسى
جدة
الأثنين ٤ شوال ١٤٤٧
٢٣ مارس ٢٠٢٦

