● الثراء الذي يقود إلى الثراء ..

screenshot ٢٠٢٦٠٧٠٢ ١٣٣٣٥١ gallery

أحيانًا  .. 
لا تحتاج الفكرة إلى محاضرة كاملة كي تولد  .
بل تكفيها صورة   ..
صورةٌ لمدينةٍ تستيقظ على صباحها  ..
بينما تمتد في الأفق مدينةٌ أخرى لا تراها العين بوضوح   ..
لكنها تراها الروح   ..
هناك  ..
من أحد مطلات الأردن   ..
كتب الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني عبارةً بدت قصيرة  …
لكنها حملت من المعاني أكثر مما حملته الصورة نفسها  ..
« شعورك أنك قريب من القدس  .. شعورٌ من الصعب تفسيره .»

screenshot ٢٠٢٦٠٧٠٢ ٠٩٤١١٨ gallery


ثم أتبعها بقوله إنه في طريقه إلى مركز ديبونو لتعليم التفكير  ..
قد يظن القارئ أن العبارتين لا رابط بينهما  ..
واحدة تتحدث عن القدس  ..
والأخرى عن مركزٍ للتدريب  ..
لكن التأمل فيهما يكشف خيطًا خفيًا يجمعهما  ..
فكلاهما يتحدث عن شيءٍ لا يُقاس بالمسافة   ..
فالقدس لا تصبح قريبة لأنك تراها بعينيك  ..
بل لأن لها مكانًا في قلبك   ..
وكذلك الرسالة  ..
لا تصبح حيّة لأنك تمارسها  ..
بل لأنك لا تزال تحمل شغفها في داخلك  ..
ومن هنا بدأ يتشكل في ذهني سؤالٌ لم يكن عن القدس  ..
ولا عن الأردن  ..
ولا حتى عن التدريب  ..
ما الذي يجعل إنسانًا يزداد ثراءً كلما ازداد عطاءً
  ؟
ولم يطل الانتظار حتى انتقل الحديث من المشهد إلى المعنى ..
فبعد عودته من يومٍ حافلٍ باللقاءات والبرامج ..
لم يحدثنا عن عدد الحاضرين ..
ولا عن نجاح الأمسية ..
ولا عن تفاصيل الرحلة ..
بل أخذنا إلى سؤالٍ آخر ..
بدا في ظاهره حديثًا عن التدريب ..
لكنه في حقيقته كان حديثًا عن الحياة كلها .
قال إن المدرب إذا غاب طويلًا عن ميدان التدريب ..
أصابه ما يشبه ما يصيب لاعب الكرة حين يبتعد عن الملاعب ..
إذ يفقد شيئًا لا يُشترى ..
ولا يُستعاد بين ليلةٍ وضحاها .
لم يقل إنه يفقد معلوماته .
ولم يقل إنه ينسى ما تعلمه .
بل قال إنه يفقد حساسيته .
وتوقفت طويلًا عند هذه الكلمة .
لأن الحساسية ليست مهارةً نتعلمها ..
بل علاقةٌ حيّة بين الإنسان وما يحب .
فالكاتب لا يعيش من الكلمات وحدها ..
بل من إحساسه بها .
والمعلم لا ينجح بكثرة ما يحفظ ..
بل بقدرته على أن يبقى قريبًا من طلابه .
والمدرب لا يصنع أثره بالشهادات المعلقة على الجدران ..
بل بشغفه الذي لا يسمح للرسالة أن تتحول إلى عادة .
ولهذا كان الفتور أخطر من الجهل  .
فالجاهل يستطيع أن يتعلم .
أما من فقد شغفه ..
فقد يحتاج أولًا إلى أن يستعيد نفسه .
فالإنسان لا يفقد مهنته أولًا ..
بل يفقد حساسيته تجاهها .
ويوم تصبح الكتابة مجرد كتابة ..
والتدريب مجرد تدريب ..
والتعليم مجرد وظيفة ..
فاعلم أن شيئًا في الداخل بدأ يذبل قبل أن يراه أحد .
ولعل الإنسان لا يقترب من رسالته إلا إذا حافظ على حضوره الفخم فيها ..
ذلك الحضور الذي لا يعني مجرد الوجود .. بل أن يعود في كل مرة أكثر امتلاءً مما كان عليه في المرة السابقة .
ولهذا كان الدكتور يؤكد أن اللياقة التدريبية لا تُحفظ إلا بالممارسة ..
وأن الغياب الطويل لا يسرق من الإنسان معلوماته بقدر ما يسرق منه علاقته الحية برسالته .
وهنا بدأ الدكتور يطرح سؤالًا يواجه كثيرًا ممن يدخلون عالم التدريب .
لماذا يبدأ بعضهم بحماسٍ كبير  ..
ثم يختفي بعد أشهر  ..
وكأن شيئًا انطفأ في داخله ؟
ولم يُرجع ذلك إلى قلة الفرص ..
ولا إلى ضعف السوق ..
ولا إلى تغيّر الزمن .
بل أشار إلى سببٍ آخر  ..
أكثر خفاءً  ..
أن بعض الداخلين إلى عالم التدريب يبحثون منذ البداية عن الثمرة ..
قبل أن يغرسوا الشجرة .
فإذا تأخر الحصاد ..
ظنوا أن المشكلة في الأرض ..
بينما كانت البذرة نفسها لم تكتمل بعد  ..
ومن هنا يبدأ الوهم الكبير
  ..

ولعل أخطر ما يواجه الداخل إلى أي رسالة ..
أن يسبقه إليها من يبيع له الطريق مختصرًا ..
ويهمس في أذنه أن المجد لا يحتاج إلا إلى قليل من الجدية ..
وأن الثراء ينتظر عند أول المنعطفات ..
. بينما الحقيقة أن الشعار الجميل لا يصنع مدربًا ..
كما أن الحماس وحده لا يبني رسالة ..
فالثراء لا يُقطف من أول الطريق ..
بل يُبنى حجرًا فوق حجر ..
حتى يصبح المال في آخر الرحلة نتيجةً لا غاية ..
وهنا لامس الدكتور وهمًا يقع فيه كثيرون ..
لا في التدريب وحده ..
بل في كل طريقٍ يسلكه الإنسان ..
إنهم يبحثون عن الصورة قبل أن يبنوا الحقيقة ..
يتعب أحدهم في اختيار عنوانٍ يلفت الأنظار ..
أكثر مما يتعب في بناء فكرةٍ تستحق أن تُسمع ..
ويظن أن الدهشة التي يصنعها الإعلان كافيةٌ ليضمن بقاء الناس معه ..
بينما الحقيقة أن الإعلان لا يستطيع أن يحمل صاحبه طويلًا إذا كان الداخل فارغًا ..
ولذلك لم يكن اعتراض الدكتور على العنوان الجذاب .
.

screenshot ٢٠٢٦٠٧٠٢ ١٢٠٤٠٣ gallery


بل أكد أكثر من مرة أن العنوان الآسر قيمةٌ كبيرة ..
وأنه جزءٌ من جمال العمل وإتقانه ..
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول العنوان إلى كل شيء ..
ولا يبقى خلفه شيء ..
فالعنوان قد يجذب الناس مرةً واحدة .. أما المضمون ..
فهو الذي يجعلهم يعودون مرةً ثانية .. وثالثة .. وعاشرة ..
ولذلك فإن أخطر خسارةٍ لا تقع على المتدرب الذي اكتشف الحقيقة ..
بل على المدرب نفسه ..
لأن المتدرب يغادر وقد تعلم درسًا واحدًا ..
أما المدرب فيغادر معه جمهوره ..
ومع كل مرةٍ يكتشف فيها الناس أن العنوان كان أكبر من المحتوى ..
لا يفقد برنامجًا واحدًا فحسب ..
بل يفقد جزءًا من الثقة التي لا تُشترى ..
ولا تُستعاد بسهولة ..
وهنا انتقل الحديث إلى كلمةٍ أراها من أجمل ما قيل في ذلك الصباح ..
قال : «الثراء يوصل إلى الثراء .»
ولعل أجمل ما في هذه العبارة أنه لم يقل : من شروط النجاح ..
بل قال : من شروط البقاء ..
فالنجاح قد يحدث مرة ..
أما البقاء فلا يحرسه الذكاء وحده ..
بل يحرسه الثراء الذي يتجدد في صاحبه كل يوم ..
ولم يكن يقصد المال ..
بل كان يقصد أن الثراء الحقيقي يبدأ قبل المال بوقتٍ طويل .
.

gemini generated image 82l9do82l9do82l9


يبدأ حين يمتلئ الإنسان علمًا .. وفكرًا .. ومهارةً .. وشغفًا .. وأخلاقًا .. وقدرةً على التواصل .. وحبًا صادقًا لما يصنعه ..
هذا هو الثراء الذي لا يراه الناس في البداية ..
لكنه وحده القادر على أن يقود صاحبه إلى كل أشكال الثراء الأخرى
  .

ولعل هذا هو السر الذي يجعل بعض الناس يتركون أثرًا أينما حلّوا ..
بينما يبذل آخرون جهدًا مضاعفًا ولا يكاد يُذكر لهم أثر  ..
فالناس لا تنجذب طويلًا إلى البريق ..
بل تنجذب إلى الامتلاء ..
إنها تشعر به وإن لم تستطع تفسيره ..
تشعر أن هذا الإنسان لا يتحدث لأنه يريد أن يُقنعهم ..
بل لأنه عاش ما يقول ..
ولا يدرب لأنه يبحث عن جمهور ..
بل لأنه يحمل رسالة ..
ولا يكتب لأنه يريد إعجابًا سريع الزوال  ..
بل لأنه يرى في الكلمة أمانة ..
ولهذا كان الثراء الداخلي سابقًا دائمًا للثراء الخارجي ..
فالمال قد يشتري إعلانًا ..
لكنه لا يشتري ثقة ..
والشهرة قد ترفع الاسم ..
لكنها لا ترفع القيمة ..
أما الإنسان الذي ظل يملأ نفسه كل يوم بعلمٍ جديد ..
وتجربةٍ جديدة ..
وتأملٍ جديد ..
وموقفٍ جديد ..
فإنه لا يحتاج أن يطارد الأثر ..
لأن الأثر هو الذي يبدأ بملاحقته ..
وكثيرًا ما نهرب من سؤال الذات إلى سؤال الظروف ..
فنقول  : تغيّر السوق .. وتغيّر الناس .. وتغيّر التدريب ..
بينما يبقى السؤال الأصعب مؤجلًا :
هل أنا الذي توقفت عن النمو .. ؟
فالأعذار قد تُريح النفس لحظة ..
لكنها لا تُعيد إليها ثراءها ..
ولا تُرجع إليها أثرها ..
ولهذا أيضًا لم يكن غريبًا أن يبدأ حديث الدكتور من القدس ..
ثم يمر بالتفكير ..
ثم ينتهي بالتدريب ..
لأن من اعتاد أن يُغذّي قلبه بالمعاني الكبيرة ..
لا يستطيع إلا أن يبحث عن المعاني الكبيرة في كل ما يفعله ..
فالقدس لم تكن مجرد مكان ..
ومركز ديبونو لم يكن مجرد وجهة ..
والتدريب لم يكن مجرد مهنة ..
بل كانت كلها محطاتٍ في رحلةٍ واحدة .. رحلة الإنسان الذي يرفض أن يتوقف عن بناء نفسه
.

ولعل أجمل ما خرجتُ به من هذا الحديث كله ..
أن الإنسان لا يخسر رسالته فجأة ..
كما أنه لا يبنيها فجأة ..
إنها تنمو كل يوم ..
أو تذبل كل يوم ..
بكتابٍ يقرؤه ..
وفكرةٍ يتأملها ..
ومهارةٍ يتقنها ..
وموقفٍ يسمو فيه على نفسه ..
وهكذا يتكوَّن الثراء الحقيقي ..
لا في لحظةٍ واحدة ..
بل في تراكمٍ هادئ لا يلتفت إليه أحد ..
حتى يصبح هو أكثر ما يلفت الأنظار ..
ولذلك لم يعد السؤال بالنسبة إليّ :
كيف أصل إلى الثراء .. ؟
بل أصبح :
أيُّ ثراءٍ أبنيه في داخلي اليوم ..
ليقودني إلى كل ما بعده .. ؟
فلعل المال يكون ثمرةً ..
لكن الجذور كانت دائمًا أعمق من أن تُرى ..
ولعل أجمل ما أدركته من ذلك الصباح أن الثراء لا يبدأ حين تملك أكثر ..
بل حين تصبح أكثر ..
ولهذا صدقت تلك العبارة التي تستحق أن تُكتب بماء الذهب :
” الثراء  .. هو الذي يقود إلى الثراء .”

gemini generated image xn4cm7xn4cm7xn4c


ولأن المعاني الكبيرة لا تغيب عن القلب  ..
ولا تغادره بانتهاء الكلمات  ..
فلا تغادر أنت أيضًا قبل أن ترفع دعوةً للأقصى :
اللهم احفظ المسجد الأقصى  .. وأهله  ..
ومن رابط فيه  ..
واجعل لنا فيه صلاةً قبل الممات .. آمين
.

gemini generated image lmng5lmng5lmng5l

أثر لاينسى
جدة
الخميس ١٧ محرم ١٤٤٨
٢ يوليو ٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *