🌱المواقف لا تموت 🌱 .. نحن من يدفنها 🪦

screenshot ٢٠٢٦٠٦٢٩ ٠٢٤٤٣٦ gallery



حين يسدل الليل ستارته ..
ويهدأ صخب النهار ..
يظن كثير من الناس أن اليوم قد انتهى ..
لكن الحقيقة أن بعض الليالي لا تبدأ فيها الراحة ..
بل يبدأ فيها التفكير .
هناك أفكار لا تزور الإنسان في زحام النهار ..
وإنما تأتيه حين يسكت كل شيء من حوله ..
ليبقى وحده مع حصاد عمره ..
وفي إحدى تلك  الحوارات داخل المجموعة  ..
فتح الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني بابًا لم يكن عن التدريب وحده ..
ولم يكن عن القصة وحدها ..
بل كان عن شيء أكبر بكثير ..
عن الإنسان ..
وعن حياته ..
وعن السؤال الذي لا ينتبه إليه كثيرون
..

لماذا يمضي بعض الناس من الدنيا .. وكأنهم لم يمروا بها أصلًا .. بينما يبقى آخرون أحياءً في ذاكرة الناس .. رغم رحيلهم منذ سنوات ؟
بدأ الحديث بسؤال بسيط ..
“ما فائدة هذه المواقف للمدرب ؟”
وظن الجميع أن الحديث سيدور حول مهارات التدريب .. وكسر الجليد .. وإثراء البرامج التدريبية ..
لكن السؤال الحقيقي لم يكن عن المدرب ..
بل عن الإنسان الذي يعيش الموقف ..
هل يتركه يمضي كما جاء ؟
أم يحوله إلى معرفة .. ثم إلى حكمة .. ثم إلى أثر يبقى بعده ؟
لقد اتفق الجميع على أن القصة ممتعة .. وأن الناس بطبيعتهم يحبون سماعها ..
وهذا ليس جديدًا
..

فالقرآن الكريم امتلأ بالقصص .. لأنها أقرب الطرق إلى القلب .. وأسرعها وصولًا إلى العقل ..
لكن الدكتور توقف عند نقطة يغفل عنها كثيرون ..
لم يقل ..
هل تروي قصة؟
بل قال ..
هل تجيد روايتها؟
وهنا بدأ الفرق ..
فالقصة في ذاتها ليست ميزة ..
بل قد تتحول إلى نقطة ضعف ..
كم من موقف جميل فقد بريقه .. لأن صاحبه لم يعرف كيف يرويه ..
وكم من قصة عادية بقيت عالقة في الذاكرة .. لأن راويها عرف متى يصمت .. ومتى يتكلم .. ومتى يرفع صوته .. ومتى يترك للخيال أن يكمل المشهد
..

ولهذا قال عبارة تستحق أن تُكتب بماء الذهب ..
“القضية ليست موقفًا يُحكى… بل كيف يُحكى .”
كم هو صادق ..
فالفرق بين الراوي والكاتب ..
كالفرق بين من يحمل بذرة .. ومن يعرف كيف يجعلها شجرة ..
ثم طرح سؤالًا آخر  ..
كيف أعرف أنني أجيد رواية المواقف ؟
ولم يحتج إلى نظريات طويلة ..
قال ببساطة ..
“وجوه المتدربين أمامك مرآة .”
يا لها من كلمة ..
ليست في التدريب وحده  ..
بل في الحياة كلها  ..
فالمعلم مرآته طلابه  ..
والكاتب مرآته قراؤه  ..
والأب مرآته أبناؤه  ..
والخطيب مرآته مستمعوه
  ..

وكل إنسان يجد صورته الحقيقية في أثره على الآخرين ..
فإن رأيت العيون تسبق الكلمات ..
فاعلم أن رسالتك وصلت ..
وإن رأيت الوجوه غائبة ..
فراجع نفسك قبل أن تراجع جمهورك ..
ثم انتقل إلى مرحلة أعمق ..
قال ..
إذا وجدت موقفًا تفاعل معه الناس أكثر من مرة ..
فضع عليه علامة ..
احتفظ به ..
طوره ..
وأعد روايته حين يحين وقته
..

أما المواقف التي قابلها الناس بالبرود ..
فقال عنها جملة أدهشتني ..
“قدّم لها خطاب شكر … ثم ودّعها للأبد . “
ما أجمل هذا التعبير  ..
حتى الأفكار لا ينبغي أن نبقى أسرى لها ..
ليست كل قصة تستحق أن تعيش ..
وليست كل تجربة تصلح أن تُروى ..
والنضج الحقيقي أن تعرف متى تتمسك .. ومتى تودع ..
ثم جاء السؤال الذي يظنه الناس أصعب الأسئلة ..
من أين لي بالمواقف ؟
وأجاب عنه بجملة تختصر أعمارًا كاملة ..
“لا تخلو حياة أي إنسان من المواقف .”
لكن بعض الناس ..
يدفنها وهي لا تزال وليدة ..
وقال ..
“البعض يقوم بوأد المواقف في مهدها
.”

توقفت طويلًا عند هذه العبارة ..
كم موقف مر بنا جميعًا ..
ثم مات .. لأننا لم نتأمله ..
كم تجربة عبرت حياتنا ..
ثم اختفت .. لأننا لم نتعلم منها ..
كم إنسان عاش ثمانين عامًا ..
ولم يترك خلفه قصة واحدة ..
ليس لأن حياته كانت فقيرة ..
بل لأنه لم يكن يرى ما فيها ..
ثم ضرب مثالًا سيبقى في ذاكرتي طويلًا ..
قال ..
هناك من يذهب إلى البحر يريد الصيد ..
لكن بلا صنارة ..
كيف سيعود ؟
بلا سمكة ..
وبلا ذكرى ..
أما الذي يحمل أدواته ..
فسيعود بقصص ..
ليس عن السمك فقط ..
بل ربما عن الحيتان أيضًا
..

وهنا فهمت أن الصنارة التي يقصدها الدكتور ليست أداة صيد ..
بل أداة ملاحظة ..
هناك أناس يعيشون الحياة بعينين فقط ..
وهناك من يعيشها بقلب يلتقط التفاصيل ..
ولهذا تختلف ذاكرتهم ..
ويختلف أثرهم ..
ومع مرور الحوار ..
لم أعد أشعر أنني أستمع إلى درس في التدريب ..
بل إلى فلسفة في الحياة ..
فالمواقف ليست مادة يقدمها المدرب ..
إنها المادة الخام التي يصنع منها الإنسان نفسه ..
فالذي يراقب الحياة ..
تمنحه الحياة قصصًا ..
والذي يمر بها مسرعًا ..
لن تمنحه إلا الأيام
..

ولعل أجمل ما خرجت به من ذلك المساء ..
أن الإنسان لا يورث أبناءه المال وحده ..
ولا الكتب وحدها ..
ولا المناصب ..
بل يورثهم أيضًا طريقته في النظر إلى الحياة ..
فقد يعيش اثنان الموقف نفسه ..
فيخرج أحدهما منه بذكرى عابرة ..
ويخرج الآخر بمقال ..
أو كتاب ..
أو حكمة ..
أو فكرة تغير حياة إنسان ..
وهذا هو الإرث الحقيقي ..
لهذا لم يعد السؤال بالنسبة لي ..
هل أعيش مواقف كثيرة ؟
بل أصبح ..
كم موقفًا أنقذتُه من النسيان ؟
فالمواقف لا تموت ..
نحن من نتركها تموت ..
أما إذا كُتبت ..
وفُهمت ..
ورُويت بصدق ..
فإنها تتحول إلى حياة أخرى ..
يعيشها أناس لم يكونوا يومًا جزءًا منها ..
وربما لهذا بقيت قصص الأنبياء ..
وحكم الآباء ..
وتجارب العلماء ..
ليس لأنها وقعت ..
بل لأن أحدًا أحسن روايتها ..
فالسنوات تمضي ..
أما الكلمة الصادقة ..
فقد تبقى بعد صاحبها دهورًا ..
وهذا هو الإرث الذي لا تأكله الأيام
  .

gemini generated image lmng5lmng5lmng5l

اثر لاينسى
جدة
الأثنين ١٤ محرم ١٤٤٨
٢٩ يونيو ٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *