هناك جمهور  .. يستحق أن تتعب من أجله 🎙️🤝

screenshot ٢٠٢٦٠٧٠٤ ٠٧٣٧٣٤ gallery


أحيانًا يظن الناس أن نجاح المتحدث يبدأ من المنصة ..
بينما الحقيقة أنه يبدأ من المقاعد التي أمامها .
فليس كل جمهورٍ يأتي ليملأ القاعة ..
كما أن ليس كل حضورٍ يملأ الفراغ .
هناك وجوهٌ تجلس أمامك ..
لكنها لا تغادر انشغالاتها ..
فلا تسمع إلا ما يمر على أذنيها مرورًا عابرًا . وهناك وجوهٌ أخرى ..
لا تكتفي بالاستماع ..
بل تدخل معك في رحلة الفكرة ..
حتى تشعر أن الكلمات التي خرجت منك لم تعد ملكك وحدك .
ولعل أجمل ما شدّني في حديث الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني عن تجربته في الأردن ..
أنه لم يتحدث أولًا عن جمال المكان ..
ولا عن عدد الحاضرين ..
ولا عن نجاح البرنامج ..
بل كان أكثر ما استوقفه ذلك التفاعل الذي جعله ـ كما وصف ـ يقدم كل ما لديه .
وتساءلت في نفسي : هل يصنع المتحدث جمهوره .. أم أن الجمهور هو الذي يصنع المتحدث ؟
كلما تأملت هذا السؤال ..
ازددت اقتناعًا بأن العلاقة بينهما ليست في اتجاهٍ واحد .
فالمعرفة لا تسير من المنصة إلى القاعة فقط ..
بل تعود من القاعة إلى المنصة في صورة أسئلة ..
وملامح ..
واهتمام ..
وإنصات ..
حتى يشعر المتحدث أنه لا يلقي كلماتٍ محفوظة ..
بل يعيش حوارًا حيًا يتشكل لحظةً بلحظة .
ولهذا لا يكون الجمهور العظيم هو الأكثر تصفيقًا ..
بل الأكثر حضورًا .
فقد يصفق الإنسان مجاملة ..
لكنه لا يستطيع أن يتظاهر بالإنصات طويلًا .
أما ذلك الذي يتابع الفكرة بعينيه .. ويلاحق تفاصيلها ..
ويطرح سؤالًا يكشف أنه كان يسير معها خطوةً خطوة ..
فإنه يمنح المتحدث شيئًا لا تمنحه المجاملات كلها : يمنحه الرغبة في أن يفتح ما بقي من خزائن تجربته .
ولهذا لم يكن غريبًا أن يطلب الحاضرون امتداد البرنامج بعد انتهاء وقته .
فليست كل زيادةٍ في الزمن عبئًا ..
بل قد تكون أجمل شهادةٍ على أن الحديث لم يكتمل في نفوس مستمعيه .
وليس كل سؤالٍ يوجَّه إلى المتحدث اختبارًا له .
بعض الأسئلة هدية .
لأنها تكشف له زاويةً لم يكن ينوي الحديث عنها ..
وتدعوه إلى أن يغوص أعمق مما كان قد أعد له .
ومن هنا يصبح الحوار أكثر ثراءً من المحاضرة نفسها .
ولم ينسَ الدكتور أن يذكر موقفًا قد يمر على كثيرين مرورًا عابرًا ..
لكنه توقف عنده طويلًا .
فقد أعجبته طريقة مديرة الأكاديمية في استقبال كل قادم ..
كانت تعرف القادم بالدكتور ..
وتعرف الدكتور بالقادم ..
في أسلوبٍ يفيض احترامًا وتقديرًا للطرفين معًا .
لم يكن التعارف عندها إجراءً بروتوكوليًا عابرًا ..
بل احتفاءً حقيقيًا بالإنسان قبل أي شيء .
وكأنها كانت تقول لكل من يدخل :
أنت موضع ترحيب .. ولوجودك قيمة .
وربما يظن بعض الناس أن مثل هذه التفاصيل لا تصنع فرقًا ..
لكنها في الحقيقة أول درسٍ يتلقاه الإنسان قبل أن تبدأ المحاضرة .
فالإنسان لا يدخل القاعة بجسده وحده .. بل يدخل ومعه شعوره كله .
فإذا استُقبل باحترام ..
أصبح أكثر استعدادًا للإنصات ..
وأكثر انفتاحًا للحوار ..
وأكثر رغبةً في أن يقدم أجمل ما عنده .
لذلك لا تُبنى المؤسسات العظيمة بالمحتوى وحده ..
بل تُبنى أيضًا بثقافةٍ تجعل الداخل إليها يشعر أنه لم يدخل مكانًا يؤدي فيه مهمة .. بل دخل بيتًا يعرف كيف يكرم ضيوفه .. ويحفظ للناس أقدارهم .
ولفتني أيضًا أن الدكتور لم يذكر أن الحضور كانوا يوافقونه في كل شيء ..
بل أشار إلى أنهم كانوا يبدون آراءهم بثقة ..
رجالًا ونساءً ..
دون خوفٍ من مخالفة رأي المدرب أو انتظار موافقة الآخرين .
وهنا أدركت أن البيئات الحية لا تُعرف بكثرة الأصوات ..
بل بحرية العقول .
فالإنسان حين يشعر أن رأيه محل احترام ..
لا يبحث عن الانتصار في النقاش ..
وإنما يبحث عن الاقتراب من الحقيقة .

وحين تصبح القاعة مكانًا يتبادل فيه الجميع التفكير ..
لا مجرد مكانٍ يتلقون فيه الكلام ..
تتحول المعرفة من مادةٍ تُلقَّن إلى تجربةٍ تُعاش .
ومن المشاهد التي توقفت عندها أيضًا .. حديثه عن شاعرٍ أردني ألقى قصيدةً في مدح المملكة العربية السعودية ..
فلم يكن الجمال في الأبيات وحدها ..
بل في حرارة الإلقاء وروح صاحبه .
وهنا تذكرت أن الكلمة لا تعيش بالحروف وحدها .
إنها تحتاج إلى قلبٍ يؤمن بها .
فكم من نصٍ جميلٍ مات على لسان صاحبه ..
وكم من عبارةٍ بسيطةٍ بقيت في الذاكرة لأن من قالها كان يعيشها قبل أن ينطقها .
وأعجبني كذلك وصفه للحضور ..
إذ بدت عليهم هيبة القيادات ..
لكنهم ما إن حضرت الدعابة حتى ضحكوا من أعماقهم .
وهنا يتهاوى حكمٌ متكرر نقع فيه كثيرًا .
فنحن كثيرًا ما نقرأ الوجوه ..
ولا نقرأ أصحابها .
نحسب الوقار جمودًا ..
والحزم قسوة ..
حتى نفاجأ أن أكثر الناس هيبةً قد يكون أكثرهم لطفًا وإنسانية .
فالإنسان الواثق لا يحتاج أن يصطنع الصلابة ..
ولا يرى في الابتسامة نقصًا من قدره .
وحين انتهى البرنامج ..
لم يكن أصعب ما واجهه الدكتور هو إتمام مهمته .. بل الإفلات من كرم الناس الذين أصروا أن يكون ضيفًا على موائدهم .
ولعل هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تكشف معدن الشعوب أكثر مما تكشفه العبارات الكبيرة .
فالكرم لا يُقاس بما يُقدَّم على المائدة ..
بل بما يحمله القلب من رغبةٍ صادقة في أن يبقى الضيف قريبًا .
وحين قرأت رسائله كلها ..
شعرت أن أجمل ما عاد به من تلك الرحلة لم يكن صورةً التقطها ..
ولا برنامجًا قدّمه ..
ولا حتى إشادةً سمعها .
بل عاد بيقينٍ قديم يتجدد في كل مرة :
أن المتحدث مهما بلغ من العلم ..
يظل محتاجًا إلى جمهورٍ يوقظ فيه أجمل ما يعرف .
فبعض القاعات تمنحك دقائق من التصفيق .
وبعضها يمنحك عمرًا جديدًا من الشغف .
ولعل الإنسان لا يقاس بما يقول فقط ..
بل بما يستطيع الآخرون أن يستخرجوه من داخله .
وهناك جمهور ..
لا يكتفي بأن يستمع إليك .
بل يجعلك تغادر القاعة ..
وأنت تشعر أنك أنت أيضًا تعلمت شيئًا جديدًا .
وما أندر هذا النوع من الجمهور ..
وما أجمل أن يتعب الإنسان من أجله
.

gemini generated image lmng5lmng5lmng5l

أثر لاينسى
جدة
السبت ١٩ محرم ١٤٤٨
٤ يوليو ٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *