هناك فرقٌ هائل بين من يسمع السؤال .. ومن يُصغي إليه .
فالسامع يبحث عن جواب .. أما المُصغي فيبحث أولًا عن المقصود .
ولهذا لم يكن أكثر الناس نجاحًا عبر التاريخ هم أكثرهم معرفة .. بل أكثرهم دقةً في فهم المطلوب .
كم من إنسانٍ بذل جهدًا عظيمًا .. ثم خرج خالي الوفاض .. لا لأنه عجز عن الإجابة .. بل لأنه أجاب عن سؤالٍ لم يُطرح .
وكم من آخر لم يزد على كلمات قليلة .. لكنها أصابت الهدف إصابة السهم لقلب الرمية .
ولعلنا نظن أن هذه المهارة بسيطة .. لكنها في الحقيقة من أندر مهارات العقول .
ولهذا لم يكن السؤال الذي طرحه الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني سؤالًا عن المدربين .
ولم يكن يريد أن يعرف أسماء المؤثرين في حياتنا .
ولم يكن يقيس ثقافتنا .. ولا كثرة اطلاعنا .
بل كان يصنع موقفًا تدريبيًا كاملًا .. يخفي داخله درسًا لا يكتشفه إلا من ينظر إلى ما وراء الكلمات .
قال لنا :
اذكر خمسة مدربين .. وأمام كل واحد صفة واحدة .
جملة قصيرة .. لكنها كانت كافية لتكشف كيف يعمل العقل .
فمن المشاركين من ذكر ثلاثة أسماء .
ومنهم من ذكر أربعة .
ومنهم من جعل لكل مدرب ثلاث صفات .
ومنهم من كتب بعد انتهاء النشاط .
وكل هؤلاء كانوا يظنون أنهم أجابوا .
لكنهم – في الحقيقة – لم يجيبوا عن السؤال كما طُرح .
وهنا كشف الدكتور عن أول مفاتيح العقل المتقن :
المرونة التكيفية .
ولم يقصد بها القدرة على تغيير الرأي .
ولا سرعة التأقلم مع الظروف .
بل قصد شيئًا أدق من ذلك كله ..
أن يستطيع الإنسان أن يوقف اندفاعه لحظة .. فيسأل نفسه :
ما الذي طُلب مني بالضبط ؟
لأن كثيرًا من الناس لا يفشلون بسبب ضعف قدراتهم ..
بل لأنهم يبدأون الإجابة قبل أن ينتهوا من فهم السؤال .
ولذلك قال الدكتور إن المرونة التكيفية تعني أن أفهم المطلوب كما هو .. ثم ألتزم به كما هو .. فلا أنقص منه .. ولا أزيد عليه .
قد يبدو الأمر بسيطًا ..
لكنه في الحقيقة مهارة عقلية نادرة .
فالعقل المنضبط لا يُقاس بكثرة ما يقول ..
بل بقدرته على أن يقول ما ينبغي قوله .. في الوقت الذي ينبغي .. وبالقدر الذي طُلب منه .
ولكي يرسخ هذا المعنى في أذهاننا .. روى الدكتور موقفًا من أيام دراسته في الماجستير .. بدا في ظاهره قصةً عابرة .. لكنه في حقيقته درسٌ في طريقة عمل العقل .
كان سؤال الاختبار يقول :
“اكتب سؤالًا .. ثم أجب عنه .”
جلس معظم الطلاب يكتبون صفحاتٍ طويلة .. كما جرت العادة في الاختبارات .. بينما نهض أحدهم بعد دقائق قليلة وسلَّم ورقته .
تعجب الجميع .
كيف انتهى بهذه السرعة ؟
وحين سُئل عن ذلك .. قال بهدوء :
“أنا فعلت ما طُلب مني . كتبت سؤالًا .. ثم أجبت عنه .. ولم أُلزم نفسي بأكثر مما طلب السؤال .”
قد يختلف الناس في تقييم هذه الإجابة .. لكن الذي أراد الدكتور أن يلفت انتباهنا إليه لم يكن صحة التصرف أو خطأه .. بل شيئًا آخر :
أن هذا الطالب قرأ السؤال بعينٍ مختلفة .
لم ينجرف إلى ما اعتاده الناس في الاختبارات .. بل بقي وفيًّا للمطلوب نفسه .
وهنا بدأت أفهم أن العقل لا يُختبر دائمًا بما يعرف .. بل بالطريقة التي يتعامل بها مع التعليمات .
فكم من إنسان يظن أن الزيادة دليلُ اجتهاد .. بينما تكون الزيادة نفسها خروجًا عن المطلوب .
وليس كل توسعٍ إبداعًا .. كما أن الاختصار ليس دائمًا تقصيرًا .
أحيانًا تكون العبقرية في أن تعرف أين تتوقف .
وهنا انتقل الدكتور إلى المهارة الثانية ..
التركيز .
ولم يقصد به مجرد الانتباه أثناء الشرح .. بل قصد أن يكون للإنسان هدفٌ واضح لما يلتقطه من كل تجربة .
فالإنسان في بداياته يحضر البرنامج ليجمع المعلومات .
ثم إذا بدأ يفكر أن يكون مدربًا .. صار ينظر إلى المدرب نفسه .
كيف يبدأ حديثه ؟
كيف ينتقل بين الأفكار ؟
كيف يجيب عن الأسئلة ؟
ثم إذا اتسعت رؤيته أكثر .. لم يعد يرى المدرب وحده .. بل صار يرى القاعة كلها .
يرى المتدربين .. وطريقة تفاعلهم .. وإدارة الوقت .. ولغة الجسد .. والبيئة التدريبية .. وحتى التفاصيل الصغيرة التي تمر على غيره مرورًا عابرًا .
وهنا يصبح البرنامج الواحد .. أكثر من برنامج .
لأنك لا تتعلم منه علمًا واحدًا .. بل عشرات الدروس التي لم تُكتب في الحقيبة التدريبية أصلًا .
ولهذا قال الدكتور كلامًا ينبغي أن يكتب بماء الذهب :
إن كثيرًا من الناس يحضرون البرامج التدريبية .. لكنهم لا ينتبهون إلى أساليب المدربين .
وهذه الجملة وحدها غيَّرت نظرتي إلى التعلم .
فقد كنت أظن أن الفائدة كلها فيما يُقال ..
ثم أدركت أن جزءًا كبيرًا منها يكمن في كيف يُقال .
فقد تتعلم من طريقة طرح السؤال أكثر مما تتعلم من الجواب .
وقد تتعلم من انتقالةٍ بين فكرتين أكثر مما تتعلم من الفكرة نفسها .
وقد تخرج من البرنامج بمهارةٍ لم يتحدث عنها المدرب أصلًا .. لكنه مارسها أمامك دون أن تشعر .
ولعل هذه هي اللحظة التي يتحول فيها التدريب من مجرد نقلٍ للمعرفة .. إلى تربيةٍ للعقل .
وهنا خطر لي سؤال لم أكن أطرحه على نفسي من قبل :
ما الذي أخرج به من كل تجربة أعيشها ؟
فكثيرون يحضرون الدورات .. ويخرجون وقد ازدادت معلوماتهم .. لكن قلةً منهم يخرجون وقد تغيرت طريقة تفكيرهم .
وهذا هو الفرق بين من يجمع المعرفة .. ومن يصنعها .
فالأول يضيف إلى ذاكرته .. أما الثاني فيعيد ترتيب عقله .
ولعل هذا هو السبب الذي جعل الدكتور يربط بين التركيز و المرونة التكيفية .. لأن الأولى تجعلك ترى ما يغفل عنه غيرك .. والثانية تجعلك تستجيب لما تراه بالطريقة الصحيحة .
فالتركيز بلا مرونة قد يحول الإنسان إلى أسير لفكرة واحدة .. والمرونة بلا تركيز قد تجعله ينتقل من شيء إلى آخر دون أن يبني شيئًا .
أما إذا اجتمعا .. أصبح العقل أكثر قدرة على الفهم .. وأبعد عن التشتت .. وأدق في اتخاذ القرار .
ولهذا لم يكن التدريب في ذلك المساء عن المدربين .. ولا عن البرامج .. ولا حتى عن المهارات التدريبية .
كان تدريبًا على الانضباط العقلي .
أن تتعلم أن تقرأ قبل أن تجيب .
وأن تفهم قبل أن تحكم .
وأن تتوقف لحظة قبل أن تنطلق .
وهذه اللحظة القصيرة قد تصنع فرقًا بين إنسان يكرر ما يفعله الجميع .. وإنسان يرى ما لم يره أحد .
وقد خرجت من ذلك الحوار بقناعة لا تزال تكبر في داخلي :
إن النجاح لا يبدأ عندما تعرف الجواب .. بل عندما تعرف ما السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن تجيب عنه .
فكم من معركة خسرها أصحاب العقول اللامعة .. لأنهم كانوا يقاتلون في الاتجاه الخطأ .
وكم من إنسان عادي سبق غيره .. لأنه وقف أولًا .. وتأمل .. وفهم .. ثم خطا الخطوة المناسبة .
ولهذا فإن أعظم استثمار يقوم به الإنسان ليس أن يزيد ما يعرفه .. وإنما أن يحسن الطريقة التي يفكر بها .
فالعقل المنظم قد يصنع من المعلومة البسيطة حكمة .. بينما العقل المشتت قد يضيع بين آلاف المعلومات دون أن يصنع منها أثرًا .
ولعل أجمل ما خرجت به من هذا الموقف أن التربية الحقيقية لا تكون دائمًا في الإجابات .. بل كثيرًا ما تكون في طريقة طرح السؤال .
فقد يكون سؤال واحد .. صيغ بإحكام .. أقدر على بناء العقل من عشرات المحاضرات .
وحينها أدركت أن بعض المعلمين لا يغيّرون ما نعرفه فقط .. بل يغيّرون الطريقة التي ننظر بها إلى المعرفة نفسها .
ومنذ ذلك اليوم .. كلما واجهت سؤالًا .. لم أعد أتعجل الجواب .. بل أصبحت أسأل نفسي أولًا :
هل فهمت السؤال كما أراده صاحبه .. أم كما تخيلته أنا ؟
وربما هنا يبدأ الفرق كله .
فليس كل من عرف الجواب حكيمًا ..
ولكن الحكيم هو الذي عرف أولًا : ما السؤال الذي ينبغي أن يجيب عنه .

اثر لاينسى
جدة
السبت
٢٦ محرم ١٤٤٨
١١ يوليو ٢٠٢٦

