لم تكن سلوى تصوّر فراشةً فقط ..
كانت تصوّر طريقًا تعرفه الذاكرة أكثر مما تعرفه العين ..
ذلك السور الحجري ..
والزهور التي كبرت في صمت ..
والمكان الذي مرّت عليه السنوات بينما بقي يحمل أسماء أصحابه في داخله ..
ثم جاءت الفراشة ..
لا أعرف لماذا توقفت طويلًا عندها ..
لكنني شعرت أنها لم تكن تبحث عن زهرة .. بل كانت تبحث عن ذاكرة ..
وبعدها جاءت الصورة الثانية ..
وكأنها تكمل ما لم تستطع الفراشة أن تقوله ..
“بالأمس زادت الدنيا جمالًا وهي ترفرف بين الزهور ..
واليوم هي من الذكريات ..
كل شيء هالك إلا وجهك سبحانك.”

فعرفت أن الفراشة لم تكن إلا آمنة ..
أو ربما كانت الشوق حين يتخذ جناحين ..
رحم الله آمنة ..
كنت أعرفها يوم كانت بيننا ..
فتاة خلوقة ..
هادئة ..
تحمل في روحها جمالًا يشبه الرسامين الذين لا يحتاجون إلى الألوان الكثيرة ليصنعوا لوحةً كاملة ..
كانت ترسم بقلم الرصاص ..
لكنها كانت ترسم الحياة كلها ..
وكانت تكتب ..
وكأن الكلمات تعرف طريقها إلى قلبها قبل أن تعرف طريقها إلى الورق ..
ورحلت ..
لكن بعض الناس لا يرحلون كاملين ..
يتركون شيئًا منهم في دفاترهم ..
وفي رسوماتهم ..
وفي أولادهم ..
وفي القلوب التي أحبتهم ..
وأحسب أن آمنة من هؤلاء ..
أما سلوى ..
فهي كلما عادت إلى الديرة ..
لم تعد إلى بيتٍ قديم ..
بل عادت إلى عمرٍ كامل ..
إلى الجدران التي سمعت ضحكاتهما ..
إلى الأوراق التي خطتها يد أختها ..
إلى الأشياء الصغيرة التي لا تعني أحدًا ..
لكنها تعني صاحب الذكرى كل شيء ..
وإلى قبرٍ لا يضم جسدًا فقط ..
بل يوقظ الحنين كله ..
ولذلك لا ألوم دموعها ..
فالحنين لا يشيخ ..
هناك أشخاص لا يخرجون من حياتنا ..
لأنهم لم يخرجوا أصلًا من أرواحنا ..
يبقون في الأماكن التي أحبوها ..
وفي الورد الذي كانوا يسقونه ..
وفي رائحة البيوت القديمة ..
وحتى في فراشةٍ تمر مصادفةً ..
فيراها القلب قبل أن تراها العين ..
ولعل الله أرحم بنا من أنفسنا ..
فهو يعلم أن بعض الفقد لا يُشفى ..
وإنما يُخفَّف ..
وأن بعض الأحبة لا يُنسَون ..
وإنما نتعلم كيف نحملهم في دعائنا بدل أن نحملهم في بكائنا ..
رحم الله آمنة رحمةً واسعة ..
وجعل ما تركته من أثرٍ ..
ومحبةٍ ..
وذريةٍ صالحةٍ ..
نورًا يجري لها ..
وربط على قلب أختها سلوى ..
وجعل الذكريات كلما عادت ..
أعقبها من السكينة بقدر ما أعقبها من الحنين ..
فبعض الفراشات لا تعيش طويلًا ..
لكنها تترك في الربيع ما يكفي ليبقى جميلًا .
أثر لاينسى
جدة
الاثنين
٢١ محرم ١٤٤٨
٦ يوليو ٢٠٢٦

