هناك لحظات لا يعلن فيها الإنسان انهياره .. لكنه ينهار بصمت ..
يمشي وكأن شيئًا لم يحدث .. بينما داخله ممتلئ بثقل لا يُرى .. وضيق لا يُشرح .. وأسئلة لا تجد طريقها إلى الإجابة ..
ليس كل ضيق يُقال .. ولا كل ألم يُفهم .. ولا كل تعب يظهر على ملامح الوجه ..
أحيانًا يكون الإنسان واقفًا .. لكنه من الداخل منكسر ..
وفي تلك اللحظات تحديدًا .. لا تعود الكلمات تكفي .. ولا البشر يكفون .. ولا الحلول تبدو قادرة على احتواء ما في القلب ..
يبقى سؤال واحد يتكرر في العمق .. أين الركن الذي لا يخذل ..
يأتي الجواب هادئًا .. لا كصوت مرتفع .. بل كطمأنينة خفيفة تتسلل إلى الداخل ..
هناك ركن واحد لا يتغير .. ركن الله ..
ليس ركنًا كالأركان التي نعتمد عليها في البشر .. تلك التي تتبدل بتبدل الأحوال .. وتضعف مع الزمن .. وتنهار أحيانًا دون إنذار ..
بل هو ركن ثابت .. لا تهزه خيبة .. ولا يغيره غياب .. ولا تنقصه كثرة الأسئلة ..
يقول المعنى القديم الذي عبر القرون ..
واشدد يديك بحبل الله معتصمًا
فإنه الركن إن خانتك أركانُ ..
وكأن هذا الكلام لا يوجّه نصيحة .. بل يكشف حقيقة الحياة نفسها ..
أن كل ما نراه سندًا قد يتراجع .. إلا ما كان موصولًا بالله ..
ليس في الأمر دعوة لترك الناس .. ولا إنكار لقيمتهم .. بل فهم أعمق ..
أن القلب حين يتكئ على البشر وحدهم .. يتعب كثيرًا .. لأن البشر يتغيرون .. والظروف تتبدل .. والوعود لا تصمد دائمًا أمام تقلبات الحياة ..
أما حين يتكئ القلب على الله .. فإنه لا يعيش وهم الثبات في كل شيء .. بل يعيش حقيقة الثبات في أهم شيء ..
ولهذا قالوا ..
من يتق الله يُحمد في عواقبه
ويكفِهِ شر من عزوا ومن هانوا ..
ليست المسألة وعدًا بالراحة المطلقة من الألم .. بل وعدًا بأن القلب لن يُترك وحده في الطريق ..
أن هناك معية خفية تُدبّر .. تحفظ .. وتلطف .. حتى حين لا نفهم ما يحدث ..
وفي لحظة أخرى من الصدق المؤلم .. ندرك أن الاستعانة المطلقة بالبشر تُرهق الروح أكثر مما تُنقذها ..
من استعان بغير الله في طلبٍ
فإن ناصره عجزٌ وخذلانُ ..
ليس لأن البشر لا قيمة لهم .. بل لأنهم محدودون .. ولأن ما في داخل الإنسان أوسع من أن يحتويه مخلوق وحده ..
هناك وجع لا يشرحه أحد ..
وهناك خوف لا يطمئنه أحد ..
وهناك فقد لا يعوّضه أحد ..
وهنا يبدأ المعنى الحقيقي للركن الذي لا يضيق ..
الله لا يأتي ليزيل كل الأسئلة فورًا .. بل ليمنح القلب قدرة على احتمال وجودها دون أن ينكسر ..
لا يرفع كل الألم دفعة واحدة .. لكنه يسكب في الداخل سكينة تُعين على حمله ..
وهذا وحده يكفي ليُعيد ترتيب الداخل كله ..
لأن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى إجابات كثيرة ..
أحيانًا يحتاج فقط إلى شعور واحد ..
أنه ليس متروكًا ..
حينها فقط .. يهدأ الضجيج الذي في داخله .. ولو لم يتغير شيء في الخارج ..
فركن الله ليس فكرة تُقال .. بل تجربة تُعاش ..
تبدأ حين تضيق بك الأركان كلها ..
ثم تكتشف .. بهدوء يشبه الرحمة .. أن هناك ركنًا واحدًا لم يضق يومًا ..
فركن الله .. باق لا يضيق .
اثر لاينسى
جدة
الأثنين ٢ ذو القعدة ١٤٤٧
٢٠ أبريل ٢٠٢٦
● فركن الله باق .. لا يضيق ..🕊️🤍

