قرأتُ مقال الأستاذ أحمد حسن مُشرِف .. أطال الله أثره : «أنت لا تحتاج كل هذا التطرّف في حياتك» ..
فبقيتُ بعده قليلًا في تلك المنطقة التي لا ينتهي فيها المقال حين تنتهي كلماته ..
بل يبدأ سؤال آخر في الرأس .
كان يتحدث عن إنسان يعيش في عصرٍ مسعور ..
يدفعه في كل اتجاه إلى أقصى المدى ..
في غذائه ..
وصحته ..
وأفكاره ..
ونجاحه ..
ومواقفه ..
وتطويره لذاته ..
وحتى في طريقة غضبه وقلقه .
وكانت فكرته لافتة : لسنا بحاجة دائمًا إلى مزيد من الشدة .. بل إلى شيء من الاتزان.
لكنني وأنا أقرأه ..
وجدتُ نفسي أذهب إلى سؤال آخر :
ماذا يحدث حين يتحول الشيء الذي نهتم به .. إلى شيء يستهلكنا ؟
ربما هنا تبدأ الحكاية الأكثر خفاءً .
فنحن لا نبدأ حياتنا متطرفين .
نبدأ بخطوة صغيرة وجميلة .
نريد أن نأكل بصورة أفضل ..
فنقرأ قليلًا عن الغذاء .
نريد أن ننجح ..
فننظم وقتنا .
نريد أن نكون أكثر وعيًا ..
فنقرأ .
نريد أن نحسن أجسادنا ..
فنمشي .
نريد أن نربي أبناءنا جيدًا ..
فنتعلم .
نريد أن نكون أفضل .
وكل هذا جميل .
لكن الإنسان المعاصر يملك قدرة عجيبة على تحويل الأشياء الجميلة إلى أنظمة صارمة ..
ثم إلى اختبارات يومية ..
ثم إلى هوية ..
ثم إلى سجن لا يجرؤ على مغادرته .
فجأة ..
لا يعود الطعام طعامًا .
يصبح موقفًا أخلاقيًا .
ولا يعود الكتاب كتابًا .
يصبح دليلًا على أنك شخص مثقف .
ولا تعود الرياضة حركة للجسد .
تصبح محكمة تقف أمامها كل صباح لتثبت أنك منضبط .
ولا يعود النجاح غاية تساعدك على أن تعيش حياة كريمة .
بل يصبح وحشًا يطالبك بالمزيد ..
كلما أعطيته أكثر .
وهنا أتوقف عند فكرة الأستاذ أحمد ..
وأضيف إليها ما أراه من زاوية أخرى :
ليست المشكلة دائمًا في الشيء الذي نهتم به .. بل في المساحة التي نسمح له أن يحتلها فينا.
أن أحب صحتي لا يعني أن أعيش خائفًا من قطعة حلوى .
وأن أحب العلم لا يعني أن أشعر بالذنب إذا جلست مساءً دون كتاب .
وأن أحب عملي لا يعني أن أحمل مكتبي إلى سريري .
وأن أحب أبنائي لا يعني أن أراقب كل كلمة تصدر منهم ..
وكل درجة يحصلون عليها ..
وكل دقيقة يقضونها بعيدًا عن عيني .
وأن أحب النجاح لا يعني أن أتعامل مع الراحة كأنها خيانة للطموح .
هناك فرق هائل بين أن يكون الشيء جزءًا من حياتك ..
وأن يصبح الحياة كلها .
وحين يصبح الشيء كل حياتك ..
فإنه يفقد جماله الأول .
العمل الذي أحببته لأنك وجدت فيه معنى ..
قد يتحول إلى آلة تستنزفك .
والكتاب الذي أحببته لأنه فتح نافذة في عقلك ..
قد يتحول إلى عدّاد تقيس به عدد الصفحات التي قرأتها .
والرياضة التي بدأت بها لأنك أردت جسدًا أكثر عافية ..
قد تتحول إلى علاقة قاسية مع المرآة .
والتطوير الذاتي الذي جاءك أول الأمر كنسمة ..
قد يتحول إلى صفارة إنذار لا تتوقف :
استيقظ أبكر .
اقرأ أكثر .
أنجز أكثر .
خطط أكثر .
تأمل أكثر .
كن أفضل .
لا تتوقف .
لا تتأخر .
لا ترتح .
حتى تصل في نهاية اليوم إلى شيء يشبه النجاح ..
لكنّك لا تجد فيه نفسك .
وهنا تكمن المفارقة التي استوقفتني طويلًا :
قد ننجح في تحسين حياتنا .. بطريقة تجعلنا غير قادرين على الاستمتاع بها.
نحن نعيش في زمن يكافئ الصوت المرتفع .
كل شيء يريد أن يكون عاجلًا .
كل فكرة تريد أن تكون «الأهم» .
كل قضية تريد منك أن تختار جانبًا .
كل مشروع يريد كامل وقتك .
كل إعلان يخبرك أن ما لديك لا يكفي .
كل منصة تدفعك إلى أن ترى حياة الآخرين ..
ثم تعود إلى حياتك وفي يدك قائمة طويلة من الأشياء التي ينبغي أن تصلحها .
حتى الحزن لم يعد يكفي أن نحزنه .
علينا أن نفهمه ..
ونحلله ..
ونكتشف جذوره ..
ونحوّله إلى درس ..
وربما إلى مشروع ..
وربما إلى «نسخة أفضل من أنفسنا» .
يا لهذه الحياة التي لم تترك لنا حتى رفاهية أن نتعب بهدوء !
كأن الإنسان إذا لم يحوّل كل تجربة إلى درس ..
وكل خطأ إلى إنجاز ..
وكل ألم إلى مشروع ..
فقد ضيّع وقته .
مع أن بعض الأشياء لا تحتاج إلى كل هذا .
بعض الأيام تحتاج فقط أن تمر .
بعض الأخطاء تحتاج إلى اعتذار وانتهاء .
بعض الخلافات تحتاج إلى صمت .
بعض الأسئلة يكفيها أن تبقى مفتوحة قليلًا .
وبعض الأحزان لا تريد منك أن تصبح أقوى .
تريد منك فقط أن تبكي .
ومن أجمل ما يمكن أن نأخذه من فكرة الأستاذ أحمد أن الاتزان ليس ضعفًا في الاهتمام .
بل ربما يكون الشكل الأكثر نضجًا له .
أن تهتم دون أن تذوب .
أن تحب دون أن تفقد نفسك .
أن تسعى دون أن تتحول إلى عبدٍ للنتيجة .
أن تحمل مبدأك دون أن تحمله فوق رقاب الآخرين .
أن تكون جادًا دون أن تصبح ثقيلًا .
أن تطمح دون أن تجعل كل ساعة من عمرك صفقة مع الإنجاز .
أن تعرف متى تقترب ..
ومتى تبتعد .
متى تقول نعم ..
ومتى تحفظ حقك في لا .
متى تبذل ..
ومتى تسترد أنفاسك .
ومتى يكون الصمت حكمة ..
لا عجزًا .
إن الحياة لا تحتاج منا أن نكون في أقصى حالاتنا طوال الوقت .
لا يمكن أن نكون دائمًا في ذروة الحماس .
ولا في قمة الإنتاج .
ولا في أعلى درجات الوعي .
ولا في أجمل نسخة من أنفسنا .
هذا التعب الذي نمارسه على أنفسنا باسم «التطور» قد يكون أحيانًا شكلًا آخر من عدم الرضا .
نحن لا نترك لأنفسنا فرصة أن تكون كما هي .
كلما وصلنا إلى مكان ..
سألنا : وما بعده ؟
كلما أنجزنا شيئًا ..
قلنا : هناك المزيد .
كلما تحسنا ..
بحثنا عن عيب جديد .
حتى صار الإنسان يطارد نسخة مستقبلية من نفسه ..
وينسى الشخص الذي يمشي الآن على قدميه .
وربما لهذا أجد أن الاتزان لا يعني أن نهرب من الشغف ..
بل أن نضع له حدودًا رحيمة .
أن نترك لأنفسنا مساحة لا يدخلها الإنجاز .
مساحة نشرب فيها قهوتنا دون أن نستمع إلى بودكاست عن الإنتاجية .
نمشي دون أن نحسب الخطوات .
نقرأ دون أن نصور الكتاب .
نجلس مع من نحب دون أن نضع هواتفنا على الطاولة بيننا .
نضحك دون أن نسأل : ماذا تعلمنا من الضحك ؟
أن نعيش بعض اللحظات لأنها جميلة فقط .
لا لأنها ستفيدنا لاحقًا .
لا لأنها ستصبح قصة .
لا لأنها ستدخل في السيرة الذاتية .
لا لأنها ستجعلنا أفضل .
يكفي أحيانًا أنها جعلتنا أحياء.
وربما يكون هذا هو السؤال الذي لم أستطع أن أتجاوزه بعد قراءة مقال الأستاذ أحمد :
هل نحتاج فعلًا إلى أن نفعل أكثر ؟
أم نحتاج أحيانًا إلى أن نعرف متى يكفي ما فعلناه ؟
أن نخرج من السباق أحيانًا دون أن نشعر أننا خسرنا .
أن نضع الأشياء في أحجامها الحقيقية .
أن نترك الصغير صغيرًا .
والعابر عابرًا .
والخطأ خطأً يمكن إصلاحه ..
لا هويةً نعيش داخلها .
والنجاح نجاحًا ..
لا صنمًا نركع له كل صباح .
والفشل تجربة ..
لا حكمًا مؤبدًا .
لا تجعل كل ما تحبه يطالبك بكلّك .
أعطِ عملك حقه ..
لكن لا تعطه عمرك كله .
أعطِ أبناءك حبك ..
لكن لا تمنح الخوف حق تربيتهم بدلًا منك .
أعطِ صحتك اهتمامك ..
لكن لا تجعل القلق يأكل منها أكثر مما يأكل المرض .
أعطِ طموحك وقتك ..
لكن لا تجعله يفاوضك على نومك وطمأنينتك وأهلك .
أعطِ قناعاتك احترامك ..
لكن اترك نافذة صغيرة مفتوحة لاحتمال أن تتعلم شيئًا جديدًا .
وأعطِ نفسك شيئًا من الرحمة .
فربما لم يكن ينقصنا طوال هذه السنوات أن نفعل المزيد .
ربما كان ينقصنا أن نعرف كيف نهتم دون أن نُستهلَك.
وهنا أعود إلى المقال الذي بدأ منه هذا التأمل .
أظن أن أجمل ما في الكتابة حين تكون حيّة ..
أنها لا تعطيك دائمًا الإجابة ..
أحيانًا تمنحك سؤالًا جديدًا ..
ثم تتركك وحدك في الطريق .
وهكذا فعل معي مقال الأستاذ أحمد .
قرأته وأنا أفكر في التطرف ..
وانتهيت وأنا أفكر في شيء أهدأ وأعمق :
في المسافة.
المسافة التي نحتاجها بيننا وبين الأشياء حتى نراها بحجمها الحقيقي .
مسافة بيننا وبين العمل ..
كي لا يتحول إلى عمرٍ كامل .
مسافة بيننا وبين النجاح ..
كي لا يتحول إلى إدمان .
مسافة بيننا وبين الفشل ..
كي لا يتحول إلى هوية .
مسافة بيننا وبين الخلاف ..
كي لا يتحول إلى عداوة .
مسافة بيننا وبين الإنترنت ..
كي لا يصبح هو الذي يقرر ما الذي يغضبنا ..
وما الذي يخيفنا ..
وما الذي ينبغي أن نشتريه ..
وما الذي ينبغي أن نؤمن به .
ومسافة ، أحيانًا ، بيننا وبين أنفسنا القديمة ..
كي ننضج دون أن نكره من كنا .
لأن الإنسان حين يعطي كل شيء أقصى حجمه ..
لن يبقى في حياته مكان لشيء .
أما حين يعرف لكل شيء حجمه ..
فإنه يستطيع أن يحمل أشياء كثيرة ..
دون أن تحمله هي .
وربما ليست الحكمة في أن نهتم أقل .
ولا في أن نعيش بلا قضية ، ولا شغف ، ولا طموح .
بل في أن نصل إلى تلك المنطقة النادرة التي يكون فيها القلب حاضرًا ..
دون أن يكون مستنزفًا .
أن نقول :
سأهتم .. لكن لن أذوب .
سأطمح .. لكن لن أستهلك نفسي .
سأحب .. لكن لن أفقدني .
سأختلف .. لكن لن أكره .
سأتغير .. لكن لن أتنكر لكل ما كنت عليه .
سأتعلم .. لكن لن أعيش في امتحان دائم .
وسأمضي في هذه الحياة بكل قلبي ..
دون أن أعطيها الحق في أن تأخذ قلبي كله .
🌿 على مهل .. يا حياة 🕊️

مقال تأملي انطلق من قراءة مقال الأستاذ أحمد حسن مُشرِف «أنت لا تحتاج كل هذا التطرّف في حياتك» .. وما أثاره في داخلي من أسئلة حول الاتزان .. وحدود الاهتمام .. والمسافة التي يحتاجها الإنسان كي يعيش ما يحب .. دون أن يضيع فيه .
https://amoshrif.com/benormalaboutit/?ref=hmd-hsn-mshrf-newsletter#ghost-comments-root
أثر لاينسى
جدة
الأثنين ١٠ ربيع الثاني ١٤٤٨
٢١سبتمبر ٢٠٢٦

