حين أسدل الليل ستارته الأخيرة .. وخفَّ ضجيج النهار .. واستسلمت المدن لصمتها الجميل .. كانت الريح تحرّك أطراف الستائر برفق .. وكأنها تُهيئ الغرفة لضيفٍ لن يدخل من الباب .. بل من الفكرة ..
وفي تلك الساعة التي تختلي فيها النفوس بنفسها .. ويبدأ العقل مراجعة يومه قبل أن يسلّم مفاتيحه للنوم .. أطلَّ الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني بكلماتٍ قليلة .. لكنها لم تكن عابرة ..
كانت الساعة تشير إلى التاسعة مساءً ..
ولم يكن اختياره لهذا التوقيت – في نظري – مصادفة .. فبعض الرسائل لا يُراد لها أن تُقرأ فقط .. بل أن تبيت في الوجدان .. وترافق الإنسان إلى وسادته .. حتى يستيقظ وقد بدأ شيءٌ في داخله يتغير ..
لم يكتب درسًا طويلًا .. ولم يثقل النص بالتفاصيل ..
بل وضع بين أيدينا خمس كلمات .. ثم تركها تعمل في أعماقنا بهدوء .. كما تعمل البذور في باطن الأرض قبل أن يراها أحد ..
وأنا أقرأها .. لم أشعر أنني أمام قائمة نصائح .. بل أمام خريطةٍ مختصرة للحياة ..
خماسيةٌ لا تغيّر جدول يومك فحسب .. بل تعيد ترتيب الإنسان الذي يعيش داخلك ..
لكنني .. وأنا أتنقل بين كلماته .. لم أتوقف عند الخماسية نفسها ..
بل توقفت عند سؤالٍ سبقها في داخلي ..
لماذا يكتب بعض الناس كلماتٍ تنتهي بانتهاء قراءتها .. بينما يكتب آخرون كلماتٍ تبدأ بعد أن ننتهي منها؟
لقد كانت رسالة الدكتور مسفر قصيرة .. لكنها من ذلك النوع الذي لا يضيف إلى معلوماتك سطرًا جديدًا .. بل يضيف إلى حياتك سؤالًا جديدًا ..
يضعك أمام مرآةٍ صادقة .. ثم ينسحب في هدوء .. تاركًا لك مهمة النظر ..
ولعل أجمل ما في هذه الخماسية أنها لم تبدأ بإصلاح العالم .. بل بدأت بإصلاح الإنسان ..
فالناس .. حين تضيق بهم الحياة .. يفتشون غالبًا خارج أنفسهم ..
يلومون الظروف ..
ويحصون أخطاء الآخرين ..
ويبحثون عن الأبواب المغلقة التي يعلّقون عليها تعثرهم ..
أما الدكتور مسفر .. فقد أغلق تلك الأبواب كلها دفعةً واحدة .. وأعاد الإنسان إلى النقطة الوحيدة التي لا يستطيع الفرار منها ..
إلى نفسه ..
ومن هنا جاءت الكلمة الأولى .. لا بوصفها نصيحة .. بل بوصفها بداية الطريق كله ..
غيِّر ذاتك.
وهنا شعرت أنه لا يتحدث عن مهارةٍ جديدة .. ولا عن شهادةٍ أعلى .. ولا عن دورةٍ تدريبية ..
بل عن ميلادٍ جديد ..
فالذات ليست حجرًا يوضع في مكانه ثم يبقى كما هو ..
إنها كائنٌ حي ..
إما أن ينمو ..
وإما أن يتوقف عن الحياة وهو لا يزال يتنفس ..
ولهذا أدهشتني عبارته حين وصف الذات الجامدة بأنها لا تصلح إلا للاحتطاب ..
يا لها من صورةٍ تختصر أعمارًا كاملة!
فالخشب الميت لا يثمر ..
ولا يورق ..
ولا يمنح ظلًا ..
وأقصى ما يُنتظر منه أن يكون وقودًا للنار ..
وكذلك الإنسان حين يتوقف عن النمو ..
قد يحمل الشهادة نفسها عشرين عامًا ..
ويكرر الأفكار نفسها عشرين عامًا ..
ويعيش القناعات نفسها عشرين عامًا ..
حتى يصبح الزمن هو الشيء الوحيد الذي يتحرك فيه .. بينما هو باقٍ في مكانه الأول ..
وهنا أدركت أن أخطر أنواع الجمود ليس جمود الجسد ..
بل جمود النسخة التي نحملها عن أنفسنا ..
فالإنسان قد يكبر عمره ..
ولا تكبر روحه ..
وقد تتغير السنوات ..
ولا تتغير رؤيته ..
وقد تتبدل الأمكنة ..
ويبقى هو النسخة ذاتها التي غادر بها البدايات ..
ولهذا لم يقل الدكتور ..
“تعلّم أكثر.”
بل قال قبل ذلك كله ..
“غيِّر ذاتك .”
لأن المعرفة لا تصنع إنسانًا جديدًا ..
إذا بقي الإنسان القديم هو الذي يحملها ..
فالكتب قد تتغير ..
لكن القارئ .. إن لم يتغير .. سيقرأها بالعقل نفسه .. والخوف نفسه .. والحدود نفسها ..
ومن هنا تبدأ الرحلة الحقيقية ..
رحلةٌ لا يقطعها المسافر بين المدن ..
بل يقطعها الإنسان بين صورته التي اعتادها .. وصورته التي خُلق ليكونها ..
لكن الذات .. مهما بلغت من الشغف .. تظل عاجزة إذا كانت تنظر إلى الحياة بالعين القديمة ..
فقد يغيّر الإنسان ثوبه ..
ويغيّر بيته ..
ويغيّر عمله ..
ويبقى أسيرًا للفكرة نفسها ..
وهنا انتقلت كلمات الدكتور إلى بابٍ آخر .. لا يقل عمقًا عن الأول ..
بل ربما كان المفتاح الذي يحرّك بقية الأبواب ..
غيِّر طريقة تفكيرك .
ولم يقل ..
غيّر أفكارك .
لأن بين الأمرين مسافةً واسعة ..
فالفكرة قد تكون عابرة ..
أما طريقة التفكير .. فهي المصنع الذي تُولد فيه جميع الأفكار ..
ولهذا لا يكفي أن تستبدل فكرةً بأخرى ..
إذا كانت الآلة التي تنتجها ما زالت تعمل بالطريقة نفسها ..
فالعقل يشبه نافذةً نطل منها على العالم ..
والعالم في أكثر الأحيان لا يتغير ..
لكن النافذة هي التي تغيّر المشهد ..
قد يقف اثنان أمام الحدث نفسه ..
فيرى أحدهما نهاية الطريق ..
ويرى الآخر بداية الطريق ..
أحدهما يرى خسارة ..
والآخر يرى درسًا ..
أحدهما يخرج من العثرة وهو يسأل ..
“لماذا حدث لي هذا ؟”
والآخر يخرج منها وهو يقول ..
“ماذا أراد الله أن يعلمني؟”
ولم يتغير الحدث ..
إنما تغيّرت العدسة ..
ولهذا لم يكن الدكتور يتحدث عن التفاؤل بوصفه شعارًا جميلًا ..
بل عن طريقةٍ كاملة يرى بها الإنسان نفسه .. ويرى بها الناس .. ويرى بها الحياة ..
فالطريقة التي نفكر بها لا تغيّر الأحداث ..
لكنها تغيّر الإنسان الذي يواجه تلك الأحداث ..
ولذلك استوقفتني عبارته العميقة ..
“يمكن أن نتنبأ إلى أي مستوى من النجاح أو الفشل من خلال معرفة كيف يفكر الإنسان .”
تأملت هذه الجملة طويلًا ..
ثم أدركت أن المستقبل لا يبدأ من الخطوة ..
بل يبدأ من الفكرة التي تسبق الخطوة ..
فالإنسان لا يصل فجأة إلى القمة ..
كما لا يسقط فجأة إلى القاع ..
إنه يسير أولًا بالطريقة التي يفكر بها ..
ولهذا يستطيع أصحاب البصيرة أن يقرأوا مستقبل الإنسان من حديثه ..
ومن تفسيره للمواقف ..
ومن موقفه من الفشل ..
ومن اللغة التي يخاطب بها نفسه ..
فالعقل الذي يرى في كل عثرة نهاية ..
سيصنع لنفسه نهاية ..
والعقل الذي يرى في كل عثرة تدريبًا ..
سيصنع لنفسه بداية ..
ولذلك قد يلتقي اثنان في الظروف نفسها ..
ثم يفترقان بعد سنوات ..
حتى ليبدو أن أحدهما عاش حياةً أخرى ..
لم يكن الفرق في الطريق ..
بل في العقل الذي كان يسير فيه .
لكن الإنسان لا يعيش بطريقة تفكيره وحدها ..
فحتى بعد أن تتغير العدسة .. يبقى السؤال الأهم:
بماذا تملؤها كل صباح ؟
وهنا جاءت الخطوة الثالثة ..
غيِّر أفكارك …
ولعلها أكثر الخطوات خفاءً .. لأن الإنسان لا يسمع ضجيج أفكاره .. مع أنها أكثر الأشياء حديثًا إليه .
فالإنسان قد يصمت أمام الناس ساعات .. لكنه لا يصمت مع نفسه لحظة .
هناك .. في الداخل .. حوارٌ لا يهدأ .. هو الذي يرفع الإنسان قبل أن يرفعه أحد .. أو يهوي به قبل أن تدفعه الحياة .
ولهذا استوقفني ما ذكره الدكتور مسفر حين أشار إلى حقيقةٍ يقررها علم الدماغ :
إن العقل لا يستطيع أن يحتضن في اللحظة نفسها فكرةً إيجابية وأخرى سلبية .. فلا بد أن تغادر إحداهما لتفسح المكان للأخرى .
يا لها من حقيقةٍ لو وعيناها لتغيّر كثيرٌ مما نظنه قدرًا !
فنحن كثيرًا ما نتعامل مع الأفكار وكأنها زوّارٌ يمرون سريعًا .. بينما هي في الحقيقة سكانٌ دائمون .. يعيدون تشكيل البيت من الداخل .
فالفكرة لا تبقى داخل العقل .. بل تهبط إلى القلب شعورًا .. ثم ترتفع إلى اللسان كلمة .. ثم تنعكس على الجوارح سلوكًا .. ثم تتحول .. مع الأيام .. إلى عادة .. ثم تصبح العادة شخصية .. ثم تتحول الشخصية إلى مصير .
ولهذا فإن أخطر ما يملكه الإنسان ليس المال .. ولا المنصب .. ولا حتى الموهبة .. بل الفكرة التي يكررها على نفسه كل يوم .
كم إنسانٍ عاش عمره كله وهو يردد :
” أنا لا أستطيع .”
حتى أصبح العجز جزءًا من تعريفه لنفسه .
وكم آخر ظل يقول :
” لقد فات الأوان .”
فأقنع الأيام أن تتجاوزه .
وكم شخصٍ حمل قناعةً وُلدت في طفولته .. وظل يحرسها أربعين عامًا .. مع أنها كانت أول ما ينبغي أن يخرج من حياته .
ولهذا لم يقل الدكتور :
“زد معلوماتك .”
بل دعا إلى ما هو أعمق .. إلى تطهير القناعات الهزيلة.
فالمشكلة ليست دائمًا في قلة المعرفة .. بل في الأفكار التي تمنع المعرفة من أن تعمل .
قد يقرأ الإنسان مئات الكتب .. ويحضر عشرات الدورات .. ويجلس إلى أعظم المعلمين .. ثم يعود إلى حياته كما كان .. لأن فكرةً واحدةً قديمةً كانت أقوى من كل ما تعلم .
إنها تشبه نافذةً تراكم عليها الغبار سنواتٍ طويلة .. لا لأن الشمس غابت .. بل لأن أحدًا لم يفكر يومًا في تنظيف الزجاج .
ولذلك فإن بعض الأفكار لا تحتاج إلى من يناقشها .. بل إلى من يمتلك الشجاعة الكافية ليقول لها :
لقد انتهى دورك .
فالداخل .. كما البيوت .. يحتاج بين حينٍ وآخر إلى ترتيب .
ليس لأن الأشياء الجديدة لا تأتي .. بل لأن القديمة ترفض أن تغادر .
لكن الإنسان .. مهما أصلح ذاته .. ومهما نقّى أفكاره .. يبقى مخلوقًا يتأثر بما يحيط به.
فالوردة، مهما كانت قوية .. لن تزدهر طويلًا إذا زُرعت في أرضٍ لا يصلها الضوء .
وهنا خرج الدكتور من الداخل .. إلى الدائرة التي كثيرًا ما نقلل أثرها ..
دائرة البشر .
غيِّر الأشخاص المحيطين بك .
ولم يكن يقصد الأرحام الذين أمر الله بصلتهم .. ولا الوالدين الذين لا يعدلهم أحد .. بل أولئك الذين نمنحهم مقاعد الصف الأول في حياتنا .
الذين نستأنس بحديثهم .. ونستشيرهم .. ونقتبس من كلماتهم دون أن نشعر .
فالإنسان يظن أنه يختار أصدقاءه .. ولا ينتبه أن أصدقاءه .. مع الأيام، يعيدون تشكيله .
فالطباع لا تنتقل دائمًا بالكلام .. بل بالمعايشة .
والأفكار لا تحتاج دائمًا إلى إقناع .. بل يكفيها طول المجاورة .
ولهذا قيل قديمًا :
” الصاحب ساحب .”
لكننا كثيرًا ما نرددها للأطفال .. وننسى أنها تنطبق على الكبار أكثر .
فكم من حلمٍ مات .. لا لأن صاحبه ضعيف .. بل لأنه كان يجلس كل يوم إلى من يسخر من الأحلام .
وكم من موهبةٍ ذبلت .. لأن أصحابها كانوا يسمعون .. صباحًا ومساءً :
” لن تنجح .”
” هذا مستحيل .”
” اترك هذه الأوهام .”
حتى أصبحت أصوات الآخرين صوتهم الداخلي .
وفي المقابل ..
كم من إنسانٍ لم يكن يظن في نفسه شيئًا .. ثم جلس إلى قومٍ يؤمنون به .. فأعاروه ثقتهم .. حتى اكتشف نفسه .
إن بعض الناس لا يضيفون إلى أعمارنا سنوات .. لكنهم يضيفون إليها أجنحة .
وبعضهم، مهما طال بقاؤهم .. لا يفعلون سوى تعليم القلب كيف يخاف .
ولهذا كانت عبارة الدكتور حاسمة :
أن نغادر من يعرقل مسيرتنا نحو النجاح .
ولم يقلها بقسوة .. بل بوعي .
لأن الرحمة لا تعني أن نسلم أعمارنا لمن يستهلكها .
والمحبة لا تعني أن نقيم في الأماكن التي تطفئ أرواحنا .
فالحياة أقصر من أن نقضيها ونحن نشرح أحلامنا لمن لا يؤمن بها .
ثم جاءت الخطوة الخامسة ..
وكأنها السقف الذي يجمع الأعمدة كلها .
غيِّر بيئتك .
ولم أقف عند هذه العبارة طويلًا .. بل وقفت عند الكلمة نفسها .
البيئة .
كم نظنها مكانًا .. بينما هي في الحقيقة مناخ .
ليست الجدران .. بل الهواء الذي نتنفسه كل يوم .
قد يعيش إنسانان في المدينة نفسها ..
وهنا لا تكون المشكلة في الإنسان … بل في المناخ الذي يحاول كل يوم أن يعيده إلى الوراء .
ولهذا لم يدعُ الدكتور إلى الهروب من الناس … بل إلى البحث عن المكان الذي يكبر فيه الإنسان .
فالبيئات ليست سواء .
هناك أماكن إذا دخلتها .. شعرت أن أحلامك أكبر .
وهناك أماكن .. مهما طالت الإقامة فيها .. تخرج منها وأنت أصغر مما دخلت .
ولعل أجمل ما قاله الدكتور .. وهو يصف البيئة الطموحة .. أنها لا يجف فيها التعزيز .. ولا الدعم، ولا التشجيع .. ولا الدعوات الصادقة .
وتوقفت عند هذه العبارة كثيرًا .. لأنني أدركت أن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى من يدفعه بيديه .. أحيانًا يكفيه قلبٌ يؤمن به .
وكلمةٌ صادقة .
ودعوةٌ خرجت من قلبٍ محب .
فبعض البيئات لا تصنع النجاح لأنها تملك الإمكانات .. بل لأنها تملك الإيمان بالإنسان .
ولعل أجمل ما جمع هذه الخماسية أنها لم تُلقَ بوصفها قواعد نظرية .. بل جاءت كأنها درجاتُ سلّمٍ لا يمكن القفز إلى أعلاه قبل تثبيت أقدامنا على أولى درجاته .
فمن يحاول تغيير بيئته .. قبل أن يغيّر ذاته .. يحمل معه النسخة القديمة إلى المكان الجديد .
ومن يبدّل أصدقاءه .. بينما أفكاره ما زالت أسيرة اليأس .. سيعيد صناعة الدائرة نفسها .. وإن اختلفت الوجوه .
ومن يطوّر مهاراته .. بينما طريقة تفكيره ما زالت سجينة الخوف .. سيظل يدور حول النقطة ذاتها .. ولو حمل أرفع الشهادات .
وهنا أدركت أن الدكتور لم يكن يكتب عن خمسة محاور منفصلة .. بل عن رحلةٍ واحدة .
رحلةٍ تبدأ من الداخل .. ثم تتسع شيئًا فشيئًا حتى تشمل الحياة كلها .
فالذات أصل ..
وطريقة التفكير جذع ..
والأفكار أغصان ..
والأشخاص ثمارٌ نتبادلها ..
والبيئة هي الهواء الذي يحفظ الشجرة حيّة .
فإذا صلح الأصل .. استقام ما بعده .
وأغلقت هاتفي بعد أن انتهيت من القراءة .. لكن الكلمات لم تغلق أبوابها داخلي .
ظل سؤالٌ واحد يرافقني في ذلك الليل :
لو أن الإنسان منح نفسه عامًا كاملًا .. لا يغيّر فيه شيئًا سوى هذه الخماسية .. كم ستكون المسافة بينه وبين النسخة التي يعيشها اليوم ؟
ولعل الإجابة لا تحتاج إلى تجربة طويلة .
فنحن جميعًا نعرف أشخاصًا تغيّرت حياتهم ..
لكننا إذا عدنا إلى البداية .. اكتشفنا أن التحول الكبير لم يبدأ بقرارٍ ضخم .. بل بفكرةٍ صغيرة .
كتابٍ قرأه أحدهم .
لقاءٍ غيّر اتجاهه .
صديقٍ آمن به .
بيئةٍ احتضنت موهبته .
أو لحظة صدقٍ وقف فيها أمام نفسه .. وقال :
لقد حان الوقت .
ولذلك فإن أعظم ما في هذه الخماسية أنها لا تطلب من الإنسان أن يصبح شخصًا آخر .. بل أن يصبح أقرب إلى الشخص الذي كان يستطيع أن يكونه .. لو تخلّص مما أثقل روحه .
فكم من إنسانٍ يعيش عمره كله .. لا لأنه عاجز عن التغيير .. بل لأنه لم يبدأ منه .
وأنا أستعيد كلمات الدكتور مسفر .. لم أجدها دعوةً إلى تحسين الحياة بقدر ما وجدتها دعوةً إلى إعادة بناء الإنسان .
فالإنسان إذا صلح .. صلحت اختياراته .
وإذا صلحت اختياراته .. تغيّرت أيامه .
وإذا تغيّرت أيامه .. ظن الناس أن الحظ ابتسم له .
وما علموا أن الابتسامة بدأت من قرارٍ هادئ .. اتخذه مع نفسه .. في ليلةٍ ربما كانت تشبه هذه الليلة .
ليلةٍ جلس فيها مع ذاته ..
وأطفأ ضجيج العالم ..
ثم بدأ يغيّر أول شيءٍ يستطيع تغييره .
نفسه .
ولعل هذا هو السر الذي جعل كلمات الدكتور .. رغم اختصارها .. تبدو أكبر من حجمها .
فالكلمات الطويلة قد تُمتع العقل ..
أما الكلمات الصادقة .. فإنها تُوقظ العمر .
ولهذا .. لم تكن خماسية التغيير مجرد موضوعٍ يُقرأ .. بل مرآةً هادئة .. وقف أمامها كل واحدٍ منا، فرأى بوضوح الركن الذي ما زال ينتظر البناء .
وربما لهذا السبب أيضًا .. حين انتهت الرسالة .. لم أشعر أنها انتهت .
بل شعرت أنها بدأت تعمل .
داخل كل قارئ .. بطريقته الخاصة .
وهنا يتوقف صوتي ..
ليبدأ صوت الدكتور ..
أرفق النص كما كُتب ..
دون زيادة أو نقصان ..
وفاءً للفكرة ..
وإنصافًا لصاحبها ..
ولعل القارئ يكتشف بنفسه كيف يمكن لكلماتٍ قليلة أن تُثمر كل هذه المعاني 🍃








أثرٌ لا يُنسى
جدة
الثلاثاء ٢٢ محرم ١٤٤٨ هـ
٧ يوليو ٢٠٢٦ م

