احيانا أجد ان الحل يكمن في الإنسحاب التوكيدي وليس الانسحاب الهروبي
في هذا الموقف وجدت ان الحل يكمن في الإنسحاب التوكيدي وليس في تصعيد الموقف
في احد الايام كنت في زيارة مدرسة مسائية وبعد الانتهاء من الزيارة ودعت مديرة المدرسة وحال خروجي من المدرسة وجدت شخصا يدخن بشراهة أمام باب المدرسة
عادتي عندما أشاهد أحدا يدخن عند باب المدرسة ان اتجه اليه واقوم بنصحه خاصة عندما تكون المدرسة من المرحلة الابتدائية
والعادة أيضا أن تكون استجابة من يدخنون ايجابية بعد نصحهم وبيان خطورة فعل ذلك الشيء أمام مدرسة للصغار ومدى تاثير ذلك عليهم
ابادلهم الإيجابية بالشكر لهم على تفهمهم والدعاء لهم ان يعافيهم الله منه
لكن صاحبي هذا لم يكن كما تعودت بل كانت ردة فعله مغايرة
في البداية سالته بعد السلام عليه هل انت ولي أمر ام معلم فقال بل معلم
قلت له جزما لا يخفاك خطأ ما تقوم به خاصة انك أمام المدرسة تماما
قال لي هذا أمر لا يخصك وانا اشرب الدخان من مالي وليس من مالك
كان يتكلم بعصبية ويظهر التوتر على كل ذرة في جسده
قلت له مادام هذا ردك فانا مضطر للحديث مع مدير المدرسة بشأنك فقال افعل ماتريد
رجعت للمدرسة وكان المدير مستغربا من رجعتي فقلت له احتاج الحديث معك عن موقف عارض
مدير المدرسة شخصية إيجابية وكان يعمل قبلها موجها طلابيا متميزا ولديه معرفة جيدة بجوانب تعديل السلوك
حدثته عن الموقف فانزعج وقال جزما هو فلان الفلاني قلت لا أعرفه حقيقة
قال ان كان فلان فمن المهم ان أخبرك بشيء عنه وهو ان لديه بنت في السادسة عشرة من عمرها معاقة إعاقة شديدة
وهو متوتر طوال الوقت لكن اريد ان اتأكد هل هو ام غيره
خرج من المكان وعاد بعد دقائق ثم قال نعم يادكتور هو فشلنا الله يهديه
قام يحكي لي قصته من ابنته المعاقة… كنت صامتا كل الوقت استمع له وانا في حالة نفسية صعبة فقد كنت استعرض معاناته مع ابنته وكاني أراه حال دخوله المستشفيات وخروجه منها
التفت الي المدير فقال ماذا تريد أن نفعل معه فقلت لا شيء
قال لكن طريقته في الكلام معك وردوده غير المقبولة تستحق التوقف فقلت لالالا يكفيه ماهو فيه من الهم
لكن هناك نقطة مهمة وهي أنني لن اترك الموقف ينتهي عند هذا الحد حتى لا يفعل ذلك مع اخرين من مشرقين أو إدارة مدرسة أو حتى أولياء امور
طلبت منه استدعاءه فجاء ومازال الغضب يعلو ملامحه
شرحت الموقف للمدير فقال المدير له تعرف يا استاذ ان التدخين ممنوع أمام المدرسة فرد برد جاف على مديره يطلب منه أن يزوده بتعميم يتناول هذا الجانب
انفعل المدير من طريقة المعلم في الكلام فأشرت للمدير ان يهدأ
توليت دفة الحوار وبينت له ان الرجوع عن الخطأ من شيم الكرام وكان يغرق في صمت طويل
توقعت ان كلامي قد فعل فيه فعل السحر خاصة أنني قد بذلت معه كل أساليب الإقناع المحلية والخليجية والعالمية
قال لي استاذ ممكن ان اقول شيئا انا لن ادخن فقط بل ساتناول الحشيش في المدرسة اختصارا للكلام
صعق المدير برده وتحفز للرد القاسي عليه فقلت للمدير انا اكفيك
قلت له اعتقد اني منحتك الكثير لكن حان الوقت لتسمع ما يزعجك
انت لا تدرك انك تجاوزت الحدود الوظيفة وستندم عدد شعر راسك على هذا الكلام الذي معناه ان السكوت عنك خيانة مني لوظيفتي بل للوطن
اقسم بالله ان تندم على هذا الكلام الذي يدل على انك شخص مستهتر وانك مثلك خطر على نفسه وعلى زملائه وعلى الطلاب
قام يصارخ مرددا انكم انتم من استفزني
قلت للمدير جهز محضرا وسجل فيه كامل الموقف وخاصة كلامه انه سيتعاطى الحشيش في المدرسة فقال المدير ابشر
قام المعلم وخرج من المكان غاضبا يتمتم بكلمات غير مفهومة
خرج خلفه المدير وغاب عن المكان دقائق ثم قال دكتور ماذا نكتب في المحضر فقلت لا شيء ولا حرف
قلت له ألم اقل لك بعد أن أخبرتني عن ابنته ان الموضوع انتهى
نعم كان واجبا علي ان اجلس معه وأناقشه واكون حازما معه حتى يعرف أنني عندما اترك الموضوع فإنما أتركه عن قوة وليس عن ضعف
قلت للمدير لن اجمع عليه معاناته مع ابنته المعاقة وبين قضية أخرى لا أشك ان يخرج منها سالما لا وظيفيا ولا أمنيا
كنت أرى في عيون المدير مساحات كبيرة من الشكر لتركي للموقف اشعرتني ان المدير نفسه هو اشفق مني على المعلم
ما أروع مدير المدرسة عندما يكون مشفقا على معلميه وطلابه حتى وان تظاهر بالحزم والشدة
قابلت المدير بعد سنوات في مسجد من المساجد فكان سلامه يفيض بالحب والتقدير والامتنان وكانه هو صاحب المشكلة وليس ذاك المعلم
اذكر أنني عندما خرجت من المدرسة بعد الموقف شعرت بمشاعر مختلطة بين حزن وشفقة وأشياء لا استطيع تفسيرها
وسلامتكم
✍️الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني
ليس كل انسحابٍ هزيمة، كما أن ليست كل مواجهةٍ شجاعة. ففي بعض المواقف، تبلغ القوة ذروتها حين يملك الإنسان القدرة على الحسم، ثم يختار الرحمة، ويستطيع العقاب، ثم يؤثر العفو. في هذه القراءة لن نتأمل حادثةً عابرة، بل سنغوص في فلسفة “الانسحاب التوكيدي”؛ ذلك الانسحاب الذي لا يولد من الخوف، بل من الوعي، ولا يصنعه الضعف، بل تمليه الحكمة، ولا يترك الحق، بل يثبت القدرة على أخذه ثم يتسامى عنه لمصلحةٍ أعظم. فلنقرأ هذا الموقف بعينٍ تستكشف ما وراء الأحداث، وبقلبٍ يزن العدل بالرحمة، والحزم بالإنسانية، لعلنا نكتشف أن أعظم الانتصارات ليست دائمًا في كسب المعركة، بل في معرفة متى وكيف ننهيها.
أثر لاينسى .. جدة .. ١٤٤٧

