في اليوم الوطني 🇸🇦 ..
حين تكثر الكلمات عن الوطن ..
وتُرفع الرايات ..
وتأتي الرسائل محمّلة بالمحبة والانتماء ..
خطر لي أن هناك شيئًا آخر .. أن يحتفل الإنسان أيضًا بقدرته على مراجعة فكرته ..
أن يتحرر من فكرة قديمة ظل يحملها سنوات ..
لا لأنها صحيحة ..
بل لأنها اعتادت أن تسكنه ..
أن يتحرر من حكمٍ جاهز ..
ومن خوفٍ ورثه ..
ومن قناعة لم يختبرها ..
ومن إجابةٍ حفظها حتى نسي أن يسأل : هل هي فعلًا الإجابة ؟
ولعل هذا ما جعلني أتوقف طويلًا أمام صورة عصفورٍ مقيد ..
كان يستطيع أن يطير ..
لكن القيد كان أقرب إليه من جناحيه ..

وهكذا الإنسان أحيانًا ..
لا تمنعه الحياة من التحليق ..
وإنما تمنعه فكرة ..
ومن هنا بدأت حكاية صغيرة في قروب «مدربون ومدربات مبدعات» ..
بدأت بكلمات من الأستاذة نورة ..
معلمة الرياضيات في المرحلتين المتوسطة والثانوية ..
حين قالت إن القبول الشخصي موجود والباب مفتوح ..
لكن الحاجز النفسي مع مادة الرياضيات نفسها هو المعركة الحقيقية التي تخوضها كل يوم لكسر رهبتها ..
قالت إن بعض الطالبات يدخلن إلى الرياضيات محمّلات بمخاوف قديمة ..
وبـ«إرهاب فكري» تراكم عبر سنوات ..
وكان يمكن للحوار أن ينتهي عند إجابة مألوفة :
الطالبات يخَفن الرياضيات ..
والمعلمة تحاول أن تجعلها ممتعة ..
وانتهى الأمر ..
لكن الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني لم يذهب إلى الإجابة السهلة ..
سألها :
«أي مادة؟»
قالت :
«رياضيات .. »
ثم سأل سؤالًا بدا في ظاهره بسيطًا ..
لكنه فتح بابًا واسعًا :
«هل المشكلة لديك أم لدى الطالبة ؟ »
ثم قال :
«يظهر لي أن المشكلة لديك .. »
لم تكن المسألة اتهامًا للأستاذة نورة ..
ولهذا كان من أجمل ما قاله لاحقًا وهو يشرح قصده :
«أنا هنا أناقش فكرك لا شخصك .. »
هذه الجملة وحدها تستحق أن تُعلّق في كثير من مجالسنا ..
لأننا في أحيان كثيرة لا نعرف كيف نفرّق بين نقد الفكرة ونقد صاحبها ..
فإذا ناقشنا رأيًا شعر صاحبه أننا نهاجمه ..
وإذا اختلفنا مع فكرة ظن صاحبها أننا اختلفنا معه هو ..
لكن الفكر شيء ..
وصاحبه شيء آخر ..
يمكنني أن أحترمك ..
وأقدّر تجربتك ..
وأحفظ لك مكانتك ..
ثم أقول لك بهدوء :
دعنا نختبر الفكرة ..
وهذا بالضبط ما حدث ..
كانت الأستاذة نورة تتحدث من واقع ميداني تراه كل يوم ..
والدكتور مسفر كان يناقش معها الفكرة من زاوية أخرى ..
لا ليهزم رأيًا برأي ..
وإنما ليضع أمامها وأمام المجموعة سؤالًا من أسئلة التفكير العلمي :
من قال إن المشكلة عند الطرف الآخر ؟
قال لها إن من أبجديات التفكير ألا نستبعد أنفسنا من دائرة الاحتمال ..
وهنا أخذ الفكرة إلى مساحة أكبر بكثير من الرياضيات ..
قال :
حين نتخوف من مشكلة ..
نجعل جميع الأبعاد موطن اتهام ..
فلو وجدنا ضعفًا لدى الطالبات في نواتج التعلم ..
قد نضع كل العناصر أمامنا :
المعلم ..
المدير ..
الطالب ..
بيئة المدرسة ..
المنهج ..
وغير ذلك ..
ثم يقول كل طرف :
أنا لا ..
المعلم يقول : المشكلة ليست عندي ..
والطالب يقول : ليست عندي ..
والمدير يقول : ليست عندي ..
والجميع يقول : أنا بريء من المشكلة ..
فماذا يحدث ؟
قالها ببساطة :
«هنا يجب أن نبحث عن أطراف أخرى من المتوقع أن يكونوا هم السبب… هذه هي كل الحكاية .. »
ليست كل مشكلة تبحث عن مذنب جاهز ..
بعض المشكلات تبحث عن عقلٍ شجاع يقبل أن يضع نفسه ضمن الاحتمالات ..
حتى الإنسان الخبير ..
حتى المعلم المتميز ..
حتى المدرب ..
حتى المدير ..
حتى الشخص الذي أمضى سنوات طويلة وهو يظن أنه يعرف ..
وقد تكون هذه من أثقل الحقائق على النفس :
أن تكون جيدًا في عملك لا يعني أنك خارج دائرة الاحتمال ..
ولكي يجعل الفكرة أوضح ..
ضرب الدكتور مسفر مثال المحقق الجنائي ..
قال : لو وقعت جريمة في بيت ..
وكان في البيت أب وأم وأخت وخادمة وسائق ..
وقُتل أحد أفراد الأسرة ..
ثم جاء المحقق وقال : مستحيل أن تكون الأم ..
أو مستحيل أن يكون الأب ..
فإنه بذلك خالف أبجديات التفكير ..
المحقق لا يبدأ من العاطفة ..
لا يقول : هذه أم ..
إذن مستحيل أن تقتل ..
ولا يقول : هذا أب ..
إذن لا يمكن أن يكون متهمًا ..
بل يضع الجميع في دائرة الاحتمال ..
ليس لأن الجميع مذنبون ..
وإنما لأن البحث العلمي لا يسمح لك أن تخرج أحدًا من دائرة الفحص قبل أن تتحقق ..
ثم تأتي الأدلة ..
يسأل الأب :
أين كنت وقت الجريمة ؟
يقول : كنت مسافرًا إلى فرنسا قبل الجريمة بأربعة أيام ..
ولم أعد إلا بعدها بأربعة أيام ..
فتأتي التذاكر ..
ويُتصل بالخطوط السعودية ..
وتُراجع الجهات الأمنية ..
وتتطابق المعلومات ..
عندها يخرج الأب من دائرة الاشتباه ..
ليس لأن المحقق «يرتاح له» ..
وإنما لأن الدليل أخرجه ..
ثم تأتي الأم ..
أين كنتِ ؟
وهكذا يستمر التفكير ..
وهنا تعود الفكرة إلى المدرسة ..
حين يأتي الطالب ويقول :
المشكلة عند المعلم ..
وحين يأتي المعلم ويقول :
المشكلة عند الطالب ..
وحين يأتي ولي الأمر ويقول :
المشكلة ليست عندي ..
وحين يقول المدير :
ليست عندي ..
فالتفكير العلمي لا يصفق لأحدهم ..
ولا يمنحه البراءة لمجرد أنه قالها بثقة ..
بل يقول :
قد تكون المشكلة منك ..
وقد تكون من المعلم ..
وقد تكون من المدير ..
ثم نتحقق بطريقة علمية ..
وهذه ليست قسوة ..
بل عدل مع الحقيقة ..
ولهذا قال الدكتور مسفر للأستاذة نورة ..
حين قالت إنها متمكنة جدًا من الرياضيات وتتمنى أن تزرع حب المادة في قلب الجميع :
«حبة حبة ..»
ثم وضع قاعدة أعمق :
«قاعدة في علم التدريس.. مخاوف المعلم من المادة سببها في الغالب قصور في توصيل المادة ..»
ثم استدرك بما يمنع التعميم :
قد تكون المعلمة متميزة في المعرفة بالمادة ..
لكنها ليست قوية في مهارات تقديمها ..
وهنا ينفصل شيئان كثيرًا ما نخلط بينهما :
أن تعرف المادة ..
وأن تعرف كيف تجعل الآخر يتلقاها ..
قد يمتلئ رأس الإنسان بالمعلومة ..
لكن المعلومة لا تصل بالضرورة إلى قلب المتعلم وعقله بالطريقة نفسها التي وصلت بها إلى عقل المعلم ..
وهذا ليس خاصًا بالرياضيات ..
قد يحدث في اللغة ..
في العلوم ..
في التربية ..
في الإدارة ..
وفي الحياة كلها ..
ثم قالت الأستاذة نورة إن المادة تصل ..
وإن الطالبات يحققن المطلوب ..
لكن هناك عدم تقبل سابق ..
وهنا جاءت من الأستاذة نوال فكرة أن السابق له دور كبير ..
وأن بعض الطالبات قد تعودن على أوراق محدودة المعلومات ..
فيرفضن لاحقًا الطريقة الصحيحة للمادة والاستذكار ..
فقال الدكتور مسفر :
«لماذا الجزم؟»
ثم كررها بصورة أكثر وضوحًا :
«الجزم يثير الشكوك ..»
لم تفهم الأستاذة نورة في البداية ما الذي يقصده تحديدًا ..
ظنت أن المقصود ألا نعمم فنقول إن الجميع فهم ..
فقالت له :
«تفضل علمني دكتور .. »
وهنا شرح الفكرة التي أظن أن الحوار كله كان ينتظرها :
«في علم التفكير عندما نتخوف من مشكلة نجعل جميع الأبعاد موطن الاتهام .. »
هذه العبارة أوسع من المدرسة بكثير ..
كم مرة حدثت مشكلة في بيت ..
فقلنا فورًا : السبب الابن ؟
أو الزوجة ؟
أو الزوج ؟
أو الأب ؟
كم مرة تعثر مشروع ..
فقلنا : الموظفون ؟
المدير ؟
السوق ؟
الظروف ؟
وكم مرة تعثر إنسان ..
فبحث عن السبب في كل شيء إلا نفسه ؟
ربما لأن الإنسان يستطيع أن يرى عيوب الآخرين بسهولة أكبر من قدرته على رؤية العيب حين يكون قريبًا جدًا من عينيه ..
ولهذا كان من أذكى ما في حديث الدكتور مسفر أنه لم يقل :
المشكلة عندك ..
بل قال ..
في المعنى :
ضع نفسك ضمن الاحتمالات ..
ثم احكم بعد ذلك ..
حتى إنه نقل القاعدة إلى تجربته الشخصية ..
قال : لو انخفض عدد المتدربات في أحد البرامج التي يقدمها ..
فلن يأتي مباشرة ليقول :
المتدربات لا يهتممن ..
أو جئن من أجل الشهادة ..
بل يسأل نفسه أولًا :
هل يمكن أن أكون أنا السبب ؟
هل طريقتي ؟
أسلوبي ؟
منهجيتي ؟
تأخري في الشهادات ؟
أي تفصيل في التجربة ؟
كل هذه الاحتمالات يجب أن تكون أمامه ..
وهنا يتحول الإنسان من محامٍ عن نفسه إلى باحث عن الحقيقة ..
وهذا تحول عظيم ..
فالمحامي يريد أن يثبت براءته ..
أما الباحث فيريد أن يعرف ماذا حدث ..
ولهذا قال الدكتور مسفر إنه حين يقول عن نفسه «معلم خبير» أو «مدرب» لا ينبغي أن يتخذ هذه الصفة جدارًا يحميه من المراجعة ..
فالخبرة لا تعني العصمة ..
والسنوات لا تعني أن الإنسان لا يخطئ ..
واللقب لا يغني عن الدليل ..
والنجاح السابق لا يضمن صحة كل ممارسة لاحقة ..
ثم حدث شيء جميل جدًا في الحوار ..
قال الدكتور مسفر للأستاذة نورة :
«أنا أتوقع أنك متميزة .. »
وأوضح للأخوات في المجموعة أنه كان لديه يقين بأنها معلمة متميزة في الرياضيات ..
لكنه لم يرد أن تفهم معلمات الرياضيات أو اللغة العربية أو التربية الإسلامية أن المشكلة دائمًا عند الطالبات ..
لم يكن يريد أن يقول :
المعلم هو المشكلة ..
كما لم يكن يريد أن يقول :
الطالب هو المشكلة ..
كان يريد أن يقول :
ضع الاحتمال .. ثم تحقق ..
وهذه ربما واحدة من أكثر القواعد الإنسانية عدلًا :
لا تبرّئ نفسك بسرعة ..
ولا تدين غيرك بسرعة ..
اترك الحقيقة تأخذ وقتها ..
ثم جاء في التسجيل الصوتي ما يجعل الحوار نفسه مثالًا على الفكرة التي كان الدكتور يدافع عنها ..
قال :
«على فكرة خواتي ترى بقولكم سر .. روعة القروب وقيمته في مثل هذه النقاشات .. »
ثم استغرب ممن يستوحشون من النقاش ..
وكأنهم يتناقشون في أمور حساسة أو خطرة ..
وقال :
«لازم نتناقش ..
إذا ما تناقشنا لن يستفيد بعضنا من بعض ..»
وهنا ظهرت قيمة القروب الحقيقية ..
ليس أن يدخل كل شخص وهو يبحث عن تصفيق لرأيه ..
وليس أن تكون الطبطبة هي اللغة الوحيدة ..
وليس أن نقول لبعضنا :
كلامك جميل ..
رائع ..
صحيح ..
ثم ننصرف وكل واحد يحتفظ بالقناعة نفسها ..
قالها الدكتور بوضوح :
إذا بقي كل شخص على قناعته ..
فما فائدة أن نجتمع أصلًا ؟
قد يكون كلام الأستاذة نورة هو الصحيح ..
وقد يكون كلامه هو الخطأ ..
وقد يكون جزء من كلامها صحيحًا وجزء من كلامه صحيحًا ..
قد يكون هو مصيبًا في ثلاثة أرباع الفكرة ..
وهي مصيبة في الربع الآخر ..
وقد يحدث العكس ..
وهنا تكون الفائدة ..
ليس في أن ينتصر أحد ..
بل في أن تصل الفكرة إلى صورة أكثر اكتمالًا ..
وهذه نقطة لو فهمها الإنسان في حياته لتغيرت علاقاته كلها ..
في البيت ..
في المدرسة ..
في العمل ..
بين الأصدقاء ..
وفي المجالس ..
نحن نحتاج إلى أن نتعلم كيف نقول :
ربما ..
قد أكون مخطئًا ..
لم أنتبه لهذه الزاوية ..
أرني دليلك ..
دعني أفكر ..
ربما عندك جزء من الحقيقة ..
هذه ليست علامات ضعف ..
بل علامات عقل حي ..
أما القناعة التي لا تسمح لنفسها بأن تُسأل ..
فقد تتحول مع الوقت إلى قيد ..
ولهذا قال الدكتور مسفر عبارته التي لا أظن أنني أستطيع تجاوزها :
«من يتهرب من النقاشات سيموت بقناعات الطفولة ..»
يا لها من عبارة !
قد يكبر الجسد ..
وتتسع المسؤوليات ..
وتتغير الوظيفة ..
وتتبدل المدن ..
وتكثر الشهادات ..
وتزداد سنوات الخبرة ..
لكن بعض الأفكار تظل في العمر نفسه الذي وُلدت فيه ..
فكرة ورثناها ..
خوف تعلمناه ..
حكم سمعناه ونحن صغار ..
تصور لم نراجعه ..
ثم كبرنا به حتى أصبح جزءًا من شخصيتنا ..
فأصبح تغييره مؤلمًا لا لأنه صحيح ..
بل لأنه قديم ..
وهنا يصبح السؤال أكثر إزعاجًا :
هل كل ما أؤمن به الآن وصل إليّ بعد تفكير ؟
أم أن بعضه وصلني وأنا صغير ..
ثم لم أعد أجرؤ على فتحه ؟

العصفور في الصورة لا يحتاج إلى جناحين جديدين ..
يحتاج فقط إلى أن يفك عنه القيد ..
والإنسان كذلك أحيانًا ..
لا يحتاج إلى حياة جديدة ..
ولا إلى شخصية جديدة ..
ولا إلى أن يهدم كل ما يعرف ..
ربما يحتاج فقط إلى أن يراجع فكرة واحدة كانت تقف في طريقه ..
أن يقول :
كنت أظن أن الرياضيات مخيفة ..
ثم أسأل : هل هي مخيفة حقًا ..
أم أنني تعلمت الخوف منها ؟
كنت أظن أن هذا الإنسان لا يمكن أن يخطئ ..
ثم أسأل : هل عندي دليل ؟
كنت أظن أن المشكلة دائمًا في الآخرين ..
ثم أسأل : هل وضعت نفسي ضمن الاحتمالات ؟
كنت أظن أنني أعرف ..
ثم أسأل : هل أعرف فعلًا ؟
كنت أظن أن الاختلاف يعني الخلاف ..
ثم أتعلم أن الاختلاف قد يكون الطريق الذي يكشف لي ما لم أره ..
وهنا يصبح النقاش تربية ..
ليس للطلاب وحدهم ..
بل لنا نحن أيضًا ..
يعلّمنا أن نكبر من الداخل ..
أن تتسع صدورنا للفكرة الجديدة دون أن نتخلى عن عقولنا ..
أن نختلف دون أن نهدم الود ..
أن نصحح دون أن نجرح ..
أن نراجع دون أن نهين ..
أن نبحث عن الحقيقة لا عن انتصار الذات ..
والأجمل أن الأستاذة نورة نفسها قالت في نهاية الحوار إن فكر الدكتور محل احترام ..
وإن ما يطرحونه جميعًا يصب في مصلحة تطوير العملية التعليمية وفهم أبعادها المعقدة ..
فكان الاحترام حاضرًا ..
والاختلاف حاضرًا ..
والتعلم حاضرًا ..
وهذا هو الشكل الذي ينبغي أن تكون عليه الحوارات التي تستحق أن تعيش ..
ليست كل قناعة مقدسة ..
وليست كل فكرة قديمة خاطئة ..
وليست كل فكرة جديدة صحيحة ..
لكن كل فكرة تستحق أن تُسأل :
لماذا ؟
وكل حكم يستحق أن يُراجع :
ما الدليل ؟
وكل مشكلة تستحق أن نضع أمامها أكثر من احتمال :
من يمكن أن يكون السبب ؟
حتى أنا ..
نعم ..
حتى أنا ..
ولعل هذه هي النقطة التي خرجت بها من الحوار كله :
أن الإنسان لا يتحرر فقط حين يخرج من سجنٍ من حديد ..
بل قد يتحرر حين يخرج من فكرةٍ ظلت تحكمه سنوات ..
أن يتحرر من قناعة طفولية لا تسمح له بالنمو ..
من خوفٍ قديم ..
من تعميمٍ سريع ..
من جزمٍ لا دليل عليه ..
من رغبة في تبرئة الذات ..
من حساسية تجعل كل نقاش معركة ..
ومن ذلك الصوت الداخلي الذي يقول :
أنا أعرف ..
قبل أن يمنحه فرصة لأن يسأل :
هل أعرف حقًا ؟
وفي اليوم الوطني ..
ونحن نتحدث عن وطنٍ يتقدم ويتجدد ..

ربما من الجميل أن نسأل أنفسنا أيضًا عن وطننا الداخلي :
هل ما زالت فيه أفكار قديمة تقيده ؟
هل ما زلنا نحمل خوفًا لم يعد له مكان ؟
هل ما زلنا نعيش بإجابات أخذناها من غيرنا دون أن نختبرها ؟
هل نسمح لأبنائنا وبناتنا أن يناقشونا ؟
هل نسمح لزملائنا أن يصححوا لنا ؟
هل نستطيع أن نقول أمام من نحترم :
قد أكون مخطئًا ؟
ربما لا يكون النضج أن نمتلك الكثير من القناعات ..
ربما يكون النضج أن نعرف أيها يستحق أن يبقى ..
وأيها آن له أن يرحل ..
فالطائر لا يكتشف السماء حين ينبت له جناحان ..
بل حين يفكّ عنه القيد ..
والإنسان لا يبدأ عمره الجديد حين تتغير الدنيا من حوله ..
بل حين يجرؤ على مراجعة الفكرة التي ظلّت تمنعه من الطيران ..
ولعل أجمل ما يمكن أن نتركه للأجيال ليس قائمة طويلة من الإجابات ..
وإنما عقلًا لا يخاف من السؤال ..
وقلبًا لا يخاف من الاختلاف ..
ونفسًا لا تستوحش من المراجعة ..
لأن القناعات التي لا تُختبر قد تكبر معنا ..
لكنها لا تكبر بنا ..
أما الإنسان الذي يسمح لفكرته أن تدخل غرفة النقاش ..
وأن تُسأل ..
وتُراجع ..
وربما تُصحح ..
فهو إنسان لا يزال حيًا من الداخل ..
وهذا هو الأثر الذي بقي معي من حديث الدكتور مسفر مع الأستاذة نورة :
لا تجعل نفسك خارج دائرة الاحتمال ..
لا تجعل قناعتك أكبر من الحقيقة ..
ولا تهرب من النقاش .. فقد يكون الحوار هو الباب الذي تدخل منه إلى نسخة أكثر نضجًا منك ..
فكّ القيد ..
ثم اترك للفكرة الصحيحة أن تطير .

اثر لاينسى
جدة
الخمبس ١٣ ربيع الثاني ١٤٤٨
٢٤ سبتمبر ٢٠٢٦


المقال جمال جداً ومؤثر لكن صعب فهم هاذه الامور عند كثير من المجتمع المتعلمين نحتاج لوقت لفهم هاذه الامور لدينا من المعلمين والمعلمات وشكراً جزيلاً على هاذا الطرح
شكرًا لك .. 🌷