● حين يكون السُّلَّم أصدق من المصعد 🪜✨..

screenshot ٢٠٢٦٠٧٠٣ ٠٤٣٠٢٠ photo editor


أحيانًا .. لا تحتاج الحياة إلى كتابٍ كامل كي تعلّمنا درسًا جديدًا .. بل تكفيها صورة ..
صورةُ سُلَّمٍ يصعد بمحاذاة بناءٍ شاهق .. وكلماتٌ قليلة تهمس في القلب أكثر مما تخاطب العقل ..
وقفتُ طويلًا أمام تلك الخاطرة .. ولم أرَ فيها حديثًا عن بناءٍ ولا عن مصعد .. بل عن الإنسان نفسه ..
عن ذلك الكائن الذي يقضي عمره وهو يختار الطريق .. ثم يكتشف في نهايته أن الطريق هو الذي كان يصنعه ..
نحن نظن أن السؤال الأكبر في الحياة هو : كيف نصل .. ؟
بينما السؤال الذي يتوارى خلفه أكثر عمقًا : من الذي سيصل .. ؟
فليس كل من بلغ القمة هو الإنسان نفسه الذي بدأ الرحلة ..
بعضهم يصل بجسدٍ سبق روحه ..
وبعضهم يصل باسمٍ لم تلحق به قيمته ..
وبعضهم يصل .. لكنه لا يعرف كيف وصل ..
وهنا يصبح السُّلَّم أكثر صدقًا من المصعد ..
فالمصعد يمنحك الارتفاع .. لكنه لا يمنحك الرحلة ..
أما السُّلَّم .. فيُبطئ خطواتك حتى يترك لكل درجةٍ فرصةً لتغيّر شيئًا في داخلك ..
ولذلك لم يكن القدماء يبالغون حين قالوا إن المشقة تُعلِّم ..
فهم لم يقصدوا تمجيد التعب لذاته .. وإنما كانوا يشيرون إلى أن الإنسان لا يخرج من الطريق كما دخله ..
كل خطوةٍ حقيقية تترك أثرًا ..
وكل درجةٍ يرتقيها بجهده .. تضيف إلى شخصيته ما لا تضيفه المسافات المختصرة ..
ولعل هذا ما يجعل كثيرًا من النجاحات تبدو متشابهة في ظاهرها .. لكنها مختلفة في حقيقتها ..
قد يقف رجلان في المكان نفسه ..
يحملان اللقب نفسه ..
ويصفق لهما الناس بالقدر نفسه ..
لكن بينهما فرقًا لا يظهر في الصورة ..
أحدهما صعد السُّلَّم ..
والآخر حمله المصعد ..
الأول يعرف قيمة كل درجة .. لأنه دفع ثمنها من وقته .. وصبره .. وأخطائه .. ومحاولاته ..
أما الثاني .. فقد عرف القمة قبل أن يعرف الطريق إليها ..
ولهذا .. إذا اهتزت الأرض تحت أقدامهما .. عرف الأول كيف يثبت ..
بينما بدأ الثاني يبحث عن أقرب مصعدٍ آخر ..
وليس المقصود هنا أن الطريق السهل مذموم .. ولا أن كل اختصارٍ خطأ ..
بل إن الحياة نفسها تدعونا أحيانًا إلى التيسير ..
لكن المشكلة تبدأ حين يصبح الإنسان عاشقًا للاختصار .. لا للمعنى ..
يريد النتيجة دون التجربة ..
والثمرة دون الزرع ..
والتصفيق دون الاستحقاق ..
وحينها لا يكون قد اختصر الطريق …
بل اختصر نفسه ..
ولعل أكثر ما أعجبني في تلك الخاطرة أنها لم تتحدث عن النهاية ..
قالت فقط :
“ستلتقيان بالأعلى .”
وكأنها تذكّرنا بأن الوصول لا يكفي ..
فالناس يلتقون عند القمم كثيرًا ..
لكن الأحاديث التي تدور هناك تكشف حقيقة الطريق ..
هناك فقط يعرف الإنسان ما الذي كسبه …
وما الذي فقده وهو يصعد ..
وربما لهذا كان بعض الصاعدين أكثر تواضعًا كلما ارتفعوا ..
لأن السُّلَّم علّمهم أن كل درجة كانت مدينةً لدرجةٍ قبلها ..
وأن من ينسى بداياته .. لا يفهم نهاياته ..
أما الذين حملتهم المصاعد سريعًا .. فكثيرًا ما يظنون أن الارتفاع صنعهم ..
ولا يدركون أن أول انقطاعٍ للكهرباء قد يعيدهم إلى حيث بدأوا ..
إن الحياة لا تختبرنا عند نقطة البداية فقط ..
بل تختبرنا أيضًا في الطريقة التي نختار بها الصعود ..
فقد نصل جميعًا …
لكن القليل فقط يصل وهو يحمل معه نفسه ..
ولذلك .. كلما رأيتُ سُلَّمًا بعد اليوم .. لن أفكر في عدد درجاته ..
بل سأفكر في عدد المعاني التي يمكن أن تصنعها درجةٌ واحدة .. إذا صعدها الإنسان بقلبه قبل قدميه .


كانت شرارة هذا التأمل صفحةً جميلة من كتاب «زخات المطر» للأستاذة أمل النعيمي .. التي أثبتت مرةً أخرى أن الكلمات الصادقة لا تنتهي عند قارئها .. بل تبدأ منه رحلةُ معنى جديدة
.

gemini generated image lmng5lmng5lmng5l

أثر لاينسى
جدة
الجمعة ١٨ محرم ١٤٤٨
٣ يوليو ٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *