القصةُ التي جعلت بروفيسورًا يقولُ لتلميذِهِ : أنتَ أستاذي
عندما كنت طالبا في الدراسات العليا مرحلة الدكتورة في كلية العلوم الاجتماعية بجامعة الإمام محمد بن سعود طلب مني زملاء الدراسة وعددهم ١٨ طالبا ان اكون المتحدث الرسمي للدفعة بسبب علاقتي الودودة مع الدكاترة
لا ادعي ان علاقتي متميزة مع جميع الدكاترة لكن مع أكثرهم نعم ويمكن القول بالمؤثرين منهم
كان البعض من الطلاب يستغرب عندما يعلم أن بعض الدكاترة كان يتصل بي عندما اغيب بسبب الارتباطات العملية لكوني وقتها مديرا للمرحلة الابتدائية قائدا لفريق يتجاوز الخمسة آلاف بين معلم ومدير ومشرف تربوي
كانت دراسة الدكتوراه من أجمل مراحل الدراسة واسهلها بالنسبة الي فقد كان التخصص ( استراتيجيات التدريس) عشقا خاصا لا أمل القراءة عنه أو الاستماع الى من يتحدث عنه
كان من أساتذتنا في الدكتوراه برفسور مبدع وكان هو الأقرب إلى نفسي وكان يعلم بممارستي للتدريب ويسألني عنه بين حين وآخر
وفي يوم من الأيام اتصل بي بالجوال وقال لي اخ فلان اريد ان اعمل معك في التدريب فقلت يامرحبا مليار
قال انا تابعت من خلال النت برامجك في عدد كبير من مناطق ومحافظات المملكة فهل التدريب له مكاسب كبيرة فقلت نعم بشرط أن تكون مدربا ممتعا
فقال لا تقلق انا بدرجة استاذ في الجامعة ولي مشاركات في البرامج الجامعية التي تقام بين حين وآخر
قلت له يادكتور البرامج الجامعية ليست مثل البرامج التجارية… البرامج الجامعية لاتكفي لصناعة مدرب محترف لكونك تتعامل مع طلاب وطالبات اما البرامج التجارية فستقابل متدربين ومتدربات يحملون خبرات كبيرة من معلمين ومديرين ومشرفين
قال لي لا تقلق ستكون الأمور كما تحب فلم اعلق
وفي يوم من الايام أخبرني انه سيقدم برنامجا للمشرفات التربويات في إدارة تعليم المدينة المنورة فقلت الله يوفقك دكتورنا الحبيب
بعد أيام وجدته يتصل علي منفعلا غاضبا فقلت دكتور عسى خير فقال اليوم بدأت برنامجي التدريبي مع المشرفات التربويات وانا منزعج جدا منهن
قال يا اخي يفتقدون أبجديات الذوق وليس لديهن اي احترام للمدرب واسلوبهن في الحوار غير مقبول
قلت دكتور ما الذي حدث؟
قال يجب أن يعرفن حجمهن الحقيقي
كل نقطة يعترضن عليها فقط يردن إثبات ذواتهن باي طريقة
قلت دكتور تسمح لي اصارحك
كان ودي اني قلت لك انه يجب أن تنسى انك برفسور قبل أن تدخل البرنامج
قلت دكتور يجب أن تفرق بين طلابك وطالباتك في الدراسات العليا وبين المشرفات التربويات
نحن طلاب الدكتوراه يهمنا كثيرا ان لانخالفك في رأي ولو قلت ان الدمام عاصمة المملكة لقلنا سمعا وطاعة ولو قلت لنا ان الزيتون أكبر حجما من البطيخ لقلنا انت اعلم لأن كل واحد منا يريد الحصول على ممتاز مرتفع في مادتك لذلك لن تسمع منا الا كلمة لبيه وسم وانت الأعلم وانت الأحكم
اما المشرفات التربويات فليس لك سلطة عليهن ويتعاملن معك كمدرب عابر وليس لديهن ذرة واحدة من الرغبة في نيل رضاك بل هم كل واحدة منهن ان تبرز في البرنامج وتقدم نفسها بطريقة مبهرة أمام زميلاتها
قال طيب وماذا افعل؟
قلت له تذهب إلى مكتبة جرير وتشتري مجموعة من كتب تطوير ذات لتجعلها هدية للمتدربات غدا
ثم إذا دخلت البرنامج انتبه ان تقاتل من أجل إثبات رايك بل شجع وحفز وقم بالثناء على المشاركات وقبل ذلك قل لهم في بداية البرنامج انك محتاج لسماع وجهات نظرهم
في الليلة التالية اتصل بي وكان في غاية السعادة والبهجة فقال لي اسمح ان اقول لك انك ساحر فقلت بشر فقال فعلت ما طلبت مني فاكتشفت ان المشرفات راقيات وقمة في التفاعل والإيجابية بصراحة اليوم خرجت من البرنامج وانا في غاية السعادة من تفاعلهن المدهش
قلت يادكتور المشرفات هن نفس المشرفات لكنك عندما غيرت من طريقتك في التدريب وطرح الاراء وجدت انهن راقيات
انت دخلت عليهن اليوم الأول كأستاذ جامعة يتعامل مع طالبات صغيرات لكنك في اليوم الثاني تعاملت معهن مشرفات تربويات لهن خبرتهن وتجاربهن ومعرفتهن
عندما تعاملت معهن كطالبات عاملوك بالعناد والتعصب للراي لكن عندما احترمتهن قابلوك بالاحترام والتقدير
قال هل يمكن أن أقول لك شيئا… انا استاذك في الدكتوراه وانت استاذي في التدريب فقلت له يادكتور تبقى استاذنا القريب إلى نفوسنا جميعا فضلا وخلقا ورقيا
في عالم التدريب… الشهادة قد تدفعك للنجاح أو تكون أكبر العوائق في طريقك
وكذلك المنصب
وكذلك المكانة الاجتماعية
: أصعب شيء ان تكون انت من تعرقل نفسك
دائما اقول من أهم العوامل التي تعرقل النجاح وجود قناعات بائسة في الذهن
هذه القناعات تدفع الإنسان إلى التراخي والخمول والركون إلى الحيل الدفاعية الشعورية واللا شعورية
وسلامتكم
✍️الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني
ولمن أحب أن يقرأ التأملات التي ولّدها هذا النص .. فقد أرفقتُ رابط المقال ..وهو قراءةٌ أدبية استُلهمت من هذه التجربة ..مع بقاء الأصل محفوظًا لصاحبه .. والفضل لأهله .
أثر لاينسى
جدة
الاحد ٢٠ محرم ١٤٤٨
٥ يوليو ٢٠٢٦

