●✨ البناء رحلة طويلة .. لكن الهدم لحظات 🍂

screenshot ٢٠٢٦٠٦١٦ ٠١٥٢٤١ gallery

هناك طرقٌ لا يخطئها الناس ..

طريقٌ يعلو بصاحبه ولو كان بطيئًا ..
وطريقٌ يهبط بصاحبه ولو كان سريعًا ..

الأول يبدأ من الداخل .. من معركة الإنسان مع نفسه .. من ساعاتٍ طويلة يقضيها في التعلم .. والمراجعة .. والاعتراف بالنقص .. ومحاولة أن يكون اليوم أفضل مما كان عليه بالأمس ..

أما الثاني .. فلا يحتاج إلا إلى لحظة ..

لحظة غضب ..
أو كلمة جارحة ..
أو تعليق ساخر ..
أو رغبة خفية في رؤية الآخرين أصغر مما هم عليه ..

ولهذا جاءت العبارة التي نشرها الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني في مجموعة «مدربون ومدربات مبدعات» كشرارة أيقظت كثيرًا من التأمل:

«طريق النجاح بين بناء الذات وشهوة الهدم»

ثم أتبعها بسؤال قصير في ألفاظه .. عميق في معناه:

«أي المسافات نقطع أكثر .. في بناء ذواتنا أم في هدم الآخرين؟»

ولأن الأسئلة العظيمة لا تنتظر الإجابات بقدر ما توقظ التفكير .. بدأت رحلة الحوار ..

وكانت أول من بادرت الأستاذة فاطمة صالح اليافعي بكلماتها العفوية الجميلة:

«فالانتظار»

ثم جاءت الأستاذة أمينة محمد المحمود لتلتقط الفكرة من جوهرها مباشرة .. فكتبت:

«نترقب حديثكم حول هذا الموضوع المهم .. فمثل هذه المواضيع تدفعنا لمراجعة ذواتنا والانشغال ببنائها بدل الانشغال بالآخرين.»

وكانت تلك الجملة وحدها كافية لتلخص جزءًا كبيرًا من القضية ..

فنحن كثيرًا ما ننشغل بمن حولنا .. نراقب خطواتهم .. ونحلل قراراتهم .. ونناقش أخطاءهم .. بينما المشروع الأحق بالوقت والجهد هو مشروع الإنسان مع نفسه ..

ثم وقفت الأستاذة أمينة عند عنوان الحوار نفسه:

«شدتني العبارة القوية العميقة: طريق النجاح بين بناء الذات وشهوة الهدم.»

ثم شرحت الفرق بين الطريقين:

«الحقيقة أن بناء الذات طريق طويل يحتاج صبرًا ووقتًا والابتعاد عن منطقة الراحة .. بينما هدم الآخرين طريق قصير وسهل.»

ثم مضت ترسم خارطة البناء الحقيقي للإنسان:

«فبناء الذات يحتاج إلى تعلم مستمر .. وصبر على الأخطاء .. وتطوير للمهارات .. ومراجعة للنفس .. وتحمل للنقد .. وسنوات من العمل المتواصل.»

وفي مقابل هذه الرحلة الطويلة الشاقة .. وضعت صورة أخرى للهدم:

«أما هدم الآخرين فلا يحتاج إلا إلى كلمة جارحة .. أو إشاعة مغرضة .. أو تقليل من الإنجازات .. أو التركيز على العيوب .. أو المقارنات السلبية.»

وفي ذروة هذا المعنى قالت:

«ولهذا نجد أن بعض الناس إذا عجزوا عن الارتقاء بأنفسهم حاولوا خفض من حولهم .. لأن إسقاط الآخرين أسهل من صناعة النجاح.»

ثم مضت تكشف بعض الجذور النفسية لهذا السلوك:

«الشعور بالنقص .. والغيرة والحسد .. وضعف الثقة بالنفس .. وعدم وجود هدف يسعى الإنسان لتحقيقه.»

وهنا دخلت الأستاذة بلقيس (أم حسام) من زاوية مختلفة .. فاستوقفتها عبارة:

«شهوة الهدم»

وقالت:

«هي كلمة تعبر عن رغبة كبيرة في هدم الآخرين ونقدهم وعدم وجود رغبة للإصلاح .. وهي طريق سهل جدًا.»

ثم ربطت ذلك بمعنى تربوي وإيماني عميق:

«لذلك نرى طريق النار محفوفًا بالشهوات .. بينما طريق الجنة محفوف بالمكاره .. وهي ما لا تطيقه الأنفس إلا بالجهد والعمل والثبات .. وهذا ما يمثل عملية بناء الذات؛ حيث إنه طريق ورحلة طويلة يخوضها الإنسان.»

وهنا لم يعد الحديث عن نجاح مهني أو تطوير شخصي فحسب .. بل عن فلسفة حياة كاملة ..

فكل ما هو عظيم يحتاج صبرًا .. وكل ما هو راسخ يحتاج وقتًا .. وكل ما هو حقيقي يحتاج جهدًا ..

أما الأشياء السهلة السريعة .. فغالبًا لا تترك وراءها إلا الفراغ ..

وعادت الأستاذة أمينة لتؤكد المعنى ذاته بعبارة تختصر صفحات طويلة:

«فالبناء يصنع إنسانًا وأثرًا طيبًا .. أما الهدم فلا يصنع إلا الضجيج.»

فالضجيج مرتفع الصوت .. لكنه قصير العمر ..
أما الأثر .. فقد يكون هادئًا .. لكنه يبقى ..

وفي ختام هذه المداخلة الثرية لخّصت الأستاذة أمينة رؤيتها:

🌱 بناء الذات يحتاج إلى

📖 تعلم مستمر

🌱 صبر على الأخطاء

📈 تطوير للمهارات

🪞 مراجعة للنفس

🤝 تحمل للنقد

⏳ سنوات من العمل المتواصل

ثم كتبت عبارتها البليغة:

«فالبناء رحلة طويلة من التعلم والصبر والتطوير .. أما الهدم فلا يحتاج إلا إلى لحظات.»

img 20260615 wa0051


بعد أن أضاءت الأستاذة أمينة محمد المحمود الفكرة بصورة بليغة .. وقدمت ذلك الملخص المكثف الذي لخص رحلة بناء الذات في كلمات قليلة .. استمر الحوار يتدفق كجدول معرفة هادئ .. تتعاقب فيه الرؤى والخبرات والتجارب الإنسانية العميقة ..
فلم يعد الحديث مجرد كلمات عن التنمية أو التطوير .. بل تحول إلى رحلة تأمل جماعية في الإنسان نفسه .. كيف يبني ذاته ؟ وكيف يحميها ؟ وكيف ينهض بها كلما تعثرت ؟
تحدثت الأستاذة شيخة الحمادي عن جانب مهم في هذه الرحلة .. مؤكدة أن كل إنسان يسعى إلى بناء ذاته وتطويرها .. لكنه لن يصل إلى غايته ما لم يتعلم ألا يهتز من الداخل أمام النقد .. وألا يجعل الأخطاء أو آراء الآخرين معاول هدم تهدم ما بناه من ثقة واستقرار ..
فالثقة بالنفس ليست ترفاً .. بل هي إحدى دعائم البناء الأساسية ..
ومن زاوية أخرى .. أخذتنا الأستاذة مها الشهري إلى عمق أشد التصاقاً بالذات ..
فمن خلال تجربتها التدريبية في برامج أنماط الشخصية .. كانت تلاحظ شيئاً يتكرر كثيراً .. حيرة المتدربين وعجزهم عن فهم أنفسهم .. وكثرة الأسئلة التي تكشف بوضوح أنهم لا يعرفون ذواتهم بالقدر الذي يظنون ..
تقول إن هذا المشهد دفعها إلى تصميم برنامج مستقل بعنوان «إدارة الذات» يسبق الحديث عن الأنماط .. إيماناً منها بأن الوعي بالذات ليس ترفاً فكرياً .. بل ضرورة حياتية ..
فالإنسان الذي لا يعرف نفسه جيداً .. كيف يستطيع أن يديرها ؟
والإنسان الذي لا يحترم ذاته ويحبها .. كيف يستطيع أن يمنح الآخرين حباً وطمأنينة ؟
ثم أضافت عبارة تحمل روح التدريب الحقيقية :

“والجميل في الأمر أنني كنت أول المستفيدين من هذا البرنامج .. وهنا تكمن روعة التدريب وسحره .. إنه يصقل معارفنا ومهاراتنا كمدربين قبل كل شيء .. لنرتقي بأنفسنا أولاً .. ونكون خير معين ومرشد لمن يضعون ثقتهم فينا.”

أما الأستاذة جواهر المراغي فقد لفتت الانتباه إلى أن المواقف الحياتية ليست أحداثاً عابرة .. بل مدارس كاملة لبناء الذات ..
فمن خلال المواقف تتكشف الشخصيات .. وتظهر أنماط التفكير .. ويتعلم الإنسان كيف يفهم الآخرين .. وكيف يتعامل معهم .. وكيف يكتشف مفاتيح النفوس المختلفة ..
وترى أن الصلابة النفسية لا تولد فجأة .. بل تنمو عندما يمر الإنسان بمواقف صعبة .. ثم يرفض التراجع .. ويحول الألم إلى محطة نضج .. والتحدي إلى فرصة للتقدم ..
وفي خضم هذا الحوار العميق جاءت مداخلة الأستاذة فاطمة صالح اليافعي الراقية ببساطتها الصادقة التي لامست القلوب قبل العقول .. فقالت :

“حتى أبني ذاتي لازم أتقبل نفسي وأحبها وأتقبلها بعيوبها وأخطائها .. أطبطب على نفسي .. وأتعلم الثقة بالنفس .. وأطور مهاراتي تحديداً التي أبرع فيها.”

كانت كلمات قليلة .. لكنها حملت حكمة كبيرة ..
فالتعاطف مع الذات ليس ضعفاً .. بل رحمة ..
والإنسان لا يستطيع النهوض من جديد إذا ظل يجلد نفسه كلما أخطأ ..
ولم تمر هذه العبارة مروراً عادياً على الأستاذة أمينة .. فتوقفت عند كلمة “أطبطب على نفسي” .. ورأت فيها معنى جميلاً يستحق التأمل .. مؤكدة أن الطبطبة ليست دلعاً أو هروباً من المسؤولية .. بل هي رفق بالنفس حتى تستطيع الوقوف من جديد بعد كل عثرة ..
ثم أضافت فكرة بالغة الأهمية :
“بناء الذات لا يعني أن أقضي عمري كله في محاولة إصلاح نقاط ضعفي فقط .. بل أن أكتشف مواطن قوتي وأستثمرها وأطور المهارات التي أبرع فيها.”
وهنا يخطئ كثير من الناس ..
فبعضهم ينشغل سنوات طويلة بمحاربة نقاط ضعفه .. وينسى أن لديه مناطق قوة لو استثمرها لأثمرت إنجازاً وتأثيراً يفوق بكثير ما يتخيله ..
واستكمالاً للحديث عن الصلابة النفسية .. أكدت الأستاذة أمينة أن هذه الصلابة لا تُكتسب من الدورات التدريبية وحدها .. بل تصنعها الحياة نفسها ..
فالاحتكاك بالناس .. والتعامل مع اختلاف طبائعهم .. والصبر على سلوكياتهم .. وضبط الانفعالات أثناء المواقف الصعبة .. والتعامل مع الشخصيات المعقدة .. كلها تمارين يومية تصقل النفس وتبني نضجها ..
وقالت عبارة تستحق أن تكتب بماء الذهب :
“فالصلابة النفسية لا تُبنى بالمعرفة فقط .. بل بالتجربة والممارسة والاحتكاك الواعي بالحياة والناس.”
وعادت الأستاذة مها الشهري لتضيء زاوية أخرى من الموضوع .. موضحة أن الناس يختلفون بطبيعتهم في التعامل مع النقد ..
فبعض الشخصيات تتأثر بسرعة .. وبعضها أكثر منطقية وأقل حساسية ..
لكن التحدي الحقيقي يظهر عند أصحاب الشخصيات الحساسة .. الذين قد يعانون كثيراً مع أي ملاحظة أو نقد ..
وهنا يظهر دور الوعي بالذات ..
فكلما عرف الإنسان نمط شخصيته .. واكتشف نقاطه العمياء .. أصبح أقدر على فهم نفسه والتعامل معها بحكمة بدلاً من أن يبقى أسيراً لانفعالاته ..

ثم انتقل الحوار إلى قضية مهمة أثارتها الأستاذة أمينة .. وهي كيفية التعامل مع النقد ..
فقالت إن كل عمل ظاهر للناس سيكون محل إعجاب عند البعض .. ومحل نقد عند آخرين ..
والإنسان الحكيم لا يرفض النقد كله .. ولا يقبله كله ..
بل يفرز ما يسمعه ..
فيأخذ ما يفيده .. ويترك ما لا قيمة له ..
لأن النقد البنّاء مرآة تساعد الإنسان على رؤية ما لا يراه في نفسه ..
وفي زاوية أخرى من النقاش .. طرحت الأستاذة شريفة الغامدي تساؤلاً عميقاً :
هل الهدم دائماً موجه للآخرين ؟ أم أن هناك هدمًا للذات أيضاً ؟
ثم أخذت الفكرة إلى مستوى أكثر عمقاً .. حين تحدثت عن الإنسان الذي يهرب من الألم في بداية حياته .. ثم يكتشف متأخراً أن الأيام السهلة لم تصنع منه شيئاً كبيراً ..
أما الأيام الصعبة .. فقد صنعت شخصيات قوية .. وقادة حكماء .. ونفوساً تعرف قيمة الاستمرار ..
وقالت فكرة تستحق التأمل :
“فالإنسان في بداية حياته قد يهرب من الألم .. لكنه في خريف العمر يكتشف أن الأيام السهلة صنعت شخصية ضعيفة مترددة وأحلاماً مهلهلة .. بينما الأيام القاسية صنعت قادة حكماء ونفوساً تواقة.”
ثم جاءت الأستاذة صباح المولد بمداخلة ثرية نقلت النقاش من التنظير إلى الواقع العملي ..
فسردت تجربة حقيقية عاشتها أثناء عملها في الإشراف التربوي .. حين واجهت شخصية شديدة الاندفاع .. كثيرة التهديد .. تحاول ممارسة الضغط والصراخ والإيذاء الإداري ..
لكنها اختارت الهدوء والانضباط .. وتعاملت مع الموقف وفق الإجراءات الرسمية .. دون انفعال أو رد فعل عاطفي ..
واستمرت تلك الشخصية في محاولات الإيذاء من خلف الكواليس .. لكنها واجهت ذلك بالثبات والاحترافية حتى انتهى الأمر بطلب تلك الموظفة النقل من القسم ..
كانت هذه التجربة مثالاً عملياً على أن الصلابة النفسية ليست شعارات جميلة نرددها .. بل سلوك يظهر في أصعب اللحظات ..
وعلقت الأستاذة جواهر المراغي على هذه التجربة بعبارة موجزة لكنها عميقة :
“رغم الجهد والصبر والألم .. فالإنسان يتعلم مع هذه الشخصيات.”
أما الأستاذة فاطمة صالح اليافعي فقد لخصت المشهد كله بكلمتين فقط :
“الهدوء نعمة.”
وأحياناً تختصر الكلمات البسيطة ما تعجز عنه الصفحات الطويلة ..

حين يسبق الوعيُ الموقفَ .. وتأتي الخلاصة قبل البداية
وفي هذه اللحظة من الحوار .. حدث أمر لافت ..
فبدلاً من أن ينتظر الجميع مداخلة الدكتور مسفر .. أو أن يبقى النقاش في حدود التعليقات العابرة .. كانت الأفكار تتدفق من كل اتجاه .. وكل مشاركة تفتح باباً جديداً للتأمل ..
وحين عاد الدكتور مسفر إلى القروب .. لم يخفِ دهشته مما جرى .. بل قال بصراحة :
“هل تصدقون أن هذا النقاش هو الأكثر دهشة في القروب ؟”
ثم أضاف :
“كشف لي عمق فهم الأخوات للفكرة.”
ولم تكن دهشته بسبب كثرة المشاركات فحسب .. بل بسبب اختلاف زوايا النظر ..
فكل مشاركة كانت تنظر إلى الموضوع من نافذة مختلفة ..
إحداهن تحدثت عن بناء الذات .. وأخرى عن الهدم .. وثالثة عن الصلابة النفسية .. ورابعة تناولت النقد .. وخامسة تحدثت عن التجارب الحياتية .. وسادسة نقلت خبرة عملية من واقعها المهني ..
فقال الدكتور مسفر :
“وكل أخت تتكلم عن الفكرة من بُعد مختلف.”
ثم أردف :
“هناك من أبدع في كيفية بناء الذات .. وهناك من تناول بإبداع لا يقل عنه كيفية الهدم.”
ولأن الفضل لا يُنسب إلا لأهله .. فقد خصّ الأستاذة أمينة محمد المحمود بإشادة جميلة حين قال :
“أستاذة أمينة المحمود تولّت راية الكتابة في الموضوع .. وفعلاً طبقت بيت الشعر : إذا هبّت رياحك فاغتنمها.”

img 20260613 wa0093


ثم أثنى على دورها في تحفيز الأخوات على المشاركة فقال :
“شجعت الأخوات على النقاش والحوار واستخراج أجمل ما لديهن.”
وختم هذه الإشادة بقوله :
“ما أروع التفاعل المنتج.”
ولم تتأخر الأستاذة مها الشهري في التعبير عن تقديرها .. فقالت باختصار جميل :
“الأستاذة أمينة .. نموذج للقيادة الفكرية.”
أما الأستاذة أمينة فقد استقبلت هذا الثناء بروح المتعلم لا بروح المنتصر .. وقالت :
“بإذن الله دكتور سأغتنم هذه الرياح المعرفية الجميلة .. وألتزم برحلة بناء الذات .. فالبناء يحتاج إلى عمل مستمر.”
وكانت هذه العبارة وحدها كافية لتلخص الفارق بين من يبحث عن التصفيق .. ومن يبحث عن التطور ..
ثم جاءت الأستاذة عائشة الزهراني لتضيف بعداً جديداً للفكرة .. حين لفتت الانتباه إلى نوع آخر من الهدم قد لا ينتبه له كثير من الناس ..
إنه هدم الذات ..
فقالت :
“أيضاً من وسائل هدم الذات عدم الإيمان بالقدرات .. والمقارنات ضد النفس .. وهي كمعول هدم صامت.”
وكم من إنسان هدم نفسه بنفسه قبل أن يهدمه الآخرون ..
وكم من موهبة دفنت تحت ركام المقارنات ..
وكم من حلم انطفأ لأن صاحبه ظل ينظر إلى ما عند غيره أكثر مما ينظر إلى ما وهبه الله ..
وهنا انتقل الدكتور مسفر إلى فكرة أعمق من الموضوع نفسه ..
فلم يعد الحديث عن بناء الذات أو هدمها فقط .. بل عن أهمية المشاركة الفكرية في حد ذاتها ..
فقال ما معناه :
إن النقاش الحقيقي لا يأتي بكلمة أو كلمتين .. بل هو أن يعرض الإنسان عقله أمام الآخرين .. أن يقدم رأيه .. أن يطرح خبرته .. أن يشارك فهمه .. أن يفتح الباب للحوار .. لا أن يبقى مختبئاً خلف الصمت ..
وأشار إلى أن بعض المشاركين يملكون أفكاراً جيدة .. لكنهم يحجمون عن طرحها خوفاً من أن تزعج أحداً أو لا تلقى قبولاً ..
وهنا طرح سؤالاً بليغاً :
“وش دخلي أنا بالبعض ؟”
ثم أوضح فكرته قائلاً :
ليس المطلوب أن يرضى الجميع عن رأيي .. وليس المطلوب أن يقتنع الجميع بما أقول .. ولكن المطلوب أن أشارك بما أملك من معرفة أو تجربة أو فكرة .. ثم أتركها للحوار والنقاش ..
فربما كانت فكرة صغيرة تفتح باباً كبيراً في عقل شخص آخر ..
وأكد أن المشاركة الواعية نفسها جزء من بناء الذات .. لأن الإنسان حين يشارك ويتحاور ويستمع ويتلقى الردود فإنه يتعلم ويصحح ويطور نفسه مع مرور الوقت ..
ثم انتقل إلى ملاحظة لطيفة حملت شيئاً من الابتسامة والود ..
فقد علّق على الأسلوب القطري في كتابة بعض الكلمات .. مستحضراً موقف الأستاذة فاطمة صالح اليافعي حين كتبت كلمة باللهجة المحلية ..
وروى كيف ذكره ذلك بقروب قطري سابق أشرف عليه .. وكيف لاحظ وقتها أن الأخوات يمتلكن لغة عربية جميلة .. لكن العادة جعلتهن أحياناً يكتبن بعض الكلمات كما ينطقنها في اللهجة الدارجة ..
وكانت هذه الوقفة الودودة تحمل رسالة ضمنية جميلة :
أن الاختلافات الصغيرة في اللهجات لا تلغي جمال الفكرة .. ولا تقلل من قيمة صاحبها .. بل تضيف إلى الحوار روحاً إنسانية محببة ..
ثم عاد الدكتور مسفر إلى جوهر القضية ..
فقال شيئاً يستحق التوقف عنده طويلاً ..
إذ اعترف بأن هذا الموضوع تحديداً وضعه أمام حالة غير مألوفة ..
ففي العادة يكون المدرب أو الكاتب هو من يقدم الخلاصة في نهاية الحوار ..
أما هذه المرة فقد شعر أن الخلاصة جاءت قبل أن يبدأ ..
وقال ما معناه :
“أول مرة أشوف موضوعاً يكتمل قبل أن يبدأ.”
لأن النقاش العميق الذي سبق دخوله كشف معظم الأبعاد والمعاني التي كان ينوي الحديث عنها ..

بل إنه اعترف بأنه أصبح يفكر : كيف سيصوغ الموقف بعد كل هذا العمق الذي أظهرته المشاركات ؟
ثم قال كلمة تحمل تقديراً كبيراً للحاضرات :
“اكتشفت أني أمام ناس على مستوى عالٍ من الفهم والإدراك والعمق.”
ولم يكتفِ بذلك .. بل أخذ يلفت الانتباه إلى أدوار المشاركات المختلفة داخل القروب ..
فأشار إلى الأستاذة صباح المولد وكيف تمتلك قدرة جميلة على ربط الأفكار بالمواقف الواقعية التي مرت بها أثناء عملها ..
وأشار إلى الأستاذة فاطمة صالح اليافعي واصفاً إياها بأنها شخصية معززة مشجعة .. تشبه أولئك الذين يوزعون الماء على الحجاج في الطريق .. يساعدون الآخرين على مواصلة السير دون أن يشعروا بحجم أثرهم ..
ثم طرح فكرة بالغة العمق ..
فقال إن بعض الأشخاص لا يدركون حجم تأثيرهم الحقيقي ..
فقد يظنون أنهم يكتبون تعليقاً عابراً أو كلمة بسيطة ثم يمضون ..
لكنهم لا يعلمون أن تلك الكلمة ربما صنعت أثراً في نفوس الآخرين ..
وربما كانت سبباً في تشجيع شخص أو إلهامه أو دفعه للاستمرار ..
ولهذا أشار إلى أنه بعد شهور من التفاعل قد يتفاجأ البعض حين يكتشف أنه من أكثر الشخصيات تأثيراً في القروب .. رغم أنه لم يكن يقصد ذلك أصلاً ..
وهنا تتجلى حقيقة مهمة :
فالتأثير لا يصنعه الضجيج .. ولا تصنعه الكلمات الضخمة ..
بل تصنعه المصداقية .. والاستمرارية .. والنية الصادقة .. والحضور الإنساني الجميل ..
فكم من كلمة صغيرة غيرت مسار إنسان ..
وكم من تشجيع عابر أنقذ حلماً من الانطفاء ..
وكم من مشاركة ظن صاحبها أنها مرت دون أثر .. بينما كانت تترك في القلوب ما لا يُنسى ..

حين يهزم الإنسان نفسه قبل أن يهزمه الآخرون
بعد ساعات من الحوار الثري .. وبعد أن تشعبت الرؤى بين بناء الذات وهدم الآخرين .. وبين الصلابة النفسية والنقد والوعي بالذات .. جاءت الأستاذة جواهر المراغي بكلمات عفوية قالت فيها للدكتور مسفر :
“اكتبه دكتور… أنا ما أعرفه.”
وكأنها فتحت باب الحكاية التي كانت تنتظر اللحظة المناسبة لتروى ..
عندها كتب الدكتور مسفر عنوانًا صغيرًا .. لكنه كان يحمل خلفه قصة كبيرة :
“بين بناء الذات وشهوة الهدم”
ثم بدأ يسرد تجربة إنسانية عميقة لا تتعلق بشخص واحد بقدر ما تتعلق بفكرة تتكرر في حياة كثير من الناس ..
قال إنه التقى خلال دراسته العليا بشخصية استثنائية بكل ما تحمله الكلمة من معنى ..
رجل وهبه الله قدرات يصعب وصفها ..
عملاق في التقنية .. صاحب مكانة علمية رفيعة في تخصصه .. يتقن عدداً من اللغات .. يمتلك مخزوناً معرفياً ضخماً .. ورأساً يضج بالأفكار الإبداعية ..
بل إن الدكتور مسفر يؤكد أنه لم يمر عليه شخص يجمع ذلك القدر من المهارات والقدرات كما جمعها ذلك الرجل ..
ومع كل هذه المزايا .. كانت هناك ملاحظة صغيرة ظلت تستوقفه ..
فكلما رأى ذلك الرجل إنجازاً عند أحد .. أو نجاحاً حققه شخص آخر .. ظهر عليه انفعال غريب ..
وكان الأمر يثير الاستغراب أكثر حين يكون صاحب الإنجاز أقل منه خبرة وقدرة وإمكانات بمراحل ..
ومع مرور الوقت بدأ الدكتور مسفر يكتشف أن القضية ليست موقفاً عابراً .. بل سلوكاً متكرراً ..
سلوكاً يتسلل إلى النفس دون وعي .. ثم يكبر شيئاً فشيئاً حتى يتحول إلى عادة ..
عادة التقليل .. وعادة الهدم .. وعادة مراقبة ما في أيدي الآخرين أكثر من الالتفات إلى ما في اليد نفسها ..
ولأن المحبة الصادقة تدفع صاحبها للنصح .. كان الدكتور مسفر يحاول بين الحين والآخر أن يرسل رسائل غير مباشرة لصديقه ..
فهو يعلم مكانته في نفسه .. ويعلم حجم التقدير الذي يكنه له .. كما يعلم أيضاً مقدار ما يملكه ذلك الرجل من طاقات وإمكانات لو وُجهت في الاتجاه الصحيح لحققت إنجازات استثنائية ..
وكانت العلاقة بينهما قائمة على الاحترام والتقدير المتبادل .. بل إنهما اتفقا ذات يوم على بناء تحالف تدريبي قوي لأن كلاً منهما كان يرى الآخر مكسباً حقيقياً ..
لكن الحياة كانت تخبئ درساً آخر ..
ففي أحد الأيام تلقى الدكتور مسفر اتصالاً من امرأة أخبرته أنها افتتحت مركزاً تدريبياً جديداً بالقرب من الرياض .. وأن عدداً من المختصين رشحوا اسمه ليكون مستشاراً للمركز ..
وكان العرض جيداً .. بل إن الاتفاق وصل إلى مراحل متقدمة ..
وأخبرته أنها سترسل العقد عبر البريد الإلكتروني ليتم توقيعه ..
ثم أوضحت أنها جديدة في عالم التدريب ولا تعرف أسماء المدربين ولا حجمهم الحقيقي ولا من يستحق أن يُستقطب ومن لا يستحق ..
ثم اختفت فجأة ..
انقطع الاتصال تماماً ..
ومرت الأيام .. ثم الشهور .. ثم السنوات .. حتى نُسي الموضوع تماماً ..
وبعد سنتين كاملتين .. وبينما كان الدكتور مسفر في إحدى محافظات المملكة لتقديم برنامج تدريبي .. تلقى اتصالاً من رقم غريب ..
كانت المتصلة امرأة .. بدأت حديثها بعبارة أثارت انتباهه :
“حضرت برنامجك اليوم…”
ثم أتبعتها بزفرة طويلة وقالت :
“حسبي الله على من ظلمك.”
استغرب الدكتور مسفر وطلب منها أن توضح ما تقصده ..
فسألها :
“وش سالفتك؟”
فقالت :
“هل عرفتني؟”
ولم يكن قد عرفها بعد ..
فقالت :
“أنا صاحبة المركز التدريبي التي اتصلت بك قبل سنتين.”
وهنا بدأت الصورة تتضح ..
وأخبرته أن العقد كان جاهزاً بالفعل .. وأنها وزوجها كانا قد اتفقا على التوقيع معه ..
لكن اتصالاً واحداً فقط غيّر كل شيء ..
فقد استشارت أحد المدربين .. فأخبرها ألا تفعل .. وزعم أن هناك من هو أفضل وأكفأ وأكثر خبرة .. وأن الدكتور مسفر أخذ من الشهرة والمكانة ما لا يستحقه مقارنة بغيره ..
وحين نقلت له هذا الكلام بعد سنتين .. كانت تتوقع أن يغضب أو يهاجم أو يطلب معرفة الاسم ..
لكن ردّه كان مختلفاً ..
قال لها بهدوء :
“نعم… كلامه صحيح .”
ثم أضاف :
“في المملكة من هو أكثر خبرة مني وأكفأ مني .”
وحين أرادت أن تذكر له اسم الشخص رفض تماماً وقال :
“لا أريد أن تقعي في دائرة الخطأ مرة أخرى .”
لكن المرأة أكدت له أنها حضرت برنامجه بنفسها .. واستمعت إليه .. ورأت بعينها .. وعرفت حجم الظلم الذي وقع عليه .. وعرفت حجم التقليل الذي مارسه ذلك الشخص في حقه ..
ثم بدأت تذكر معلومات وتفاصيل دقيقة أكدت له هوية ذلك الإنسان الذي كان يعرفه جيداً ..
وهنا لم يكن الألم بسبب ضياع العقد .. ولا بسبب فرصة مهنية فاتت ..
بل بسبب شيء أكبر .. وأشد وجعاً ..
أن يرى الإنسان شخصاً يمتلك كل أسباب النجاح .. ثم يهدر طاقته في مراقبة نجاحات الآخرين ..

وأن يرى موهبة عظيمة تستهلك نفسها في المقارنات والصراعات الصغيرة ..
لذلك واجهه لاحقاً .. وذكّره بكلمات قديمة قالها له يوماً وهما في طريقهما إلى مسجد الجامعة :
“أنت موهوب .”
“أنت شخصية استثنائية . “
“لو أنني تمنيت مهارات أحد من البشر لتمنيت مهاراتك .”
“أنت طاقة هائلة . “
ثم أضاف العبارة التي ربما تختصر الحكاية كلها :
“لكنّك تبدد هذه الطاقة في خلافات تافهة ومواقف بائسة .”
ومرت السنوات .. وانتهت الدراسة .. وبقيت المودة .. وبقي الاحترام ..
لكن بقي معها درس لا يُنسى ..
درس تعلمه الدكتور مسفر من تلك التجربة ..
وهو أن الإنسان قد يُحرم من أعظم ما يملك حين ينشغل بما يملكه الآخرون ..
وقد يخسر مستقبلاً كاملاً وهو يراقب نجاحات غيره ..
وقد يظل واقفاً مكانه سنوات طويلة .. لا لأنه عاجز عن التقدم .. بل لأنه مشغول بالنظر إلى الطرق التي يسلكها الآخرون ..
وحين التقى به بعد سنوات طويلة .. وجد أن الرجل قد تقاعد .. وترك التدريب .. وترك مجالات كثيرة كان يستطيع أن يكون فيها في الصدارة دون منافس ..
لكن الدكتور مسفر حين استعاد القصة لم يكن يتحدث عن خسارة مهنية أو فرصة ضائعة ..
بل كان يتأمل مفارقة إنسانية مؤلمة ..
فالرجل ـ كما وصفه ـ لم يكن شخصاً عادياً يمكن تفسير تعثره بضعف الإمكانات أو قلة الموهبة ..
بل كان من أولئك الذين إذا اجتمع متخصصون لتقييمهم خرجوا في الصفوف الأولى بلا جدال ..
ولذلك ظل السؤال يحيره سنوات :
كيف يمكن لإنسان يمتلك كل هذه القدرات أن يتراجع ؟
وكيف يمكن لعقل بهذه العبقرية أن لا يصل إلى المكانة التي تليق به ؟
ثم جاءت الإجابة مع الزمن ..
لقد كان يستنزف نفسه في معارك جانبية لا تضيف إلى رصيده شيئاً ..
وكان يقضي من وقته في متابعة الآخرين أكثر مما يقضيه في متابعة نموه الشخصي ..
بل إن الدكتور مسفر ذكر أنه كان يندهش حين يسمعه يقول :
“كلما ذهبتَ إلى منطقة أو جهة تدريبية اتصلتُ وسألتُ عنك .”
وكان يتساءل في نفسه :
ما الذي يدفع إنساناً ناجحاً ومتميزاً إلى هذا القدر من تتبع الآخرين ؟
وما الذي سيضيفه إلى مشروعه الشخصي إذا عرف ردود أفعال الناس حول هذا المدرب أو ذاك ؟
لقد كان يملك الوقت والقدرة والطاقة .. لكنه كان يوجه جزءاً كبيراً منها إلى الخارج بدلاً من أن يوجهها إلى الداخل ..
إلى ذاته .. إلى مشروعه .. إلى أحلامه .. إلى مستقبله ..
ومن هنا خرجت إحدى أعمق الرسائل التي حملها الموقف كله :
أن المشكلة ليست دائماً في نقص المهارات .. ولا في قلة الفرص .. ولا في ضعف الإمكانات ..
أحياناً تكون المشكلة في اتجاه البوصلة ..
فالإنسان قد يمتلك كل أدوات النجاح .. لكنه يوجهها نحو مراقبة الآخرين بدلاً من توجيهها نحو بناء نفسه ..
وقد ينشغل بتقييم إنجازات الناس حتى ينسى أن يصنع إنجازه الخاص ..
ثم توقف الدكتور مسفر عند فكرة أخرى لا تقل أهمية ..
فقال إن بعض الناس يحرمون أنفسهم من التطور حين يعلنون لأنفسهم وللآخرين أنهم بلغوا القمة ..
فالذي يظن أنه وصل يتوقف عن التعلم ..
والذي يظن أنه اكتمل يغلق أبواب التغذية الراجعة ..
أما الإنسان الذي يبقى متعلماً مهما كبر فإنه يمنح الآخرين فرصة أن يضيفوا إليه وأن يثروه وأن يكشفوا له ما لا يراه في نفسه ..
ولهذا كان يحذر دائماً من ادعاء النجاح الكامل ..
لأن ادعاء الكمال يقتل النمو ..
أما الاعتراف بالحاجة إلى التعلم فيبقي الإنسان حياً فكرياً مهما تقدم به العمر ..
وكان يؤكد أن الكبار الحقيقيين لا يعرفون الضجيج ولا يكثرون الحديث عن أنفسهم ..
فالمكانة لا تُصنع بالكلام .. والقيمة لا تُبنى بالشعارات ..
والناس تملك عيوناً ترى وعقولاً تميز ..
فلا يمكن تحويل التل الصغير إلى جبل بمجرد تكرار الوصف ..
كما لا يمكن إخفاء الجبل مهما حاول صاحبه التواضع أو الصمت ..
فالإنجاز الحقيقي يفرض نفسه مع الزمن .. والأثر الصادق لا يحتاج إلى إعلان ..
ولهذا بقي ذلك الرجل في ذاكرته درساً لا يُنسى ..
ليس لأنه فشل .. بل لأنه كان قادراً على نجاح أكبر بكثير مما وصل إليه ..
ولأن قصته كانت شاهداً مؤلماً على أن أعظم خسائر الإنسان ليست فيما يفتقده ..
بل فيما يملكه ثم لا يحسن استثماره ..
وهنا لم تكن القصة قصة شخص بعينه ..
بل كانت مرآة صامتة تضع أمام كل واحد منا سؤالاً مؤلماً :
كم من الوقت نصرفه في بناء أنفسنا ؟
وكم من الوقت نهدره في متابعة الآخرين ؟
فبين بناء الذات وشهوة الهدم مسافة قصيرة في ظاهرها .. لكنها قد تصنع فرقاً بين إنسان يترك أثراً لا يُنسى .. وآخر يترك خلفه حسرة لا تنتهي ..

ولم يتوقف الحوار عند هذا الحد .. فبعد أن انتهت القصة بدأت المداخلات تتوالى .. وكل مداخلة كانت تضيف زاوية جديدة للنظر إلى القضية ..

img 20260615 wa0074


فأشارت الأستاذة أمينة محمد المحمود إلى أن النجاح الحقيقي لا يكمن في مراقبة الآخرين وتتبع خطواتهم .. بل في اكتشاف الذات وفهم القدرات واستثمار ما أودعه الله في الإنسان من نعم ومواهب وإمكانات ..
فكلما انشغل الإنسان ببناء نفسه .. اتسعت رؤيته .. وعظم أثره .. وازداد رضاه عن حياته ..

img 20260615 wa0075


وأضافت الأستاذة ازدهار الحايك أن بناء الذات ليس أمراً عابراً .. بل مشروع عمر يحتاج إلى سنوات من العمل المتواصل ..
بناء للأخلاق والقيم .. وبناء للمعرفة والثقافة .. وبناء للمهارات والعلاقات والصحة النفسية والجسدية ..
وأن الانشغال بنقد الآخرين قد يحرم الإنسان من رؤية ما يملكه هو من نقاط قوة تستحق العناية والاستثمار ..
وتحدثت الأستاذة عائشة الزهراني عن أثر المقارنات المبكرة في تكوين هذه المشاعر ..
موضحة أن بعض الأطفال ينشؤون في بيئات تكثر فيها المقارنات بينهم وبين أقرانهم .. فتترسخ في نفوسهم عادة مراقبة الآخرين بدلاً من التركيز على تطوير ذواتهم .. وتكبر معهم تلك المشاعر حتى تصبح جزءاً من طريقة تفكيرهم ونظرتهم للحياة ..
أما الأستاذة شيخة الحمادي فأشارت إلى جانب آخر لا يقل أهمية .. وهو أهمية تقبل النقد ..
فبعض الملاحظات قد تصل بأسلوب لا يعجبنا .. لكنها تحمل في مضمونها حقيقة تستحق التأمل ..
فالناضجون لا يسألون دائماً : هل أعجبني النقد ؟ بل يسألون : هل يوجد فيه ما يفيدني ويجعلني أفضل مما أنا عليه اليوم ؟
وهنا انتقل الحوار إلى قضية مهمة طرحها الدكتور مسفر .. وهي الفرق بين “النقد الجميل” و“النقد الكريه وهو مصطلح أطلقه الدكتور “ ..
فالنقد الجميل ـ كما يراه ـ ينشغل بالمحتوى أكثر من انشغاله بالشخص .. ويركز على السلوك أو الفكرة أو العمل .. ويهدف إلى الإصلاح والتطوير ..
أما النقد الكريه فهو ذلك الذي يطغى فيه الأسلوب على الفكرة .. حتى ينشغل المنقود بالدفاع عن نفسه ومواجهة طريقة الطرح .. وينسى أصل الرسالة التي أراد الناقد إيصالها ..
وضرب مثالاً بسيطاً فقال :
لو أخطأ شخص في كتابة كلمة فقيل له : “يا غبي عندك خطأ إملائي” ..
فإن تركيزه سينصرف إلى كلمة “غبي” .. وسيدافع عن نفسه .. بينما يضيع الهدف الأساسي وهو تصحيح الخطأ ..
وهنا لا يستفيد أحد .. لا الرسالة وصلت .. ولا العلاقة بقيت سليمة ..
ولذلك كان يؤكد أن النقد الكريه قد يكون صحيحاً في مضمونه .. لكنه غالباً لا يحقق أثره .. لأن المتلقي ينشغل بأسلوب الناقد أكثر من انشغاله بمحتوى النقد نفسه ..
ثم عاد الدكتور مسفر إلى فكرة تتكرر كثيراً في الحياة .. وهي فكرة المؤامرة والمظلومية ..
وأوضح أن المشكلة ليست في وجود أخطاء أو ظلم أو محاباة .. فهذه أمور لا ينكرها أحد ..
لكن المشكلة في أن تتحول إلى عدسة يرى الإنسان من خلالها كل شيء ..
فكل نجاح للآخرين يصبح مؤامرة .. وكل ترقية تصبح واسطة .. وكل قرار يصبح استهدافاً شخصياً ..
وحين تستقر هذه الفكرة في العقل .. يبدأ الإنسان بتفسير الحياة كلها من خلالها .. فيفقد القدرة على رؤية الاحتمالات الأخرى .. ويصبح أسير شكوكه أكثر من كونه أسير ظروفه ..
ومن أجمل ما طرحه الدكتور مسفر في نهاية اللقاء تأمله في أسباب التأثير داخل المجموعات البشرية ..
فقد لاحظ أن المشاركين يمكن تقسيمهم إلى ثلاثة أنماط :
النمط الأول : أصحاب الكتلة المعرفية والرأي معاً
وهم الذين يملكون معرفة حقيقية وخبرة وتجربة .. ثم يضيفون إليها رؤيتهم الخاصة وتحليلهم الشخصي .. فيستفيد الناس من معلوماتهم ومن طريقة فهمهم لها في الوقت نفسه .. وهذا أكثر الأنماط تأثيراً ..
النمط الثاني : أصحاب الكتلة المعرفية فقط
وهم الذين يقدمون المعلومة المفيدة والرصينة .. لكن دون رؤية تحليلية واضحة .. ورغم قيمة ما يقدمونه إلا أن تأثيرهم يبقى أقل من النمط الأول ..
النمط الثالث : أصحاب الآراء المجردة من المعرفة
وهؤلاء يكثرون من إبداء الآراء دون أرضية معرفية واضحة .. ولذلك لا تجد كلماتهم أثراً كبيراً لأن الرأي وحده لا يكفي ..
فالإنسان قد يملك رأياً .. لكن القيمة الحقيقية للرأي تأتي من المعرفة التي تقف خلفه ..
وكانت الخلاصة أن المعرفة تمنح الرأي وزنه .. وأن الإنسان كلما وسّع قراءته وتجربته وفهمه للحياة أصبح أكثر قدرة على التأثير .. وأكثر قدرة على بناء ذاته بعيداً عن صخب المقارنات والانشغال بالآخرين ..
وهكذا انتهى ذلك الحوار الطويل .. لكنه ترك سؤالاً يستحق أن يبقى حاضراً في الأذهان :
هل نستهلك أعمارنا في مراقبة ما يفعله الآخرون ؟
أم نستثمرها في بناء أنفسنا وتنمية مواهبنا وتطوير ما نستطيع تطويره ؟

فالإنسان لا يُقاس بما يملكه من قدرات فقط .. بل بما يستطيع أن يفعله بتلك القدرات ..
وقد يملك شخص موهبة عظيمة ثم يبددها في صراعات جانبية .. بينما يملك آخر إمكانات أقل .. لكنه يوجهها في الطريق الصحيح فيصنع بها أثراً يبقى بعده سنوات طويلة ..
وإذا كان عام هجري يطوي صفحاته بالأمس .. وعام جديد يفتح أبوابه اليوم ..
فلعل أجمل سؤال يمكن أن يطرحه كل واحد منا على نفسه ليس :
كم سنة عشت ؟
بل :
ماذا بنيت في تلك السنوات ؟
كم فكرة تعلمتها ؟
كم مهارة أتقنتها ؟
كم خطأ صححته ؟
كم إنسانًا نفعته ؟
كم أثرًا طيبًا تركته خلفك ؟
فالسنون لا تقاس بعدد الأيام التي مرت .. بل بعدد البصمات التي بقيت ..
وما بين عام مضى وعام آتٍ .. يقف الإنسان أمام نفسه وحيدًا .. لا يحمل معه إلا ما بناه فيها ..
أما ما هدمه في الآخرين .. فلن يضيف إلى عمره يومًا واحدًا ..
لهذا كان البناء دائمًا أصعب .. لكنه الطريق الوحيد الذي يستحق أن يُسلك ..
وكان الهدم دائمًا أسهل .. لكنه الطريق الذي لا يصل بأحد إلى شيء ..
فابدأ عامك الجديد ببناء فكرة .. أو مهارة .. أو خلق .. أو علم .. أو أثر ..
فربما تكون أعظم هدية تقدمها للزمن .. أن تترك وراءك شيئًا يبقى بعد رحيلك ..
فالناس ينسون الضجيج سريعًا .. لكنهم لا ينسون الأثر الجميل أبدًا ..

gemini generated image lmng5lmng5lmng5l


📌 بين بناء الذات وشهوة الهدم ..
ليست كل الحكايات تُروى للتسلية .. فبعضها يُروى لأن فيها مرآة قد يرى الإنسان فيها نفسه دون أن يشعر ..
هذا موقف إنساني عميق كتبه الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني واستخلصت منه درسًا لا يتعلق بشخص بعينه .. بل بفكرة قد تهزم الإنسان رغم ما يملك من قدرات ومواهب وإمكانات ..
ولمن أراد قراءة الموقف كما جاء من صاحبه .. دون زيادة أو نقصان .. ودون تفسير أو إعادة صياغة .. فإليكم النص الأصلي كاملًا كما كتب حرفًا بحرف 👇🏻
📖✨


أثر لا يُنسى
جدة .. الثلاثاء غرة محرم ١٤٤٨
١٦ يونيو ٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *