● حين نقرأ 🌿📖

screenshot ٢٠٢٦٠٦١١ ١٧٥٧٤٨ gallery


ثمة أبواب لا تُفتح بالمفاتيح .. بل بصفحة تُقلب .. وسطر يُقرأ .. وفكرةٍ تلامس القلب فتوقظه من سباته الطويل .
والقراءة واحدة من تلك المعجزات الهادئة التي لا تُحدث صخبًا .. لكنها تغيّر الإنسان من الداخل حتى لا يعود كما كان .
ليست القراءة شغفًا مؤقتًا يملأ فراغ الوقت .. ولا هوايةً مؤقتة نتباهى بها أمام الآخرين .. بل رفيقة عمر تنمو معنا كلما مضينا في الحياة .. ورحلةٌ عميقة نحو اتساع الروح ونضج العقل وصفاء النظرة إلى الحياة
إنها اليد الخفية التي تمسك بأرواحنا حين تضيق بنا الطرق .. وتهمس لنا بأن العالم أكبر مما نرى .. وأن الإنسان يستطيع أن يعيش أعمارًا كثيرة وهو لم يغادر مقعده  .
القارئ الحقيقي لا يقرأ ليجمع المعلومات كما تُجمع الأشياء في المخازن .. بل يقرأ ليبني نفسه حجرًا فوق حجر .. وفكرة فوق فكرة
مع كل كتاب جيد يصبح أكثر هدوءًا .. وأرحب أفقًا .. وأقدر على فهم الناس والحياة  .
فالقراءة لا تمنحنا المعرفة فحسب .. بل تمنحنا الحكمة في استخدام تلك المعرفة
وحين نتأمل سير العظماء نجد خلف إنجازاتهم ساعات طويلة قضوها بين الكتب
كانوا يدركون أن النجاح لا يولد فجأة .. بل ينمو في ظلال المعرفة .. وأن العقول الكبيرة تُصنع بالكلمات قبل أن تُصنع بالمواقف ..
لذلك كانت القراءة بالنسبة لهم أسلوب حياة لا نشاطًا موسميًا .
ومع ذلك فإن كثيرين يظنون أن المشكلة في ضيق الوقت .. بينما الحقيقة أن الوقت يتسع عندما نعطيه قيمة  .
نحن نجد الوقت حينما نحب .. ونؤجل ما لا ندرك أهميته  .
ولو عرف الإنسان ما يمكن أن تصنعه صفحة واحدة في مسار حياته لما تردد في منح الكتاب جزءًا من يومه .
القراءة ليست سباقًا في عدد الكتب .. ولا منافسة في سرعة الإنجاز .. بل علاقة وثيقة تنمو بهدوء  .
قد تبدأ بدقائق قليلة في يوم مزدحم .. ثم تتحول إلى رفيق دائم لا تستغني عنه
كتاب في حقيبتك .. وآخر على طاولتك .. وثالث ينتظرك قبل النوم  .
وهكذا يصبح الكتاب جزءًا من تفاصيلك الصغيرة .. ثم جزءًا من شخصيتك كلها
ومن أجمل ما تهبه القراءة للإنسان أنها تعلّمه التواضع  .
فكلما ازداد علمًا أدرك اتساع المجهول .. وكلما قرأ أكثر اكتشف أن المعرفة بحر لا شاطئ له .
ولهذا يبقى القارئ الحقيقي تلميذًا للحياة مهما بلغ من العمر أو المكانة  .
إن الأمم لا تنهض بالصدفة .. ولا تُبنى بالأمنيات وحدها .. بل تُبنى بعقول تعرف .. وتسأل .. وتفكر .. وتقرأ
والبيت الذي يرى فيه الأبناء كتابًا مفتوحًا في يد أب أو أم يختلف كثيرًا عن بيت غابت عنه الكلمات وحضرت فيه الشاشات وحدها
فالقدوة الصامتة أبلغ من آلاف النصائح
ولأن القراءة حياة فإن الانقطاع عنها يشبه إغلاق النوافذ في غرفة واسعة .
قد يبقى الإنسان حيًا .. لكنه يحرم نفسه من الهواء والضوء واتساع الأفق  .
أما حين يقرأ فإنه يمنح روحه فرصة جديدة للنمو .. ويمنح أحلامه أجنحة أبعد .. ويمنح أيامه معنى أعمق  .
لذلك لا تبحث عن الوقت المناسب للقراءة .. بل ابدأ من حيث أنت  .
افتح كتابًا يلامس اهتمامك .. واقرأ صفحة اليوم وصفحتين غدًا .. ثم دع المعرفة تأخذ بيدك إلى آفاق لم تكن تتخيلها .
فالحكاية كلها قد تبدأ بسطر .. لكنها ربما تنتهي بإنسان جديد  .
وما زلت أؤمن أن أعظم رحلة يمكن أن يخوضها المرء ليست إلى مدينة بعيدة .. ولا إلى قارة مجهولة .. بل إلى نفسه
والقراءة هي الطريق الأجمل إلى تلك الرحلة
التي لا تكتمل إلا حين نقرأ .

أثر لاينسى
جدة
الخميس ٢٥ ذو الحجة ١٤٤٧
١١ يونيو ٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *