في زيارتي الإشرافية لمدرسة من المدارس التقيت بمدير المدرسة رجل وقور يغطي الشيب كامل وجهه لغته هادئة صوته يبعث الراحة في النفس تعلو وجهه ابتسامة جميلة مشوبة بشيء من القلق علمت من الزملاء انه يحمل درجة الماجستير في الإدارة في أواخر الثمانينات الميلادية كان استقباله لطيفا ويحمل مساحة من التودد الجميل ويبدو ان ذلك خلقه مع الجميع في المدرسة وخارجها
سألته عن المدرسة وعن معلمي الصفوف الأولية فيها فكان رده كما توقعته ان الامور تسير بطريقة طيبة وان المعلمين يقومون بواجبهم على الوجه المطلوب
سألته حول من يرغب ان اقوم بزيارته في بداية زياراتي الإشرافية للمعلمين فقال ان كل المعلمين في جاهزية تامة للزيارة.. لا أدري لماذا ترتاب نفسي من بعض مديري المدراس عندما يصف كل مايدور في مدرسته بالكمال والجمال بشكل يقارب العصمة من الخطأ ناسيا أو متناسيا أن المدرسة ومعلميها وكل العاملين فيها بل ومن يقوم بزيارتها من المشرفين وغيرهم أسرى للضعف والتقصير والزلل.
قمت بزيارة ثلاثة معلمين ذلك اليوم وكما توقعت وجدت الممارسات التدريسية عند اثنين من المعلمين في أدنى درجاتها لايوجد دفتر إعداد الدروس لديهما لا يوجد سجل لتوثيق مشاركات الطلاب لاتوجد وسائل تعليمية تساعد على فهم الطلاب للمهارات لايوجد شيء يشعر أنهما يقومان بالتدريس.
رجعت للمدير وكأنه كان متأكدا مما قد رأيته فلم اقرا في عينيه استغرابا ولم اسمع منه كلمة دفاع عنهما وكان كل ما استطاع ان يقوله الدعاء لهما بالهداية ولذلك طلبت منه أن يستدعيهما لمناقشتهما حول الملاحظات آن الذكر
حضر المعلمان وبدأت في مناقشتهما بعد أن خيرتهما ان يكون الحوار فرديا أو ثنائيا فطلبا ان يكون ثنائيا فقلت كما تحبان خاصة ان الملاحظات واحدة عندهما ( العادة ان اجتمع مع كل معلمة لوحده) لخصت لهما نقاط الخلل والتقصير حاول أحدهما الدفاع بشدة فقلت له اتفهم وجهة نظرك عندما تكون الملاحظة وجهة نظر حول مهارة تدريس معينة لكني لا اتفهم ابدا عندما يكون التقصير في عدم وجود دفتر إعداد الدروس وو
قلت لهما سأقوم بتأجيل التقييم لكما لزيارة لاحقة لكوني لو قمت بتقييمكما اليوم فيجب علي كتابة محضر مصاحب يرصد حالات الاستهتار والتي جزما سيلحقكما منها ضرر قد لا يخطر على بالكما.. هل تعلمان معنى أن تدرس لمدة شهرين من غير ان يصاحبك شيء من أدوات التدريس
سكتا فقلت تقديرا لمديركما سأجعل هذه الزيارة ودية ولن أكتب حرفا واحدا لكن قبل أن أغادر احب تذكيركما بحجم الحرج الذي سببتماه لمديركما الفاضل والذي لا يستحق منكما ان تضعاه في هذا الموقف المحرج
سمعتهما يعتذران له اعتذارا لم أشعر فيه بذرة صدق واحدة ثم غادرا بعد أن خرجا من غرفة الإدارة عبر المدير عن ضيقه من تقصيرهما فقلت له اذا لم أكن مخطئا فسيتكرر الموقف لكوني لم أشعر في عينيهما اي رغبة في التغيير فقال المدير ستجد الأمور كما تحب بإذن الله تعالى فقلت له هل ترغب في مساعدتي هل تخشى من تمردهما هل تخشى من ردود افعالهما فقال لالا الأمور طيبة بإذن الله تعالى
خرجت من المكان وكلي يقين ان المشكلة ليست لدى المعلمين بل لدى مدير يتكتم ويدرك حجم المشكلة لكنه لايطلب المساعدة مع ان اي زائر يمكن أن يدرك حجم الخلل خلال زيارة واحدة كما زادت قناعتي ان الشهادات العليا في الإدارة أو القيادة ليس شرطا ان تصنع قائدا حقيقيا.
جاء موعد الزيارة الثانية وكانت الصدمة فلم يغير المعلمان شيئا مما تم الاتفاق عليه في حين غرق المدير في صمت يشوبه الحرج الكبير مني بل من الموقف اما المعلمان فلم ينيسا ببنت شفة
قلت لهما كنت على يقين انكما لن تغيرا شيئا ويحق لي ان اقوم باي إجراء حماية لحق الطلاب الصغار ويمكنكما الان العودة لصفيكما وعندما انتهي من وضع درجة التقييم سيتم استدعائكما للتوقيع عليها
بعد خروجهما قلت للمدير سأضع لهما درجة منخفضة في التقييم ليكون درسا عميقا لهما وقلت له عندما يشاهدان الدرجة سيصعقان وسأرفض الحوار معهما عندها قم بالتدخل واطلب مني أن اهدا وتشفع لهما
فهم المدير مرادي وكيف يجب أن يسير سيناريو الموقف القادم.. تم طلبهما للحضور واعطيت كل واحد منهما تقييمه الأول ٥٨ من ١٠٠ والآخر ٥٢ من ١٠٠ حاولا مناقشتي فقلت من يرغب في المناقشة حول الدرجة يزورني في المكتب كما أكدت لهما ان الموضوع سيتجاوز الدرجة إلى التحقيق وأمور أخرى
حاولا مناقشتي فأشرت لهما أنني غير مستعد لمناقشة حرف واحد معهما وانهما يمكنهما رفع تظلم للجهة المسئولة ولن يزعجني ذلك
خرج المدير من وراء مكتبه وطلب مني الهدوء وقال لي انا في سن والدك ولن تردني فقط نناقش الموضوع ( كما اتفقت معه) فقلت له لو كانا يحملان ذرة احترام لك ما اوقعوك في الحرج في كل مرة لماذا تشفع فيهما ولم يقدرا ذلك الشيب الذي في وجهك؟
استجبت للمدير فقال أحد المعلمين يا استاذ هل تعرف ان هذه الدرجة ستحرمنا الزيادة السنوية فقلت ليس هذا فحسب بل ستجعلكما تغادران هذه المدرسة إلى مدرسة بعيدة عن مكان سكنكما بمسافة تقصر فيها الصلاة الرباعية وعندها ستعرفون قيمة هذا المدير الراقي النبيل والذي مازال يصر على الدفاع عنكما مع كل ما سببتموه له من حرج
قال المدير فقط نمنحهما فرصة اخيرة فقلت تقديرا لشخصك الكريم لي معهما موعد قريب بعد اسبوع فقط وستكون هي زيارتي الأخيرة للمدرسة
بعد اسبوع زرت المدرسة واذا بدفاتر إعداد الدروس تتراقص على الطاولة فرحة بالألوان المختلفة التي تزينها وكذلك سجلات التحضير وكل ماطلبته وأكثر كان جاهزا
شعرت بغصة وانا أرى استجابتهما للعقاب والتخويف من بشر ضعيف وكان الأولى ان تكون الرقابة والخوف ممن يعلم الظاهر والباطن سبحانه وتعالى.. لا أدري لماذا اتذكر هذين المعلمين عندما اقرا قول الله تعالى ( لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون) انا المدير فكان يتلألأ وجهه بالفرح والسعادة لنهاية الموقف بهذه النهاية التي يراها سعيدة في حين خرجت من المكان وأنا على قناعة كبيرة أنني أعالج جوانب ليست من مهامي وكان يمكن أن نستغل الوقت المهدر بسبب تقصير المدير في جوانب تطويرية للمعلمين.
: انتهى موقف ( مدير من ورق)
وسلاااااااااااااااااااااااااااامتكم
✍️الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني
وهنا يبدأ حديثي أنا .. من ذات الفكرة التي فتحها هذا الموقف .. لأكمل الصورة من زاوية أخرى تؤكد أن الإدارة إنسان قبل أن تكون منصباً .. وأثر قبل أن تكون لقباً .
أثر لاينسى
جدة
السبت ١٣ ذو الحجة ١٤٤٧
٣٠ مايو ٢٠٢٦

