هناك فرقٌ كبير بين أن يتحدث إنسان …
وبين أن يوقظ عقولًا ..
فالمتحدث قد ينتهي كلامه بانتهاء صوته ..
أما صاحب الفكرة …
فقد يبدأ حديثه حين يصمت ..
وهذا ما حدث في ذلك الحوار ..
لم يكن الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني يشرح نظريةً جاهزة ..
ولا يلقي درسًا مكتمل البناء ..
بل كان يتحدث بعفوية عن موقفٍ مرّ به مع بعض الشخصيات المبدعة ..
وكيف أن كلمةً واحدة من كلمات التشجيع قد تتحول عند بعض الناس إلى غذاءٍ نفسي يعيشون عليه ..
حتى إذا انقطعت ظنوا أن قيمتهم قد انقطعت معها ..
ثم مضى الحديث إلى شيءٍ آخر …
شيءٍ بدا عابرًا في ظاهره ..
لكنه كان الشرارة التي أشعلت الحوار كله ..
قال ما معناه :
أحيانًا يضيء لك أحدهم الطريق ..
أو يلهمك ..
بشرط أن تكون لديك القدرة على التقاط الفرصة .
وانتهازها ..
واقتناصها ..
كانت عبارةً قصيرة ..
لكنها لم تمر كما تمر الكلمات ..
بل وقعت في عقول الحاضرين كما تقع قطرة المطر على أرضٍ عطشى ..
فإذا بكل عقلٍ ينبت منها فكرةً مختلفة ..
لم تمضِ دقائق حتى بدأت الردود تتوالى ..
رأت الدكتورة فاطمة الشهراني أن الإنسان قد يكتشف قدراته من خلال الآخرين ..
وأن بعض الفرص تأتي إلينا لأن أحدًا آمن بنا قبل أن نؤمن بأنفسنا ..
ثم أضافت فكرةً أخرى ..
قائلةً إن بعض الفرص قد تطرق أبوابنا دون أن نلهث خلفها ..
هنا توقف الدكتور عند هذه الجملة ..
وكأنه لم يشأ أن يتركها تمر دون تأمل ..
فأجاب بهدوء :
“هذه الفرص التي جاءت من غير تخطيط .. عادةً تذهب كما جاءت .”
ثم أكمل :
“قد تأتي مثل هذه الفرص ..
لكن قد لا نكون جاهزين لها ..
فتذهب لمن هو أكثر جاهزية .”
ثم رسم صورةً لا تُنسى ..
قال :
“هذه الفرص مثل اللقطة ..
لك ..
أو لأخيك ..
أو للذئب .”
ثم أضاف تشبيهًا آخر لا يقل جمالًا :
“وقد تكون مثل الثياب الجاهزة ..
التي لا تملك المواصفات التي توجد في الثياب التي فُصّلت أصلًا على مقاسك .”
ثم ختم فكرته بجملةٍ تختصر فلسفته كلها :
“الفرصة الحقيقية هي التي تلامس شغفًا كبيرًا في انتظارها ..
وقدرةً كاملة تمنع من فواتها .”
وكان يمكن للحوار أن ينتهي هنا ..
لكنه لم ينتهِ ..
لأن الفكرة كانت قد بدأت تعيش حياتها الخاصة ..
استحضرت الأستاذة سناء العليوي قصة يوسف عليه السلام ..
ورأت في الفرصة ميلادًا يخرج من قلب المحنة ..
مستشهدة بقوله تعالى :
﴿اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرًا﴾
ورأت أن الفرص العظيمة قد تُولد من رحم الأزمات ..
أما الأستاذ علاء صابر ..
فلم يقرأ الفكرة من زاوية الميلاد ..
بل من زاوية التوقيت ..
فكتب كلماتٍ آسرةً قال فيها إن أكثر ما يؤلم في الأشياء المتأخرة ليس تأخرها ..
بل وصولها إلينا بعد أن نكون قد غيّرنا قلوبنا ..
وخفّضنا سقف انتظاراتنا ..
وتعلمنا أن نعيش من دونها ..
فالهدايا المتأخرة ..
كما وصفها ..
ليست ناقصةً في قيمتها ..
بل في توقيتها ..
وجاءت الأستاذة مها الشهري لتفتح بابًا آخر ..
فقالت إن النجاح لا يعرف عمرًا ..
وإن الحياة تمنحنا فرصًا قد تمر بنا دون أن نلتقطها ..
فلا بأس أن نبحث عنها من جديد ..
بل أن نصنعها بأيدينا ..
ورأت الدكتورة فاطمة أن الفرص جميلةٌ في كل وقت ..
وأنها قد تأتي في لحظتها الحقيقية ..
مهما بدا لنا أنها تأخرت ..
أما الأستاذة صباح المولد ..
فقد رأت أن بعض الفرص لا تطرق الباب مرتين ..
وأنها تحتاج إلى شجاعةٍ تلتقطها قبل أن تصبح مجرد أمنية ..
وأضافت الأستاذة شفيعة العنزي تعريفًا بديعًا .
حين قالت :
“الفرصة هي الاستعداد الذي يلاقي المبادرة .”
ثم جاءت الأستاذة غيداء عسيري لتختصر الأمر كله في جملة واحدة :
“لا ننتظر الفرص ..
بل نحن نصنعها .”
ولم يكن الأجمل في هذا الحوار اختلاف الآراء ..
بل الطريقة التي تعامل بها الدكتور مع هذا الاختلاف .
فبعد ساعات ..
عاد برسالةٍ صوتية طويلة .
ولم يبدأ بالدفاع عن رأيه ..
ولم يقل :
لقد فهمتموني خطأ ..
بل بدأ باعترافٍ نادر ..
قال إنه أحيانًا لا يكون في أفضل حالاته الذهنية ..
وأن الإنسان قد لا يكون دائمًا في الزاوية التي تمكنه من رؤية الفكرة كاملة ..
ولذلك يفضّل أحيانًا أن يؤجل الرد حتى يعود إليها بعقلٍ أكثر صفاءً ..
ثم قال عبارةً تستحق أن تُكتب بماء الذهب :
“لا أستطيع أن أتهم الطرف الآخر بأن رأيه خطأ ..
فقد تكون المشكلة في نقص فهمي أنا للفكرة .”
توقفت طويلًا عند هذه الجملة ..
لأنها لا تتحدث عن الفرص ..
بل عن أخلاق الفكر ..
عن الإنسان الذي لا يخجل أن يمنح نفسه فرصةً ثانية للفهم ..
قبل أن يمنح نفسه حق إصدار الأحكام ..
ثم عاد يبني فكرته من جديد ..
وقال :
“هناك فرق بين شخص يخطط بشكل صحيح ..
وبين شخص لا يخطط .”
وأوضح أن النجاح ليس زرًا يُضغط عليه ..
ولا وعدًا يملكه الإنسان ..
فالإنسان يملك التخطيط ..
أما النجاح ..
فهو رزقٌ من الله ..
قد يأتي في العشرين ..
وقد يأتي في الثمانين ..
لكن الفرق الحقيقي ليس في زمن النجاح ..
بل في الطريق الذي سلكته إليه ..
ثم قال ما أراه من أجمل ما قيل في الحوار كله :
“هناك فرق بين من يصنع الفرص .. ومن ينتظرها .”
ثم ختمها بجملة قصيرة ..
لكنها تحمل عمرًا كاملًا من الخبرة :
“لا للتعجل الناقص للفرص .”
وهنا لم يعد الحديث عن الفرص وحدها ..
بل عن الإنسان الذي يهيئ نفسه حتى إذا جاءت الفرصة وجدته مستعدًا لها ..
ولم يتوقف الحوار عند هذا الحد ..
بل ارتقى إلى سؤالٍ آخر ..
ربما كان أعمق من السؤال الأول كله ..
قال الدكتور :
“لديّ تفريقٌ شخصي بين النجاح .. وإدارة النجاح .”
ثم فاجأنا بعبارةٍ ستظل ترن في أذني طويلًا :
“النجاح اليتيم .. يبقى متصفًا باليتم .”
كم من إنسان نجح مرة ..
ثم عاش عمره كله يحكي عن تلك المرة ..
وكم من إنسان جعل كل نجاحٍ بدايةً لنجاحٍ آخر ..
ولذلك قال :
“أما النجاح المتوالد .. فهو حقيقة النجاح .”
ثم ختمها بجملةٍ لو لم يقل في ذلك الحوار غيرها لكفته :
“إدارة النجاح تعني ألا أكون أسيرًا للنجاحات السابقة .. بل كل نجاحٍ جديد يطوي غيره وينسيه .”
عندها فقط ..
أدركت أن الحوار لم يكن عن الفرص ..
ولا عن النجاح ..
بل عن الإنسان الذي لا ينتظر الحياة حتى تصنعه ..
بل يصنع نفسه ..
كل يوم ..
حتى إذا جاءت الحياة بما فيها من فرص .
وجدته واقفًا في المكان الذي يليق بها ..
ويليق به ..
ولعل أعظم ما خرجت به من ذلك الحوار كله ..
أن الفكرة الحية لا تُقاس بعدد من اقتنع بها ..
بل بعدد الزوايا التي استطاعت أن توقظها في عقول الآخرين ..
وهذا ما فعله ذلك الحوار ..
فلم يقدّم لنا إجابةً واحدة ..
بل علّمنا كيف نطرح السؤال الصحيح ..
ولعل أجمل ما في ذلك الحوار ..
أن أحدًا لم يكن يحاول أن ينتصر لرأيه ..
كان كل واحدٍ يضيف لبنة ..
ثم يأتي الدكتور ..
فيلتقط تلك اللبنات ..
ويعيد بناء الفكرة من جديد ..
حتى أصبحت أوضح ..
وأعمق ..
وأقرب إلى النفس مما كانت عليه في بدايتها ..
وهنا أدركت أن الأفكار العظيمة لا تُولد مكتملة ..
إنها تشبه البذرة ..
يُلقيها صاحبها في الأرض ..
ثم يأتي الآخرون بمطر تجاربهم ..
وشمس تأملاتهم ..
حتى تكبر ..
ويشتد عودها ..
وتصبح شجرةً يستظل بها الجميع ..
ولهذا لم يكن الحوار درسًا عن الفرص فحسب ..
بل كان درسًا في أدب الحوار ..
وفي زمنٍ أصبح كثير من الناس يدخلون النقاش ليُثبتوا أنهم على صواب ..
كان هذا الحوار يقول لنا شيئًا مختلفًا :
إن الغاية من الحوار ليست أن تنتصر ..
بل أن تقترب من الحقيقة ..
ولذلك لم يتردد الدكتور في أن يقول إنه عاد إلى الفكرة بعد ساعات ..
لأنه ربما لم يكن في أفضل حالاته الذهنية لفهمها ..
كم نحتاج إلى هذا التواضع !
كم من خلافٍ طال ..
وكم من خصومةٍ اشتدت ..
لأن أحد الطرفين لم يمنح نفسه فرصةً ثانية للفهم ..
ومع كل رسالةٍ جديدة ..
لم تكن الفكرة تضيق ..
بل كانت تتسع ..
فإذا بالفرصة لم تعد حدثًا عابرًا ..
ولا بابًا يُفتح أو يُغلق ..
بل أصبحت مرآةً تكشف الإنسان ..
فالذي يعيش بالشغف ..
رآها شغفًا ..
والذي عاش المحنة ..
رآها قميص يوسف ..
والذي خبر الحياة ..
رآها توقيتًا ..
والذي ذاق مرارة التأخر ..
رآها عمرًا ضائعًا ..
والذي آمن بالعمل ..
رآها صناعة ..
ولم تكن أي قراءةٍ منها باطلة ..
لأن الفكرة الصادقة لا تُلغي القراءات المختلفة ..
بل تتسع لها ..
وهنا يكمن الفرق بين الكلمة العابرة ..
والكلمة التي تبقى ..
الكلمة العابرة تُسمع مرةً ثم تنتهي ..
أما الكلمة الحية …
فتدخل كل عقلٍ بصورةٍ مختلفة ..
ثم تخرج منه وهي تحمل لون صاحبه ..
وخبرته ..
وذاكرته ..
وجرحه ..
وأمله ..
ولهذا قلت في نفسي :
ليست أعظم الأفكار تلك التي تُجبر الناس على رأيٍ واحد …
بل تلك التي تمنح كل إنسان فرصةً لأن يرى نفسه فيها ..
ولعل أكثر ما استوقفني في نهاية الحوار ..
أن الحديث لم يعد عن اقتناص الفرص ..
بل عن شيءٍ أكبر ..
عن الاستعداد ..
فالفرصة لا تصنع المبدع ..
إنما تكشفه ..
والنجاح لا يصنع الإنسان ..
إنما يُظهر ما كان قد بناه في نفسه قبل أن يراه الناس ..
ولهذا كان الدكتور يعود مرةً بعد مرة إلى التخطيط ..
وإلى الجاهزية ..
وإلى مراجعة الذات ..
وكأنه يقول لنا ..
دون أن يقولها صراحة :
لا تُضيّع عمرك في مطاردة الأبواب ..
ابنِ نفسك أولًا ..
فإذا جاء الباب ..
وجدك أهلًا لأن تفتحه ..
ولذلك .. حين أغلقت الهاتف بعد انتهاء الحوار ..
لم أشعر أنني خرجت بفكرةٍ عن الفرص فقط ..
بل خرجت بسؤالٍ سيظل يرافقني طويلًا :
هل أنا ممن ينتظرون الفرصة .. أم ممن يُعدّون أنفسهم لها ؟
فقد لا نستطيع أن نتحكم في موعد قدومها ..
لكننا نستطيع أن نتحكم في الإنسان الذي ستكونه حين تأتي ..
وهذا ..
في ظني ..
هو أعظم ما خرجتُ به من ذلك الحوار ..
ثم توقفت طويلًا عند عبارةٍ لم تأخذ حقها من التأمل ..
رغم أنها ربما كانت أخطر ما قيل في ذلك الحوار كله .
قال الدكتور :
“النجاح اليتيم… يقبر صاحبه ويفنيه .”
يا لها من عبارة !
كم من إنسانٍ صنع إنجازًا واحدًا ..
ثم ظل بقية عمره يعيش على ذكراه ..
يعيد روايته ..
ويطلب من الناس أن يصفقوا له كلما مرّ الزمن ..
وكأن النجاح عنده أصبح متحفًا ..
لا حياةً ..
هناك من ينجح مرةً واحدة ..
ثم يبدأ في حماية نجاحه حتى يخسره ..
وهناك من ينجح ..
ثم يعتبر نجاحه الأول مجرد نقطة بداية لنجاحٍ أكبر ..
وهذا هو الفارق الذي كان الدكتور يريد أن يلفت إليه حين فرّق بين النجاح وإدارة النجاح ..
فالنجاح قد يكون حدثًا ..
أما إدارة النجاح فهي منهج حياة ..
قد يستطيع كثيرون الوصول إلى القمة ..
لكن قليلين فقط يعرفون كيف يعيشون فوقها دون أن يسقطوا ..
ولهذا قال :
“من الناس من يملك القدرة على النجاح ابتداءً .. لكنه لا يملك مهارة ديمومته ولا توالده .”
تأملت هذه العبارة كثيرًا ..
فكم من مشروعٍ بدأ قويًا ..
ثم اختفى ..
وكم من معلمٍ لمع اسمه سنوات ..
ثم توقف عطاؤه ..
وكم من كاتبٍ أدهش الناس بكتابٍ واحد ..
ثم لم يكتب بعده ما يوازيه ..
وكم من رياضيٍ وصل إلى القمة ..
ثم انتهى لأنه لم يعرف كيف يدير نجاحه ..
النجاح الأول قد تصنعه موهبة ..
أما النجاح الثاني والثالث والعاشر ..
فلا تصنعه الموهبة وحدها ..
بل تصنعه الشخصية ..
ولهذا قال الدكتور عبارةً أخرى لا تقل عمقًا :
“النجاح الواحد وقته محدود .. ومساحته صغيرة .. وأثره يزول سريعًا .”
في البداية قد تبدو العبارة قاسية ..
لكن الواقع يؤكدها ..
فالناس لا يعيشون على إنجاز الأمس طويلًا ..
العالم كله يتحرك ..
ومن يتوقف ..
يتجاوزه الزمن ..
ولهذا كان يرى أن النجاح الحقيقي ليس النجاح الذي نحتفل به مرةً واحدة ..
بل النجاح الذي ينجب نجاحًا آخر ..
نجاحٌ يلد نجاحًا ..
وفكرةٌ تلد فكرة ..
ومشروعٌ يقود إلى مشروع ..
ولهذا سماه :
“النجاح المتوالد .”
تعبير بديع ..
فالنجاح عنده ليس محطة وصول ..
بل كائنٌ حيٌّ يتكاثر ..
كل نجاحٍ جديد يجب أن يكون ابنًا للذي قبله ..
وإلا أصبح النجاح الأول يتيمًا ..
واليتم .. كما وصفه .. لا يطول به العمر ..
ولم يكن يقصد أن يُلغى الماضي ..
ولا أن يُجحد الجميل ..
بل أن يبقى الماضي سُلَّمًا نصعد عليه ..
لا مقعدًا نجلس فوقه ..
فالنجاح الذي لا يدفع صاحبه إلى الأمام ..
قد يتحول مع الزمن إلى قيدٍ يشدُّه إلى الوراء ..
ولعل أجمل ما في هذا الطرح أنه يحرر الإنسان من أخطر فخ يقع فيه الناجحون ..
وهو فخ عبادة الإنجاز القديم ..
كم من إنسانٍ يعيش على لقبٍ أخذه قبل عشرين سنة ..
وكم من مؤسسةٍ لا تزال تفتخر بما صنعته في الماضي ..
بينما حاضرها فارغ ..
ولهذا قال الدكتور :
“إدارة النجاح تعني ألا أكون أسيرًا للنجاحات السابقة .. بل كل نجاح جديد يطوي غيره وينسيه .”
هذه ليست دعوةً إلى نسيان الماضي ..
بل إلى عدم السكن فيه ..
أن تشكر الله على ما مضى ..
ثم تنصرف إلى ما يجب أن يأتي ..
فالنجاح القديم لا ينبغي أن يكون وسادةً ننام عليها ..
بل سلّمًا نصعد منه ..
وهنا تذكرت شيئًا لم يقله الدكتور ..
لكن الحوار كله كان يقوله ..
أن الإنسان قد يخسر نجاحه ليس لأنه فشل ..
بل لأنه توقف عن النمو ..
فالنهر يبقى نقيًا لأنه يجري ..
أما الماء إذا توقف ..
فسرعان ما يتغير ..
وكذلك الإنسان ..
إذا توقف عن التعلم ..
توقف نجاحه ..
وإذا توقف نجاحه ..
بدأ يعيش على الذكريات ..
ولهذا فإن أعظم ما يمكن أن يهديه الإنسان لنفسه بعد كل نجاح ..
هو ألا يسمح لذلك النجاح أن يكون الأخير ..
ولعل هذا ما جعل الأستاذة خلود حين تحدثت عن مراجعة الذات ..
تربط النجاح بالنضج ..
وجعل الأستاذ علاء صابر يربط النجاح بفقه التوقيت ..
وجعل الأستاذة صباح المولد تربطه بالشجاعة ..
وجعل الأستاذة شفيعة العنزي تربطه بالاستعداد ..
وجعل الأستاذة غيداء عسيري تربطه بصناعة الفرص ..
وجعل الأستاذة مها الشهري تربطه باستمرار السعي مهما تقدم العمر ..
كلهم كانوا يتحدثون عن النجاح ..
لكن كل واحدٍ كان يصف ضلعًا من أضلاعه ..
أما الدكتور ..
فكان يجمع تلك الأضلاع في صورةٍ واحدة ..
صورةٍ تقول :
ليس المهم أن تصل ..
المهم أن تعرف كيف تستمر بعد الوصول ..
وهنا فقط ..
فهمت لماذا قال في بداية حديثه :
“هناك فرق بين النجاح… وإدارة النجاح .”
لم تكن جملةً عابرة ..
كانت عنوانًا لفلسفة كاملة في الحياة ..
ثم جاءت مداخلة الأستاذة عائشة الزهراني …
لكنها لم تكن تبحث عن تعريفٍ جديد للنجاح ..
ولا عن إضافةٍ نظرية إلى ما قيل ..
بل بدا وكأنها شعرت أن وراء تلك الكلمات مساحةً لم تُكشف بعد ..
فقالت بأدب الباحث عن الفهم :
“كيف ؟ ليتك تُسهب دكتور .. بعد إذنك .”
وكان في هذا السؤال ما يميز الأسئلة الحقيقية ..
فهي لا تطلب جوابًا سريعًا ..
وإنما تستدعي ما اختبأ خلف الكلمات ..
ابتسم الدكتور ..
وأجاب بكلمةٍ قصيرة ..
لكنها حملت في طياتها وعدًا أكثر مما حملت جوابًا :
“أبشروا .”
ولعل أجمل ما في كلمة “أبشروا” أنها لا تمنحك المعلومة فحسب ..
بل تمنحك شعورًا بأن المتحدث استشعر مسؤولية البيان ..
وأنه لم يكتفِ بأن يُسمَع ..
بل أراد أن يُفهِم ..
ثم عاد بعد ذلك برسالةٍ صوتية مطولة ..
ولم يكن فيها تكرار لما سبق ..
بل انتقل بالفكرة إلى جانبها العملي ..
قال إن الفرق الحقيقي يظهر حين ننظر إلى التخطيط ..
لا إلى النتيجة ..
وضرب لذلك مثالًا من عالم الأعمال ..
فلو أن شركةً وضعت خطةً علميةً دقيقة ..
وكانت تتوقع أن تبلغ أهدافها بعد ثلاث سنوات ..
ثم يسَّر الله لها النجاح في سنةٍ واحدة ..
فهل يقال إنها كانت متعجلة ؟
قطعًا لا ..
بل يقال إنها أحسنت التخطيط ..
فجاءها التوفيق قبل الموعد الذي توقعته ..
وفي المقابل ..
قد تقضي شركةٌ أخرى عشرين عامًا تتخبط ..
لأنها كلما سلكت طريقًا اكتشفت متأخرة أنه لم يكن الطريق الصحيح ..
وهنا لا يكون التأخر علامة نضج ..
بل علامة على أن البدايات لم تُبنَ على أسسٍ سليمة ..
ومن هنا كان يؤكد أن الإنسان لا يُمدح بطول الطريق ..
وإنما بصحة الطريق ..
فالسنوات وحدها لا تصنع الخبرة ..
بل قد تُطيل الأخطاء إن لم تُراجع ..
ولهذا قال ما معناه :
إن الحكمة ليست أن نكرر تجارب السابقين بحلوها ومرها ..
وإنما أن نبدأ من حيث انتهت خبراتهم ..
لا من حيث بدأت خطواتهم ..
وهنا جاءت مداخلة الأستاذة خلود ..
فرأت أن كثيرًا من الناس لا يصلون إلى الطريق المناسب إلا بعد تجارب طويلة ..
وأن الإنسان قد يكتشف ذاته متأخرًا ..
وافقها الدكتور في أصل الفكرة ..
ثم أضاف ما أكمل الصورة ..
قال إن هذا يؤكد أهمية التخطيط الصحيح منذ البداية ..
فكل تجربةٍ نتعلمها من غيرنا تختصر علينا سنواتٍ من التجربة الشخصية ..
ولهذا كانت المجالس العلمية ..
والحوارات الهادئة ..
والقراءة ..
والاستفادة من خبرات أهل الاختصاص ..
ليست مجرد ثقافةٍ إضافية ..
بل وسيلةً لاختصار العمر ..
فالعاقل لا يصر على أن يكتشف كل شيء بنفسه ..
بل يعدُّ من ذكائه أن يتعلم من أخطاء غيره ..
قبل أن يدفع ثمنها من عمره ..
ثم توقفت عند تلك الفكرة طويلًا ..
ليس لأنها كانت أجمل ما قيل ..
بل لأنها فتحت بابًا آخر لم يكن الحوار قد دخله بعد ..
فالتجربة وحدها لا تكفي ..
والسنوات وحدها لا تصنع الإنسان ..
ولو كانت الأعمار الطويلة كافية لصناعة الحكمة ..
لكان كل كبيرٍ حكيمًا ..
وكل من طال به الزمن خبيرًا ..
لكن الواقع يقول غير ذلك ..
فمن الناس من يكرر الخطأ نفسه عشرات المرات ..
ثم يسمي ذلك “خبرة” ..
ومنهم من يتعلم من خطأٍ واحد ..
فلا يعود إليه أبدًا ..
وهنا يظهر الفرق بين امتلاك الخبرة وامتلاك الحكمة ..
فالخبرة قد تمنحك معرفة ما حدث ..
أما الحكمة ..
فتعلمك لماذا حدث ..
وكيف تمنع تكراره ..
ولهذا كان العلماء يقولون إن العاقل لا يعيش عمره كله في التجربة ..
لأن العمر أقصر من أن يتسع لكل الأخطاء ..
بل يعيش جزءًا من عمره في التعلم ..
فيربح أعمارًا كاملة لم يعشها ..
ولعل هذا هو السر الذي جعل الحضارات تتقدم ..
فكل جيلٍ يبدأ من حيث انتهى الجيل الذي قبله ..
لا لأنه أذكى منهم ..
بل لأنه ورث خبراتهم ..
ولم يضطر إلى إعادة الطريق من أوله ..
أما إذا أصر كل إنسان أن يبدأ من الصفر ..
وكأن الدنيا لم تعرف قبله عالمًا ..
ولا معلّمًا ..
ولا تجربة ..
فإن الزمن سيستهلكه قبل أن يبلغ منتصف الطريق ..
ومن هنا أدركت أن أغلى الفرص ليست دائمًا فرصةَ عمل ..
ولا مشروعًا ..
ولا منصبًا ..
بل قد تكون فرصةً لتغيير طريقة التفكير نفسها ..
فحين تتغير طريقة نظرتك إلى الأشياء ..
تتغير طريقة تعاملك معها ..
ثم تتغير النتائج التي تصل إليها ..
ولهذا فإن بعض الحوارات لا تمنحك معلومةً جديدة ..
بل تمنحك عقلًا جديدًا تنظر به إلى المعلومات القديمة ..
وهذا ..
في تقديري ..
هو الأثر الذي يبقى ..
فالمعلومة قد تُنسى ..
أما الطريقة التي تعلّمت بها كيف تفكر ..
فإنها تبقى معك كلما واجهت موقفًا جديدًا ..
ولذلك لم يكن هذا الحوار ـ في جوهره ـ حديثًا عن فرصةٍ ضاعت ..
أو نجاحٍ تحقق ..
أو تخطيطٍ أحسن صاحبه صنعه ..
بل كان حديثًا عن الإنسان نفسه ..
عن الإنسان الذي لا يكتفي بأن يسأل :
ماذا أفعل ؟
بل يسأل أولًا :
كيف أفكر ؟
لأن الإجابة عن السؤال الثاني ..
كثيرًا ما تختصر الطريق إلى الأول ..
وعندها فقط بدا لي أن أجمل ما خرج به الجميع من ذلك الحوار ..
لم يكن رأيًا انتصر ..
ولا فكرةً غلبت غيرها ..
بل أن كل واحدٍ خرج وهو يرى الحياة من زاويةٍ أوسع مما دخل بها ..
وتلك ..
في ظني ..
هي العلامة التي تميز الحوار الحقيقي ..
فالحوار الناجح لا يخرج الناس متشابهين ..
بل يخرجهم أكثر نضجًا ..
ثم توقفت عند تلك الفكرة قليلًا ..
فالإنسان لا يتعلم دائمًا من كثرة ما يمر به ..
بل من حسن ما يتأمله فيما مر به ..
وقد يختصر عليه حوارٌ صادق ..
أو كلمةٌ من صاحب خبرة ..
سنواتٍ كان سيقضيها في الدوران حول الأخطاء نفسها ..
ولعل هذا هو المعنى الأعمق الذي بقي في نفسي بعد انتهاء ذلك اللقاء ..
فلم يكن الحديث عن فرصةٍ نغتنمها ..
ولا عن نجاحٍ نحققه فحسب ..
بل عن إنسانٍ يهيئ نفسه ..
ويهذب طريقته في التفكير ..
حتى إذا جاءت الفرصة ..
لم يكن نجاحه مصادفة ..
بل ثمرة إعدادٍ سابق ..
وعندها أدركت أن أعظم ما خرجت به من ذلك الحوار ..
ليس فكرةً جديدة ..
بل نظرةٌ جديدة ..
فبعض الحوارات لا تغيّر ما نعرفه ..
بل تغيّر الطريقة التي ننظر بها إلى ما نعرفه ..
وهذا وحده ..
كفيلٌ بأن يجعلها تبقى في الذاكرة ..
بعد أن ينتهي الكلام .

أثر لاينسى
جدة
الخميس ٢ صفر ١٤٤٨
١٦ يوليو ٢٠٢٦

