في بعض الأمسيات ..
لا يأتي الحزن صاخبًا كما نظن ..
بل يتسلل بهدوء يشبه غبارًا خفيفًا يستقر على الأشياء دون أن يلحظه أحد ..
يهبط على الروح رويدًا رويدًا ..
حتى تبدو الضحكة أقل إشراقًا ..
والكلمات أقل رغبة في الخروج ..
والعينان أكثر انشغالًا بمسافات لا يراها الآخرون ..
رأيتها ذات مساء تجلس قرب النافذة ..
كان الغروب ينسحب من السماء ببطء ..
تاركًا خيوطًا باهتة من الضوء على وجهها ..
لم تكن تبكي ..
ولم تكن تشكو ..
لكن في صمتها شيء يشبه مدينة أُطفئت أنوارها فجأة ..
كانت تبتسم كلما التقت أحدًا ..
تلك الابتسامة المهذبة التي يؤديها المتعبون بإتقان ..
وكأنهم يخشون أن يزعجوا العالم بأحزانهم ..
غير أن العينين كان لهما رأي آخر ..
فقد كانتا تحملان ذلك البريق المنطفئ الذي لا تخطئه القلوب القريبة ..
سألتها برفق ..
ـ ما الذي أثقل روحكِ؟
رفعت رأسها قليلًا ..
ثم قالت بعد صمت طويل ..
ـ تعبت ..
كلمة واحدة فقط ..
لكنها خرجت مثقلة بما يكفي من الخيبات لتملأ كتابًا كاملًا ..
في تلك اللحظة أدركت أن أكثر الناس ألمًا ليسوا الذين يصرخون ..
بل الذين يواصلون السير رغم التعب ..
ويواصلون العطاء رغم النقص ..
ويواصلون الابتسام فيما تتساقط في داخلهم أشياء كثيرة لا يراها أحد ..
قلت لها ..
هل تعلمين؟
إننا نظلم الحياة حين نحاكمها بيوم واحد ..
فكما لا نحكم على البحر من موجة عاتية ..
لا ينبغي أن نحكم على أعمارنا من لحظة انكسار ..
كم من ليلة ظننا أنها الأخيرة في سلسلة الأحزان ..
ثم استيقظنا بعدها على صباح مختلف تمامًا ..
وكم من باب أغلق في وجوهنا حتى أيقنا أن الطريق انتهى ..
ثم اكتشفنا بعد زمن أن الله كان يقودنا نحو باب أجمل لم نكن نراه ..
الحياة ليست وعدًا دائمًا بالسعادة ..
لكنها أيضًا ليست حكمًا دائمًا بالحزن ..
إنها نهر طويل ..
تمر فيه المياه العكرة كما تمر المياه الصافية ..
ولا يبقى من المشهد كله إلا ما تعلمته الروح أثناء الرحلة ..
لا تسمحي لخيبة واحدة أن تسرق منكِ إيمانكِ بكل ما هو جميل ..
فالأشجار لا تتوقف عن النمو لأن عاصفة كسرت بعض أغصانها ..
والسماء لا تفقد زرقتها لأن الغيوم عبرتها يومًا ..
عودي إلى الأشياء التي تحبينها ..
إلى أحلامكِ المؤجلة ..
إلى الكتب التي تركتِ بين صفحاتها علاماتكِ الصغيرة ..
إلى الطرق التي كانت تمنحكِ شعورًا بالحياة ..
إلى نفسكِ التي تستحق منكِ من الحنان بقدر ما تمنحين الآخرين ..
وتذكري أن القلب خُلق ليعبر التجارب ..
لا ليقيم فيها ..
وأن الحزن ..
مهما طال ..
يبقى عابر سبيل ..
بينما الروح التي تتكئ على الله تظل قادرة على النهوض بعد كل سقوط ..
فما من ظلمة أبدية في هذه الدنيا ..
وما من جرح يبقى نازفًا إلى الأبد ..
هناك دائمًا فجر يتشكل في مكان ما خلف العتمة ..
ودائمًا باب يفتحه الله حين نظن أن الأبواب كلها أوصدت ..
ودائمًا نور يقترب من القلوب التي لم تفقد يقينها ..
حتى وإن ضلت الطريق للحظة ..
لذلك ..
لا يليق بقلبكِ هذا الأسى ..
ففي داخلكِ حياة أكبر من كل ما أحزنكِ ..
ورحمة أوسع من كل ما أوجعكِ ..
وربّ كريم إذا أراد جبرًا أدهش قلبكِ بما لم يخطر لكِ على بال ..
أثر لاينسى
جدة
الثلاثاء ١٥ محرم ١٤٤٨
٣٠ يونيو ٢٠٢٦

