🕯️الدكتور الذي رفض أن يبيع الوهم 🧠

screenshot ٢٠٢٦٠٥٠٩ ٢١٥٤٣٠ gallery


ليس أخطر على الإنسان من أن يظن أن الحياة تُختصر في إجابة سريعة ..
وأن التحوّل الحقيقي يمكن أن يحدث في نصف سطر ..
وأن النجاح وصفة جاهزة .. تُؤخذ على عجل .. ثم تُثمر فورًا .
في زمنٍ أصبحت فيه المنصات تمتلئ بالعناوين الخاطفة ..
والوعود اللامعة ..
والعبارات التي تُشبه الألعاب النارية أكثر مما تُشبه العلم ..
يخرج بعض الناس مختلفين تمامًا .
لا لأنهم يتحدثون كثيرًا ..
بل لأنهم يملكون شجاعة نادرة ..
شجاعة أن يقولوا للناس الحقيقة كما هي .. لا كما يحب الناس سماعها .
وهنا تحديدًا .. يقف الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني .
لم يكن حديثه عن ضغوط العمل مجرد دورة تدريبية عادية ..
ولا محاضرة تُقال ثم تُنسى ..
بل كان أقرب إلى إعادة تعريف كاملة لمعنى الحياة نفسها .
حين كتب في مجموعته التدريبية قبل سفره إلى الدوحة :
“البعض يريد حياة بلا ضغوط .. وهذا مستحيل” .
لم يكن يرمي جملة تحفيزية عابرة ..
بل كان يهدم وهمًا متجذرًا في عقول كثير من الناس .
ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يعتقد أن الراحة الدائمة ممكنة ..
وأن النجاح يعني غياب التعب ..
وأن الإنسان الناجح هو من لا يواجه الضغوط .
بينما الحقيقة التي أراد إيصالها أعمق بكثير ..
فالضغوط ليست عدوًا للحياة ..
بل جزءًا أصيلًا منها .
وأن المشكلة ليست في وجود الضغط ..
بل في جهل الإنسان بكيفية التعامل معه .
وكان أكثر ما يلفت في حديثه ..
أنه لم يكن يبيع الوهم كما يفعل كثيرون .
لم يقل للناس :
“فكّر بإيجابية وستصبح حياتك رائعة” .
ولم يقل :
“أنت تستطيع كل شيء بمجرد أن تؤمن بنفسك” .
بل كان صادقًا إلى درجةٍ قد تُربك البعض .
حين سألته إحدى الأخوات عن إدارة الضغوط ..
قال :
“هذا السؤال يحتاج خمس سنوات للإجابة عنه” .
ضحك البعض ..
وظن آخرون أنها مبالغة ..
لكنه كان يرى ما لا يراه كثيرون .
كان يرى أن الناس اعتادت التعامل مع “مهارات الحياة الكبرى” كما لو كانت معلومات سريعة ..
بينما هي في الحقيقة رحلة طويلة من الوعي ..
والتجربة ..
والسقوط ..
والإدراك ..
والنضج .
وكانت فكرته المركزية واضحة جدًا :
نحن لا نفتقر إلى المعلومات بقدر ما نفتقر إلى التراكم .
فالإنسان قد يسمع مئات النصائح عن الصبر ..
لكنه لا يتعلّم الصبر حقًا إلا حين يُمتحن به .
وقد يحفظ عشرات العبارات عن إدارة الضغوط ..
لكنه ينهار أمام أول أزمة ..
لأن المعرفة وحدها لا تصنع المهارة .
ولهذا كان الدكتور مسفر مختلفًا ..
لأنه لا يقدّم “إجابة معرفية” ..
بل يحاول أن يبني “منهج حياة” .
كان يقول لهم بطريقة غير مباشرة :
لا تبحثوا عن الجملة التي تُريحكم مؤقتًا ..
ابحثوا عن الفهم الذي يغيّركم طويلًا .
ولعل أجمل ما في حديثه ..
أنه لم يكن يتحدث من برجٍ نظري بعيد ..
بل من تجربة طويلة جدًا مع البشر ..
والتدريب ..
والتعليم ..
والحياة .
وحين تحدث عن التدريب ..
لم يتعامل معه كمهنةٍ سهلة يمكن لأي شخص اقتحامها بعد دورة قصيرة أو مهارة إلقاء جيدة .
بل كان يرى التدريب مسؤولية وعي ..
وتراكم عمر ..
وفهم عميق للنفس البشرية .
حتى إنه قال فكرة صادمة للبعض :
إن تدريب المدربين الحقيقي لا ينبغي أن يُقدَّم إلا بعد عمر طويل من التجارب والنضج .
ولم يكن يقصد العمر الزمني فقط ..
بل عمر التجربة ..
وعمر التأمل ..
وعمر الاحتكاك بالحياة .
فبعض الناس يعيش خمسين عامًا ..
دون أن ينضج يومًا واحدًا .
وبعضهم تختصره التجارب اختصارًا ..
فتصنع منه إنسانًا مختلفًا تمامًا .
وكان من أكثر المقاطع عمقًا ..
حين شبّه بعض المعلمين في بداياتهم بالطفل الصغير الذي يظن نفسه أقوى رجل في العالم .
ذلك الطفل الذي يستعرض ذراعيه الصغيرتين بثقة مطلقة ..
قبل أن تكشف له الحياة حجمه الحقيقي .
لم يكن يقصد التقليل من أحد ..
بل كان يحاول أن يقول :
إن المشكلة ليست أن نبدأ ناقصين ..
بل أن نظن أننا اكتملنا مبكرًا .
وهنا يظهر الفرق بين الإنسان الذي ينمو ..
والإنسان الذي يتوقف .
فالذي ينمو ..
يبقى متعلّمًا مهما كبر .
أما الذي يتوقف ..
فيكتفي بانبهاره المبكر بنفسه ..
ثم يظل يدور في الدائرة ذاتها سنوات طويلة .
وفي خضم هذا الحوار الثري ..
لم يكن الدكتور وحده من يصنع المعنى .
بل كانت المجموعة كلها تبدو وكأنها مساحة وعي حيّة ..
تتداخل فيها الخبرات ..
والتجارب ..
والتأملات .
إحدى المشاركات قالت بعمق لافت :
“إدارة الضغوط انعكاس لإدارة الإنسان لذاته .. لانفعالاته .. لغضبه .. ولفلسفته عن الحياة” .
وأخرى تحدثت عن أن البرامج التدريبية ليست أبوابًا سحرية ..
بل نوافذ تطل بنا على الطريق ..
أما العبور الحقيقي .. فيحتاج جهدًا طويلًا .
وكان واضحًا أن الحوار لم يكن مجرد نقاش عابر
..

بل حالة فكرية كاملة ..
تدفع الإنسان لمراجعة نفسه ..
وطريقته في فهم النجاح ..
والتغيير ..
والنضج .
ولعل أكثر ما يترك أثرًا في حديث الدكتور مسفر ..
أنه لا يُشعرك بأنه يحاول إبهارك ..
بل يحاول إيقاظك .
وهذا النوع من الناس نادر جدًا .
لأن كثيرًا من البشر يحبون من يمنحهم الوهم الجميل ..
ولا يحبون من يواجههم بالحقيقة الثقيلة .
الحقيقة التي تقول :
إن بناء الذات لا يحدث فجأة ..
وأن النضج لا يُشترى ..
وأن الوعي لا يأتي بضغطة زر .
وأن الإنسان قد يقضي عمره كله ..
وهو يسدد فواتير جهله بالحياة .
لكن الأجمل في كل ذلك ..
أن حديثه .. رغم عمقه .. لم يكن قاسيًا .
بل كان ممتلئًا بالأمل .
فهو لا يقول إن الطريق مستحيل ..
بل يقول إن الطريق يستحق الصبر .
ولا يقول إن الإنسان عاجز عن التغيير ..
بل يقول إن التغيير الحقيقي يحتاج وقتًا ..
وصدقًا ..
واستمرارًا .
وهنا تكمن القيمة الكبرى .
أن يُعيد أحدهم للناس احترام “الرحلة” ..
بعد أن اختصرها العالم في مقاطع قصيرة وشعارات سريعة .
وأن يذكّرهم بأن الأشياء العظيمة لا تُولد دفعة واحدة .
فالإنسان لا يصبح حكيمًا في ليلة ..
ولا ناضجًا في محاضرة ..
ولا عظيمًا بجملة ملهمة .
بل ينمو ببطء ..
كما تنمو الأشجار العميقة ..
وكما يتكوّن الضوء في الفجر رويدًا رويدًا .
وفي النهاية ..
لم يكن الحوار عن إدارة الضغوط فقط .
بل كان عن الإنسان نفسه .
عن وعيه ..
وصبره ..
وعلاقته بالحياة ..
وفهمه لمعنى النمو الحقيقي .
وكان الدكتور مسفر القحطاني في كل ذلك ..
يؤدي دورًا نادرًا جدًا في هذا الزمن :
دور الإنسان الذي رفض أن يبيع الوهم .
لذلك تصل كلماته إلى القلوب ..
لأنها لا تُخدّر الناس ..
بل تُوقظهم .
ولا تمنحهم أحلامًا مؤقتة ..
بل تمنحهم طريقة مختلفة لرؤية الحياة .
فبعض الأشخاص لا يتركون أثرهم لأنهم قالوا كلامًا جميلًا فقط ..
بل لأنهم جعلوا الآخرين يرون أنفسهم بوضوح أكبر .
وهؤلاء ..
لا يُنسَون .

أثر لاينسى
جدة
السبت ٢٢ ذو القعدة ١٤٤٧
٩ مايو ٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *