هناك أوراقٌ لا نحتفظ بها لأنها ثمينة ..
بل لأنها نجت .
نجت من ضجيج الأيام ..
ومن كثرة التنقل ..
ومن أيدي النسيان التي تمحو أكثر مما تُبقي .
كنتُ أرتب مكتبتي .
وإذا بكتابٍ قديم يسقط من بين صفحاته مرسامٌ صغير ..
تتشبث به ورقةٌ صفراء ..
كتبتُ عليها بخطٍ أعرفه جيدًا ..
لكنه بدا لي غريبًا ..
كأن الذي كتبه امرأةٌ كنتُ أعرفها يومًا ثم افترقنا .
جلستُ على الأرض .
ونسيتُ الكتب التي كنتُ أرتبها .
وصرتُ أتأمل تلك الكلمات .
لم تكن قصيدة .
ولا خاطرة .
ولا اقتباسًا من كتاب .
كانت سطورًا قليلة ..
كتبتها قبل سنوات وأنا أستمع إلى مقطعٍ لا أذكر اليوم اسم صاحبه .
كل ما بقي في ذاكرتي ..
أن شيئًا فيه استوقفني حتى سارعت إلى التقاط مرسامي ..
وكتبت ما خشيت أن يسرقه النسيان .
ابتسمت .
ليس لأنني تذكرتُ المقطع ..
بل لأنني أدركتُ أن الإنسان ينسى الأصوات ..
لكن الأفكار الصادقة تعرف كيف تختبئ ..
ثم تعود إلينا في الوقت الذي نكون أحوج ما نكون إليها .
قرأتُ الورقة مرة .


ثم أعدتُ قراءتها .
فوجدتُ في أعلاها عنوانًا صغيرًا :
«عناصر السعادة خمسة ..»
ولوهلةٍ ظننتُ أنني سأقرأ كلامًا مكررًا ..
من ذلك الذي امتلأت به الكتب والمحاضرات .
لكنني اكتشفتُ أن السعادة هنا لم تكن تُقدَّم بوصفها شعورًا عابرًا ..
بل بوصفها طريقةً في النظر إلى الحياة .
ثم أغلقتُ الورقة قليلًا ..
لا لأتوقف عن القراءة .
بل لأتوقف عن نفسي .
وسألتُ سؤالًا لم يخطر ببالي وأنا أكتب تلك الكلمات قبل سنوات :
لماذا بقيت هذه الورقة وحدها ؟
كم ورقةٍ كتبتُها ثم ضاعت ؟
وكم فكرةٍ أعجبتني ثم ذابت مع الأيام ؟
وكم مقطعٍ سمعته ثم لم يبق منه في الذاكرة شيء ؟
أما هذه ..
فقد بقيت .
ولعلها بقيت لأنها لم تكن تتحدث عن حدثٍ مؤقت ..
ولا عن حماسةٍ عابرة ..
بل عن شيءٍ يعود الإنسان إليه كلما تغيّرت حياته .
وحين قرأتُ العناصر الخمسة مرةً أخرى ..
شعرتُ أنها لا تتحدث عن السعادة كما اعتدنا أن تُقدَّم .
لا تتحدث عن المال .
ولا عن الشهرة .
ولا عن كثرة الإنجازات .
ولا عن السفر .
ولا عن الرفاهية .
بل عن شيءٍ أبسط من ذلك كله ..
وأعمق .
شيءٍ قد نمر به كل يوم دون أن نلتفت إليه .
أدركتُ أن العناصر الخمسة ..
على اختلافها ..
كانت تدور حول محورٍ واحد .
فالعلاقة بالله ..
علاقة .
والعلاقة بالناس ..
علاقة .
والعلاقة بالعمل ..
علاقة .
والعلاقة بالمكان الذي تعيش فيه ..
علاقة .
بل حتى رسالتك في الحياة ..
ليست إلا علاقتك بنفسك ..
وبالأثر الذي تتركه بعدك .
وكأن السعادة لم تكن كامنةً في كثرة ما نملك ..
بل في سلام العلاقة مع ما نملكه .
كم من إنسانٍ يملك عملًا جيدًا ..
لكنه يكرهه .
ويملك بيتًا ..
ولا يشعر فيه بالسكينة .
ويعيش بين أناسٍ يحبونه ..
لكنه لا يعرف كيف يحبهم .
ويتنقل في أرضٍ أكرمته ..
ولا يرى فيها إلا ما ينقصها .
ثم يتساءل بعد ذلك كله :
أين السعادة ؟
ولعل السؤال لم يكن يومًا :
ماذا ينقصني ؟
بل :
كيف أنظر إلى ما بين يدي ؟
فقد يكون الشيء نفسه ..
جنةً في عين إنسان .
وعبئًا في عين آخر .
ومن هنا ..
بدأت أفهم لماذا لم يقل صاحب ذلك المقطع :
“اجمع أسباب السعادة .”
بل بدأ بما هو أسبق من الأسباب كلها ..
ابدأ بعلاقتك بالله .
لأن القلب إذا استقام في علاقته بخالقه ..
استقامت بقية العلاقات تباعًا .
ولم يكن ذلك العنصر الأول مصادفة .
بل كان المفتاح الذي تُفتح به الأبواب كلها .
ولذلك ..
لم يكن غريبًا أن يبدأ صاحب ذلك المقطع بالله .
لم يبدأ بالنجاح .
ولا بالناس .
ولا بالعمل .
ولا حتى بالحديث عن النفس .
بدأ بالله ..
لأن كل علاقةٍ تُبنى بعد ذلك ..
إنما تُبنى على هذه العلاقة الأولى .
وليس المقصود أن يذكر الإنسان ربه بلسانه فحسب ..
بل أن يجعله حاضرًا في ميزان قراراته ..
وفي سريرته قبل علانيته ..
وفي خلوته قبل أن يراه الناس .
فكم من إنسانٍ امتلأت حياته بالأشياء ..
وفرغ قلبه من الطمأنينة .
وكم من إنسانٍ لم تتغير ظروفه كثيرًا ..
لكن تغير قلبه ..
فتغيرت الدنيا في عينيه .
العجيب أن الناس يقضون أعمارهم في إصلاح ما حولهم ..
وقليلٌ منهم من يبدأ بإصلاح ما في داخله .
مع أن الداخل إذا استقام ..
صار الخارج أهون .
ولذلك لم يقل :
اجعل الله في يومك .
بل قال :
اجعل الله نصب عينيك في السر والعلن .
وكأن السعادة لا تبدأ حين تتغير الحياة ..
بل حين يتغير الذي ينظر إليها .
ومن عرف الله في خلوته ..
لم يحتج أن يمثل الطمأنينة أمام الناس .
لأنه يحملها معه حيث كان .
ثم انتقلتُ إلى السطر الذي يليه .
فوجدتُ أن الحديث لم يغادر الفكرة نفسها .
لقد انتقل من علاقتك بخالقك ..
إلى علاقتك بخلقه .
كتب :
“أحب الذين حولك، وتجاوز عن الزلات والقصور .”
وللوهلة الأولى ..
ظننتُ أن المقصود مجرد الدعوة إلى حسن الخلق .
لكنني حين أكملت القراءة ..
وجدتُ السبب .
ليس لأن الناس يستحقون دائمًا أن نعذرهم ..
بل لأن قلوبنا تستحق أن ترتاح .
كم مرةً حملنا معنا كلمةً جارحة ..
فعشنا بها أيامًا .
وكم مرةً دخلنا بيوتنا بأجسادنا ..
بينما بقيت أرواحنا معلقةً بموقفٍ حدث خارجها .
تجلس مع أهلك ..
لكن عقلك ما يزال هناك .
تبتسم ..
لكن في داخلك حوارٌ لم ينتهِ .
تضع رأسك على وسادتك ..
لكن خصومة النهار ما تزال مستيقظة .
ولذلك قال بعدها :
“حتى لا تنقل المشاحنة والنكد معك إلى البيت .. وإلى فراشك .”
يا لها من عبارة !
كم من بيتٍ لم تهدمه المصائب ..
وهدمته المشاحنات التي حملناها معنا من الخارج .
وكم من ليلةٍ سُرقت من أصحابها ..
ليس لأنهم فقدوا شيئًا ..
بل لأنهم عجزوا أن يتركوا خلفهم ما لا يستحق أن يصحبهم .
وأدركتُ أن التسامح ..
ليس هديةً نقدمها للآخرين .
بل راحةٌ نقدمها لأنفسنا .
فبعض الخصومات ..
لا تستحق أن تقضي معها ليلةً واحدة .
فكيف إذا قضيت معها عمرًا ؟
ثم مضيتُ إلى السطر الثالث ..
وكان أكثرها مفاجأةً بالنسبة لي .
لم يكتب :
ابحث عن الوظيفة الأعلى دخلًا .
ولا :
ابحث عن الشهرة .
ولا :
اصنع اسمًا لنفسك .
بل كتب ببساطة :
“أن تحب طبيعة تخصصك، سواء كنت تدرس أو تعمل .”
بدت العبارة عادية .
لكنها كلما مكثتُ معها ..
ازداد ثقلها .
فنحن لا نقضي في أعمالنا ساعةً أو ساعتين .
بل نقضي فيها أجمل سنوات أعمارنا .
نستيقظ من أجلها .
ونخطط لأيامنا على مواعيدها .
ونعود إلى بيوتنا وقد أخذت من قوانا أكثر مما أخذ أي شيءٍ آخر .
فكيف يحتمل الإنسان أن يعيش نصف عمره في مكانٍ لا يحبه ؟
وكيف يرجو السكينة ..
وهو يدخل كل صباحٍ إلى عمله كمن يدخل إلى عقوبة ؟
ولعل أجمل ما في تلك الكلمات ..
أنها لم تدعُ إلى ترك الأعمال الصعبة .
بل دعت إلى أن يجد الإنسان المعنى فيما يفعل .
فالعمل ليس مجرد مصدر رزق .
إنه قطعةٌ من العمر .
وما يُؤخذ من العمر ..
لا ينبغي أن يُعاش على مضض .
ولذلك كتب صاحب الورقة بعد العبارة سببًا صغيرًا ..
لكنه كان كافيًا ليوقظني .
قال :
“لأنه مصدر رزقك، وسمعتك، ووقتك .”
ثم زاد عبارةً بقيت ترن في ذهني طويلًا :
“أنت تقضي فيه من الوقت أكثر مما تقضيه مع نفسك وأهلك .”
توقفت عندها .
كم هي مؤلمة هذه الحقيقة !
قد يمضي الإنسان أربعين عامًا ..
يقضي معظم نهاره في عملٍ لا يحبه .
ثم يظن أن التعب سببه كثرة المسؤوليات .
بينما قد يكون سببه أنه يعيش عمره في مكانٍ لم يُصالح قلبه عليه .
وليس معنى ذلك أن الحياة ستمنح كل إنسان العمل الذي يحلم به .
فالحياة ليست بهذه المثالية .
لكنها تمنح كل إنسان فرصةً أن يصنع معنىً فيما بين يديه .
فقد لا تختار دائمًا المكان الذي تبدأ منه ..
لكن بإمكانك أن تختار الروح التي تعمل بها .
ولذلك بقيت العبارة التي ختم بها ذلك السطر أجمل من كل ما قبله :
“كن جميلًا .. ترَ الوجود جميلًا .”
ولم أفهمها على أنها دعوةٌ إلى التفاؤل الساذج .
بل على أنها تذكيرٌ بأن كثيرًا مما نراه في العالم ..
إنما هو انعكاسٌ للطريقة التي ننظر بها إليه .
فالقلب الممتلئ بالامتنان ..
يرى ما يغيب عن القلب الممتلئ بالتذمر .
وقد يكون المكان واحدًا ..
والعمل واحدًا ..
والناس هم الناس ..
لكن الذي تغيّر ..
هو الإنسان نفسه .
ثم وصلتُ إلى السطر الرابع ..
وكان أكثرها غرابة .
كتب :
“بلدك الذي تُرزق فيه .. لا الذي وُلدت فيه .”
أغلقتُ الورقة مرةً أخرى .
ليس لأنني اختلفت معه ..
بل لأنني أردت أن أفهمه .
فنحن نولد في مكان ..
لكننا لا نعيش فيه بالضرورة .
وقد تأخذنا الأيام إلى مدنٍ لم نكن نعرف أسماءها .
ونبني فيها بيوتًا .
وتنشأ فيها صداقاتنا .
وتكبر فيها أحلامنا .
وقد يُكتب لأولادنا أن يولدوا فيها .
فتصبح جزءًا من ذاكرتنا ..
كما كانت المدينة الأولى جزءًا من طفولتنا .
ولذلك لم يكن المقصود أن ينسى الإنسان أرضه الأولى .
فالحنين غريزة .
ولا أن يتخلى عن جذوره .
فالجذور لا تُقتلع من القلب .
وإنما كان يريد أن يحرر الإنسان من شعورٍ خفي ..
يجعله يعيش في المكان الذي رزقه الله فيه ..
وكأنه ضيفٌ مؤقت .
ينتظر الرحيل أكثر مما يفكر في العطاء .
وكأن قلبه بقي معلقًا بمكانٍ تركه منذ سنوات ..
بينما عمره كله يُكتب في مكانٍ آخر .
تأملت هذا المعنى طويلًا .
كم من إنسانٍ يأكل من خير أرض ..
ثم لا يرى فيها إلا عيوبها .
ويشرب من مائها ..
ثم لا يذكر لها فضلًا .
ويجد فيها أمنه ..
ثم يعيش كأنه لا ينتمي إليها .
مع أن الامتنان ..
ليس للمكان وحده .
بل لله الذي ساق إليه رزقك من خلال ذلك المكان .
فالبلاد لا تكتسب قيمتها من حدودها ..
بل مما تصنعه في أرواح الذين يعيشون فيها .
وقد يكون الإنسان بعيدًا عن مسقط رأسه ..
لكنه قريبٌ من رسالته .
وقد يبقى في المدينة التي وُلد فيها ..
لكنه يظل غريبًا عن نفسه .
فليس الانتماء ..
أن تعرف اسم المكان .
بل أن ترد بعض جميله .
وأن يكون لك فيه أثرٌ طيب ..
كما كان له في حياتك أثر .
ولعل أجمل ما في هذه الفكرة ..
أنها تعلم الإنسان أن يتوقف عن الحياة المؤجلة .
فبعض الناس يعيش دائمًا على كلمة :
“حين أعود .”
وحين أستقر ..
وحين تتغير الظروف ..
وحين ..
وحين ..
حتى يمضي العمر كله ..
وهو ينتظر حياةً لم يبدأها .
بينما الحياة ..
كانت تمضي كل يوم أمامه .
في المكان الذي ظنه محطة ..
وكان في الحقيقة ..
فصلًا كاملًا من عمره .
ثم وصلتُ إلى السطر الأخير ..
وكان أقصرها .
لكنه كان أثقلها جميعًا .
كتب :
“إذا لم تأتِ بجديد إلى الدنيا .. فأنت عبءٌ عليها .”
أعدتُ قراءة الجملة أكثر من مرة .
ليس لأنها قاسية ..
بل لأنها صادقة .
فالإنسان لا يُقاس بطول عمره ..
ولا بكثرة ما جمع .
ولا بعدد الذين عرفوا اسمه .
بل بما تركه بعد أن مر .
وليس المقصود بالجديد ..
أن يخترع كل واحدٍ منا اختراعًا .
ولا أن يؤلف كتابًا .
ولا أن يصبح مشهورًا .
فكم من أناسٍ غادروا الدنيا ..
ولم يكتبوا سطرًا واحدًا .
لكنهم كتبوا أنفسهم في قلوب الناس .
وكم من معلمٍ غرس كلمةً ..
فغيّرت حياة طالب .
وكم من أمٍ ربّت إنسانًا صالحًا ..
فامتد أثرها بعد رحيلها بعشرات السنين .
وكم من عاملٍ أتقن عمله ..
فكان إتقانه رسالةً لا تقل قيمةً عن آلاف الكلمات .
إن الجديد الذي تحتاجه الدنيا ..
ليس دائمًا شيئًا لم يكن موجودًا .
قد يكون إنسانًا يؤدي ما بين يديه بإخلاصٍ لم يكن موجودًا .
وقد يكون خلقًا جميلًا ..
في زمنٍ قلّ فيه الجمال .
وقد يكون رحمةً ..
في وقتٍ اشتد فيه القسوة .
وقد يكون فكرةً ..
أضاءت طريق إنسانٍ كاد أن يضل .
عندها فقط ..
فهمت لماذا جاءت هذه العبارة في آخر الورقة .
لأنها لم تكن تدعونا إلى البحث عن السعادة لأنفسنا وحدها .
بل إلى أن تتحول سعادتنا ..
إلى أثر .
فالإنسان الذي أصلح علاقته بالله ..
واطمأن قلبه مع الناس ..
وأخلص في عمله ..
وامتنّ للمكان الذي احتضن عمره ..
لن يقف عند حدود نفسه .
سيبدأ تلقائيًا ..
في إضافة شيءٍ إلى هذه الحياة .
ولو كان صغيرًا .
فالدنيا لا تتغير دائمًا بالأعمال الكبيرة .
بل تتغير أحيانًا ..
بإنسانٍ واحدٍ أدى رسالته كما ينبغي .
وأغلقتُ الورقة ..
وأعدتُها إلى مكانها .
لكنني لم أعد كما كنت قبل أن أفتحها .
لقد كانت خمس جملٍ فقط ..
ومع ذلك ..
لم تكن تتحدث عن السعادة كما ظننت أول الأمر .
كانت تتحدث عن الحياة ..
كما ينبغي أن تُعاش .
وعن الإنسان ..
كما ينبغي أن يكون .
وربما لهذا السبب ..
نجت تلك الورقة من النسيان .
لأن الكلمات الصادقة لا تعيش في الأدراج ..
بل تعيش في أصحابها .
وتعود إليهم ..
كلما احتاجوا أن يتذكروا الطريق .
أغلقتُ الورقة ..
وأعدتُها برفقٍ إلى مكانها بين صفحات الكتاب .
لكنني أدركتُ ..
في تلك اللحظة ..
أنني لم أُعدها إلى حيث كانت ..
بل أخرجتُها من مكانٍ ضيق ..
لتسكن مكانًا أوسع .
في القلب .
حين بدأتُ ذلك الصباح أرتب مكتبتي ..
كنتُ أظن أنني أرتب كتبًا تراكم عليها الغبار .
لكنني حين انتهيت ..
شعرتُ أن الذي ترتب في الحقيقة لم يكن الرفوف .
بل شيءٌ في داخلي .
ترتبت علاقتي بالله .
وبالناس .
وبعملي .
وبالمكان الذي أعيش فيه .
وبالسؤال الذي سأتركه خلفي حين أمضي .
وأدركتُ أن السعادة ليست محطةً نصل إليها آخر الطريق ..
بل الطريقة التي نسير بها في الطريق كله .
وليست في كثرة ما نملك ..
بل في حسن علاقتنا بما وهبنا الله .
وربما لهذا ..
نجت تلك الورقة من النسيان .
لا لأنها كانت أجمل ورقةٍ كتبتها .
ولا لأنها حملت كلماتٍ معقدة .
بل لأنها جاءت في وقتها ..
ثم عادت إليّ في وقتٍ كنتُ أشد حاجةً إليها .
ولعل بعض الكلمات خُلقت لهذا تمامًا ..
أن تغيب سنوات ..
ثم تعود ..
فتوقظ فينا إنسانًا كاد أن ينام .
ولهذا ..
لا أخشى عليها من الضياع بعد اليوم .
فالورقة التي تُحفظ في الأدراج ..
قد تضيع .
أما الورقة التي تسكن القلب ..
فلا يطويها النسيان .
اثر لاينسى
جدة
الاربعاء ١ صفر ١٤٤٨
١٥ يوليو ٢٠٢٦

