🌿 مايبقى بعد أن نمضي 🕊️

1790141593461


هناك لقاءات تنتهي حين ينتهي التصفيق ..
ولقاءات أخرى تبدأ بعد أن يُسدل الستار ..
تنتهي الكلمات ..
وتغادر الأجساد مقاعدها ..
وتنطفئ أضواء المنصة ..
ويعود كل شيء إلى هدوئه ؛
لكن شيئًا من بعض اللقاءات يظل معلّقًا في الذاكرة ..
كأن الحوار لم يكن حديثًا عابرًا بين رجلين ..
بل نافذة فُتحت فجأة على زمن كامل ..
أغلقتُ تسجيل اللقاء ..
لكنني لم أستطع أن أغادر الكلام ..
كان فيه من المعنى ما يجعل نسيانه خسارة ..
ومن التفاصيل ما يجعل المرور عليه مرة واحدة لا يكفي ..
وربما لهذا بقي ذلك الحوار في ذاكرتي أطول مما توقعت ؛
فلم يكن مجرد حديث عن الأمن والتاريخ ..
ولا استعادةً لصفحات من سيرة وطن ورجاله ..
بل كان شيئًا أوسع من ذلك …
كان حديثًا عن الإنسان حين يصنع التاريخ ..
وعن التربية حين تتحول من كلمات إلى سلوك ..
وعن العلم حين يصبح أثرًا ..
وعن المسؤولية حين لا تنتهي بانتهاء المنصب ..
فبعد أن استمعت إلى الحوار الذي جمع صاحب السمو الملكي الدكتور فيصل بن مشعل بن سعود بن عبدالعزيز ..
أمير منطقة القصيم ..
بالأستاذ أحمد بن عبدالمحسن العساف ..
الكاتب والباحث في السيرة الذاتية ..
ضمن مؤتمر «حوار الأمن والتاريخ 2026» ..
شعرت أن بعض الكلام لا يكفي أن نسمعه فقط. ..  بل نحفظه ونورثه جيلًا بعد جيل .
كان الأستاذ أحمد العساف يسأل ..
وكان سمو الأمير يجيب ..
وبين السؤال والإجابة كانت تتسع مساحة التأمل ؛
حتى بدا الحوار .. في لحظاته المتتابعة ..
وكأنه يفتح نافذة بعد أخرى:
على الأمن ..
وعلى التاريخ ..
وعلى تربية الرجال ..
وعلى العلم والتنمية ..
وعلى الإدارة والأمانة …
ثم .. في آخر الطريق ..
على الإنسان نفسه ..
وعندها لم يعد السؤال فقط:
ماذا قيل في ذلك اللقاء؟
بل: ماذا يبقى من الكلام بعد أن ينتهي اللقاء؟
ربما يبقى منه معنى ..
وربما تبقى منه سيرة ..
وربما تبقى كلمة يعاد التفكير فيها بعد انطفاء المنصة ..
ولهذا أعود إلى الحوار ..
لا لأعيد روايته كما قيل ..
وإنما لألتقط ما شعرت أنه يستحق أن يبقى ..
بدأ الأستاذ أحمد من منطقة بعيدة عن السؤال المباشر ؛
بدأ من العراقة …
عراقة آباء ..
وعراقة مؤسسة تجاوز عمرها بضعة قرون ..
وعراقة حضارة وثقافة ..
وعراقة علم جمع السياسة والتأليف في السياسة الشرعية والحكم المحلي والأمن والتاريخ ..
وعراقة عمل امتد في وزارة الدفاع ثم في إمارة القصيم لعقدين ..
وعلاقة قرب من زعماء البيت السعودي ورجال الدولة الكبار ..
وكان في مقدمته معنى لافت:
أن الإنسان قد يتعلم من مجالس الرجال وتجاربهم ما لا تمنحه قاعات الجامعات وحدها ..
حتى نُقل عن سمو الأمير أن قربه من بعض رجال الدولة وتعليمه على أيديهم منحه من المعرفة ما يفوق ما تعلمه في جامعات المملكة وأمريكا ..
ثم رحّب بالأمير ..
وكأن السؤال الحقيقي لم يكن قد بدأ بعد ..
أما الأمير فيصل بن مشعل ..
فبدأ حديثه بالحمد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ..
ثم عبّر عن سعادته باستضافته في المؤتمر ..
وشكر التوجيهات التي أسهمت في إقامة هذا اللقاء ..
مشيرًا إلى توجيه ومتابعة صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سعود بن نايف بن عبدالعزيز ..
وزير الداخلية ..
الذي وصفه بأنه العرّاب الحقيقي لمثل هذا المؤتمر ..
وأثنى على فريق العمل وحسن اختيار التوقيت  ؛
فالمؤتمر جاء قبل اليوم الوطني بأيام ..
في توقيت يفتح بابًا للتأمل في مادة تاريخية ..
وفي استنباط كثير من المعلومات عن الوطن ..
ثم قال جملة بدت لي كأنها المفتاح الأول للحوار كله:
«الأمن والتاريخ وجهان لعملة واحدة.»
فلا تاريخ بلا أمن ..
ولا أمن بلا تاريخ ..

لو لم يكن هناك أمن ..
لما أمكن للتاريخ أن يُكتب ويستقر ويُحفظ ..
ولو لم يكن هناك اهتمام بالتاريخ ..
لما بقيت للأمم ذاكرتها ..
ولما استطاعت أن تعرف كيف وصلت إلى ما هي عليه ..
ومن هنا لم يكن المؤتمر عنده مجرد فعالية تُقام ثم تنتهي ..
بل بصمة وطنية ..
وتمنى أن تتكرر نسخ هذا المؤتمر عامًا بعد عام ؛
لأن الأجيال متعطشة إلى معرفة المزيد عن الأمن والتاريخ في هذا الوطن ..
وهنا بدأ الأستاذ أحمد يفتح الباب الأول ..
سأل عن الركيزة التي يرتكز عليها الأمن في المملكة العربية السعودية ..
فجاءت الإجابة من زاوية تتصل بالأساس الذي ذكره الأمير:
أن الدول كلها تسعى إلى تحقيق الأمن والاستقرار لشعوبها ومجتمعاتها ..
لكن في المملكة يقوم الأمر .. بحسب حديثه ..
على مرجعية دينية وتشريعية تتمثل في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ..
وما يرتبط بذلك من تطبيق للحدود ..
واستشهد بالآية الكريمة:
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
ثم قارن بين دول شهد فيها استعدادات أمنية وقوات وأجهزة وكاميرات وإمكانات ..
ومع ذلك بقيت الجريمة المنظمة في صعود ..
رابطًا ذلك في حديثه باختلاف المرجعيات والأنظمة ..
وكانت الفكرة التي أراد إيصالها واضحة في سياق حديثه:
أن الأمن لا يصنعه السلاح وحده ..
ولا الكاميرا وحدها ..
ولا الجهاز وحده ؛
بل تصنعه أيضًا المرجعية التي يقوم عليها النظام ..
والعدل ..
وتطبيق النظام ..
وردع الجريمة ..
ثم انتقل الحوار إلى سؤال أكثر قربًا من الذاكرة الشخصية ..
الأستاذ أحمد لم يسأل الأمير عن الملك عبدالعزيز بوصفه مؤسس دولة فحسب ..
بل بوصفه أبًا يربي أبناءه ..
وقائدًا يصنع رجالًا سيحملون بعده مسؤولية دولة ..
وهنا دخل الحوار منطقة شديدة الإنسانية ..
كيف كان الملك عبدالعزيز يتعامل تربويًا مع أبنائه؟
وكيف كان يربيهم على الأمن والتنمية؟
وقبل أن يجيب الأمير ..
اعترف بصعوبة الحديث عن الملك عبدالعزيز ..
وقال ما معناه إن الرجل بحر ..
وإن كل من حاول الحديث عنه سيجد أن ما يعرفه لا يرقى إلى مكانته ..
ومهما قيل فيه ومهما كتب عنه ..
فإنه يبقى فريدًا من نوعه ..
ثم استوقفه عنوان كتاب: «معجزة فوق الرمال» ..
مشيرًا إلى أن العنوان نفسه يشي بحجم ما شاهده مؤلفه من أحداث ومنجزات وتوحيد لهذا الوطن ..
لكن الأمير لم يتوقف عند البطولة وحدها ..
عاد إلى الأب ..
قال إن علاقة الملك عبدالعزيز بأبنائه كانت علاقة أبوية ..
لكنها في الوقت نفسه كانت علاقة أب رحيم بشعب بأكمله ؛
فالملك .. في تصوره ..
لم يكن يرى أبناءه وحدهم أبناءه ..
بل كان الشعب السعودي كله في معنى من المعاني أسرته وأبناءه ..

وكانت التربية بالفعل ..
بالصلاة ..
بطاعة الله ..
بمخافة الله ..
بإقامة الحدود ..
بالعدل ..
بالرحمة ..
بالعطف ..
وبالتعامل الحسن ..
لكن الرحمة لم تكن تعني غياب الحزم ..
فإذا أخطأ أحد الأبناء ..
لم يكن القرب منه سببًا لتعطيل النظام ..
وهنا جاءت القصة التي بقيت في الحوار كأنها حبة ضوء ..
ذكر الأمير أن أحد المستشرقين في أيام الملك فيصل طلب أن يقابل أحد المعاصرين للملك عبدالعزيز ..
فذهب إلى الأمير سلمان بن محمد ..
وسأله: ماذا لديك عن الملك عبدالعزيز؟
وكان الرجل كبيرًا في السن ..
معروفًا بالشجاعة والبطولة ..
وعاصر الملك عبدالعزيز ..
فقال للمترجم إن هناك خصلتين في عبدالعزيز لم يرهما في حياته ..
أما الأولى فهي:
العفو عند المقدرة .
وأما الثانية فهي:
صلة الرحم .
وقال إن هاتين الخصلتين تحديدًا لم ير لهما مثيلًا ؛
أما بقية الصفات من الدين والشجاعة والطيبة وغيرها ..
فمجالاتها واسعة ..
لكن هاتين الخصلتين تركتا عنده أثرًا خاصًا ..
ولعل المفارقة الجميلة هنا أن الرجل لم يذكر القوة أولًا ..
ذكر العفو ..
ولم يذكر اتساع النفوذ ..
ذكر صلة الرحم ..
وكأن بعض الرجال لا تبقى عظمتهم في الأشياء التي استطاعوا أن يأخذوها ..
بل في الأشياء التي استطاعوا أن يمنحوها وهم قادرون على المنع ..
ثم عاد الأمير إلى مقولة كان الملك سلمان يرددها ..
وأصبحت بالنسبة له جزءًا من منهج العمل:
«الحزم أبا العزم أبا اللزم أبا الظفرات، والترك أبا الفرك أبا الحسرات» .
فالحزم إذا اقترن بالالتزام أفضى إلى الظفر ..
بينما ترك الأمور والتفريط فيها يقودان إلى الندم ..
وقال إنه من إعجابه بهذه المقولة وضعها في لوحات وعلقها في أماكن متعددة وفي مكتبه ؛
لأنها تختصر لديه معنى مهمًا:
لا تهاون في إقامة الحق، لكن الحزم لا ينفصل عن العدل.
وهذه ربما من أجمل نقاط الحوار ؛
لأن الحزم وحده قد يتحول إلى قسوة ..
واللين وحده قد يتحول إلى تفريط ..
أما الحزم مع العدل ..
فيصنع نظامًا يستطيع أن يستمر ..
ثم دخل الأستاذ أحمد إلى تفصيل أكثر قربًا:
هل يمكن أن يأخذنا سمو الأمير ..
ولو لدقائق ..
إلى داخل بيت الملك عبدالعزيز؟
إلى علاقته بأبنائه وأحفاده؟
وجاءت الصورة مختلفة عن صورة القائد البعيدة ..
كان قريبًا من الجميع ..
يسأل عنهم ..
يستفسر عن أحوالهم ..
يتحرى نواقصهم ..
وكان أبناؤه يجتمعون عنده ..
حتى إن من العادات التي أشار إليها الأمير اجتماع الأبناء حوله بصورة منتظمة ..
وكانت هناك رسائل وبرقيات عفوية تأتيه من أسرته وزوجاته وأبنائه ..
واستحضر الأمير كتابًا لعبدالعزيز التويجري ..
وأشار إلى ما ورد فيه من صور هذه العفوية والبساطة ..
حتى إن إحدى الرسائل كانت من زوجة تكتب له عن حاجتهم إلى القهوة ..
وإلى الفرش ..
وإلى بعض احتياجات البيت ..
رسائل بسيطة جدًا ..
لكنها تكشف حياة كاملة ..
فالتاريخ لا يسكن دائمًا في الوثائق الكبرى ..
أحيانًا يسكن في رسالة قصيرة ..
في طلب قهوة ..
في فرشة ديوان ..
في سؤال أب عن ابنه ..
في أم تكتب إلى زوجها ..
وفي بيت كبير ..
لكن تفاصيله اليومية تشبه تفاصيل كل البيوت ..
ثم جاءت صورة أخرى أشد دلالة في تربية الأبناء ..
كان العقاب على ترك الصلاة أمرًا جادًا ..
وذكر الأمير أن أبناءً كانوا يُسجنون في المصمك بسبب التأخر عن الصلاة ..
واستشهد بزيارة للأمير نايف رحمه الله للمصمك ..
فقال إنه زاره مرة بوصفه زائرًا ..
لكنه زاره في مرة أخرى وهو مسجون بأمر والده بسبب تأخره عن الصلاة هو وأحد إخوانه ..
الصلاة هنا ليست تفصيلًا هامشيًا في التربية ..
إنها خط أحمر ..
كما أن صلة الرحم ..
والسؤال عن الأبناء ..
والعدل ..
والانضباط ..
ليست عناوين منفصلة ؛
بل كانت أجزاء من منظومة تربوية واحدة ..
ثم أخذ الأستاذ أحمد الحوار إلى التنمية ..
وهنا ظهرت صورة أخرى للملك عبدالعزيز ..
لم يكن الانتماء إلى الماضي عنده رفضًا للمستقبل ..
بل كان قادرًا .. كما ورد في الحوار ..
على التمييز بين الثابت الذي يحفظ الهوية ..
والمتغير الذي يفتح أبواب التنمية ..
خرج معترضون على البرقية ..
واعترض آخرون على الراديو ..
ورأى بعض الناس في السيارة أمرًا غريبًا أو مخالفًا ..
لكن الملك عبدالعزيز لم يجعل الخوف من الجديد حاجزًا أمام الدولة ..
واختار مواكبة العصر ..
وهذه نقطة تستحق التأمل بعيدًا عن تفاصيل التاريخ:
الحفاظ على الهوية لا يعني إغلاق النوافذ .
ثم ذكر الأمير مشروع الزراعة في الخرج ..
واستقدام خبراء من أمريكا ..
والبدء في الأبحاث الزراعية وإرشاد المزارعين والمشروعات الزراعية ..
وتحدث عن التعامل مع الشركات الأجنبية في التنقيب عن البترول ..
وأشار إلى البعثات التي بدأت مبكرًا ..

وإلى الأطباء والعلماء الذين بدأ إرسالهم إلى الخارج منذ عهد الملك عبدالعزيز ..
ثم استمرت هذه المنهجية في عهود الملوك من بعده ..
وكان المعنى الذي تكرر في حديثه أن التنمية لم تبدأ فجأة في زمن قريب ؛
بل كان لها تفكير مبكر ..
وأن الاستثمار في العلم كان من البدايات التي صنعت أجيالًا وصلت لاحقًا إلى مواقع علمية وتعليمية وإدارية ..

ثم ذكر مؤسسة النقد ، التي أسسها الملك عبدالعزيز ، بوصفها من المؤسسات المبكرة في هذا المجال ..
لكن ربما كانت أجمل صورة للتعليم في ذلك الحوار هي تلك التي جاءت من الصحراء ..
فالملك عبدالعزيز ، حين يخرج إلى البر ، كان أبناؤه يفرحون ؛ يظنون أن الرحلة إجازة ..
لكن المدرسة تذهب معهم ..
كان يصطحب المعلم ، ويضع لهم خيمة، ويستمر التعليم ..
يخرجون إلى الصحراء، ويتعلمون الفروسية والعادات والتقاليد والحياة ، لكنهم لا يتركون التعليم ..
وكأن الرسالة كانت واضحة:
الحياة نفسها مدرسة ، لكن هذا لا يعني أن نتخلى عن العلم .
بل إن التعليم يمكن أن يمشي معنا إلى الصحراء ..
يمكن أن يكون تحت الخيمة ..
يمكن أن يرافق الفروسية ..
يمكن أن يسكن في الرحلة ..
ويمكن أن يصبح جزءًا من الحياة بدل أن يكون غرفة منفصلة عنها ..
ثم جاءت النقلة الأخيرة ..
الأستاذ أحمد، بعد أن أخذ الحوار من التاريخ إلى التربية، ومن التربية إلى التنمية، عاد إلى الحاضر ..
إلى تجربة الأمير نفسه في إمارة منطقة القصيم، وإلى أكثر من عشرين عامًا من العمل، وإلى سؤال الأمن والتنمية داخل الإدارة ..
هنا اختصر الأمير تجربته في عنصرين سماهما من أبجديات النجاح الإداري:
التنسيق والتحفيز .
قال إن العمل قد ينجح حتى لو كان أفراده في قارات مختلفة، إذا كان التنسيق حاضرًا ..
وقد يفشل أربعة أشخاص يجلسون في مكتب واحد إذا غاب التنسيق بينهم ..
ثم تحدث عن التحفيز ..
أن تقول للمحسن:
أحسنت
وأن تقول لمن يعمل معك:
شكرًا
فالكلمة الصغيرة قد تفتح في الإنسان رغبة في عمل آخر ..
والإدارة ليست دائمًا برقية وصادرًا وواردًا وانتظارًا للرد ..
أحيانًا يكفي الهاتف ..
يتصل المسؤول بزميله ..
ينسقان ..
يُنجزان ..
وتنتهي المعاملة في دقائق أو ساعات بدل أن تتوه في ممرات الورق ..
ثم جاءت عبارة أخرى أحبها الأمير، ويكررها لزملائه:
« ربعٍ تعاونوا ماذلوا »
فالتعاون ليس مجاملة إدارية ..
إنه طريق إلى الثمرة ..
إذا تعاون الناس وصلوا إلى الهدف ..
وإذا انقطعت بينهم صلات التنسيق ، تعثرت الغاية مهما كانت كفاءة كل فرد منهم ..
ثم ارتفع الحوار مرة أخرى فوق الوظيفة ..
فالمناصب ، كما قال الأمير، ليست ملكًا دائمًا لأحد ..
المسؤول يأتي في مرحلة ..
ثم يأتي بعده مسؤول آخر ..
والمنصب يبقى ..
والإنسان يرحل ..
وهنا، في رأيي، وصل الحوار إلى أجمل نقطة فيه ..
ماذا يبقى للإنسان حين يترك مكانه؟
يبقى أثره ..
تبقى طريقته ..
تبقى الأشياء التي أصلحها ..
تبقى النفوس التي شجعها ..
تبقى خدمة قدمها ..
تبقى كلمة قالها في وقتها ..
ويبقى ما إذا كان قد أدى الأمانة أم تركها ناقصة ..
ثم جاء القسم ..
فالمسؤولون أقسموا أمام ولي الأمر على أداء الأمانة ..
والعسكريون يقسمون عند تخرجهم ..
والسفراء كذلك ..
والقسم ليس عبارة تُقال ثم تُنسى ..
استشهد الأمير بقوله تعالى:
﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ .
ثم وضع الإنسان أمام حقيقته الكبرى:
نحن اليوم نمشي فوق الأرض ..
وغدًا سنكون تحتها ..
وسنُسأل عن الأعمال التي عملناها ..
هل أدينا الأمانة ؟
هل اجتهدنا ؟
هل تركنا أثرًا ؟
هل كان وجودنا في المكان إضافة، أم مجرد مرور ؟
وهنا شعرت أن الحوار كله عاد إلى نقطة البداية ..
الأمن ..
التاريخ ..
التربية ..
العلم ..
التنمية ..
الإدارة ..
القسم ..
الأمانة ..
ثم الأثر ..
كلها ليست جزرًا منفصلة ..
إنها نهر واحد، يبدأ من الإنسان وينتهي بما يتركه الإنسان بعده ..
وفي ختام اللقاء ، شكر الأستاذ أحمد الأمير باسم أصحاب السمو والفضيلة والمعالي والسعادة ، وباسم الحاضرين الذين حضروا بقلوبهم وعقولهم، ثم أشار إلى درس عملي قدمه سموه حين اصطحب أبناءه وأحفاده وأسباطه معه ..
لم يكن ذلك تفصيلًا عابرًا في نظره ..
كان درسًا من دروس التربية العملية ..
ثم عاد الأستاذ أحمد إلى الكلمات التي بدأ بها:
العراقة ، والعلم ، والعمل ، والعلاقة .
وقال إن الحوار كان مصداقًا لما افتتح به ..
وهنا، بالنسبة لي، لم يعد السؤال:
ماذا قال الأمير؟
بل صار السؤال:
ماذا بقي؟
بقيت صورة قائد يتحدث عن الأمن والتاريخ ..
وبقيت صورة أب يتحدث عن التربية ..
وبقيت صورة دولة تفتح أبوابها للعلم والتقنية والتنمية ..
وبقيت صورة إدارة تقوم على التنسيق والتحفيز ..
وبقيت صورة منصب يعرف صاحبه أنه مرحلة مؤقتة ..
وبقي القسم حاضرًا ..
والأمانة حاضرة ..
والأرض التي نمشي فوقها اليوم، والتي سنمضي يومًا تحتها ، حاضرة أكثر ..
وربما لهذا لم أستطع ، بعد سماع هذا الحوار ، أن أغادره ببساطة ..
فالحوارات الجميلة لا تمنحك المعلومات فقط ؛ تعيد ترتيب الأسئلة في داخلك ..
تجعلك تنظر إلى المنصب بطريقة مختلفة ..
وإلى الأبوة بطريقة مختلفة ..
وإلى التاريخ بطريقة مختلفة ..
وإلى العلم بوصفه استثمارًا في الإنسان ..
وإلى الإدارة بوصفها تنسيقًا وتحفيزًا قبل أن تكون أوامر وتعليمات ..

وإلى الأمن بوصفه ثمرة منظومة كاملة من المرجعية والعدل والاستقرار   ..
ثم تعيدك في النهاية إلى نفسك   ..
إلى السؤال الذي لا يستطيع أحد أن يجيب عنه نيابة عنك:
إذا غادرتُ المكان الذي أنا فيه اليوم  ..  ماذا سيبقى مني؟
قد لا يبقى اسم   ..
وقد لا تبقى صورة   ..
وقد يطوي الزمن تفاصيل كثيرة مما صنعناه   ..
لكن ربما تبقى كلمة   ..
أو إنسان شجعناه   ..
أو علم نقلناه   ..
أو بيت حفظناه   ..
أو مؤسسة أصلحنا فيها شيئًا   ..
أو عادة حسنة تركناها خلفنا   ..
أو أثرًا صغيرًا لا يعرف الناس من أين جاء   ..
لكنه جعل المكان بعدنا أجمل قليلًا   ..
وهذا، في النهاية، هو المعنى الذي جعلني أعود إلى هذا الحوار مرة بعد مرة:
المناصب مراحل ، والتاريخ ذاكرة ، والعلم طريق ، والعمل أمانة  ..  أما الأثر فهو ما يحاول الإنسان أن يتركه قبل أن يغادر .
ولعل أجمل ما يمكن أن يفعله المرء في حياته ألا يسأل فقط :
ماذا وصلت إليه ؟
بل :
ماذا سيبقى جميلًا بعد أن أغادر ؟

أثر لاينسى
جدة
الاربعاء ١٢ ربيع الثاني ١٤٤٨
٢٣ سبتمبر ٢٠٢٦
🇸🇦

ولأن الكلام. .. مهما حاولنا أن نلتقط معانيه .. يبقى أجمل حين يُسمع من أصحابه .. أضع هنا رابط اللقاء كاملًا لمن أراد أن يعود إلى تفاصيله .. ويسمع الأسئلة .. ويتأمل الإجابات .. ويكتشف بنفسه ما قد يتركه مثل هذا الحوار من أثر ..

اللقاء كاملًا: 🎥 …

https://drive.google.com/file/d/1c3xGG1-bmmrQF1930VUxX6voEF9Tvln7/view?usp=drivesdk

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *