في مساءٍ من مساءات جدة ..
وعلى ضفاف البحر ..
كنتُ أقرأ كلمات الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني في مجموعته : «مدربون ومدربات مبدعات» .
وكان البحر يومها يكتب درسه بطريقته .. موجه يعود كل مرةٍ أصلب مما انكسر .. ونافورة جدة تشق السماء في عنادٍ جميل ..
كأنها تهمس لكل من يراها أن الارتفاع لا يولد دفعةً واحدة ..
بل يبدأ من أعماقٍ لا يلتفت إليها أحد .
وبين هدير الموج ..
ورقة النسيم ..
لم تعد الكلمات أمامي حروفًا تُقرأ ..
بل مشاهد تُرى .
ورأيتُ في خيالي أربعة أعمدةٍ تنتصب أمامي ..
ففهمتُ أن النجاح يشبه البناء ..
لا يقوم على أمنيةٍ واحدة ..
ولا على ركنٍ واحد ..
بل على أعمدةٍ إذا اكتمل اجتماعها ..
اكتمل البناء .
عندها شعرت أن هذه الفكرة البديعة لا تستحق أن تُقرأ مرةً واحدة ..
بل أن يُتأمل فيها مرةً بعد مرة ..
لأن بعض الأفكار لا تكبر بطول قراءتها .. وإنما بعمق التأمل فيها .
ومن هنا بدأ السؤال الذي لا يزال يرافق الإنسان منذ عرف معنى الطموح ..
ما الذي يجعل بعض الناس يبلغون غاياتهم ..
بينما يتوقف آخرون على أعتابها ؟
ليس كلُّ من أراد النجاحَ نجح ..
وليست المشكلة دائمًا في ضعف الرغبة ..
ولا في قلة الذكاء ..
ولا في نقص الشهادات ..
فكم من إنسانٍ امتلأ قلبه بالأمنيات ..
وظل مكانه حتى أدركه العمر ..
وكم من معلمٍ حمل رسالةً عظيمة ..
لكنه لم يخرج بها إلى الناس ..
وكم من مدربٍ امتلك المعرفة ..
ولم يمتلك القدرة على تحويلها إلى أثر ..
وكم من قائدٍ كان يرى الطريق بوضوح ..
لكنه لم يخطُ الخطوة الأولى ..
بل إن التاريخ نفسه يخبرنا أن المقبرة لم تضم أصحاب الأحلام الفاشلة فقط ..
بل ضمّت أيضًا أصحاب الأحلام المؤجلة ..
أولئك الذين كانوا ينتظرون الوقت المناسب ..
والفرصة المناسبة ..
والظروف المناسبة ..
حتى مضت الحياة ..
وبقيت أحلامهم كما هي ..
نقضي أعمارنا نبحث عن السر الذي يصنع الفارق بين إنسانٍ يمضي ..
وآخر يبقى مكانه ..
نقرأ عن العبقرية ..
ونتحدث عن الموهبة ..
ونبالغ في تقدير الحظ ..
حتى نظن أن النجاح هبةٌ يختص بها بعض الناس دون بعض ..
لكن الحقيقة أكثر هدوء من ذلك ..
وأكثر عدلًا أيضًا ..
فالنجاح لا يولد دفعةً واحدة ..
ولا يهبط على أصحابه من السماء ..
بل يتكوّن قطعةً بعد قطعة ..
حتى إذا اكتمل بناؤه ..
ظنه الناس معجزة ..
وفي إحدى الجلسات الهادئة ..
طرح الدكتور مسفر بن ناصر القحطاني فكرةً بدت لأول وهلة مجرد تقسيمٍ بسيط ..
لكنها كانت في حقيقتها عدسةً جديدة ..
يمكن أن يرى الإنسان من خلالها نفسه ..
قبل أن ينظر إلى الآخرين ..
ولعل قيمتها لا تقتصر على المدربين ..
ولا على المعلمين ..
ولا على القادة ..
بل تمتد إلى كل إنسان يريد أن يعرف ..
ما الذي ينقصه حقًا ليصل ؟
ولأن الأفكار الكبيرة لا تُختبر بالشعارات ..
بدأ الدكتور مسفر من سؤالٍ بسيط ..
لكنه في الحقيقة سؤالٌ يرافق الإنسان منذ أن عرف معنى الطموح ..
لماذا ينجح بعض الناس ..
بينما يتوقف آخرون في منتصف الطريق ..
رغم أنهم لا يقلون عنهم ذكاءً ..
ولا علمًا ..
ولا رغبة ؟
ثم استعرض ما قرأه في عددٍ من النماذج الفكرية التي تناولت النجاح .. فوجد أن بعضها يجعل النجاح قائمًا على الرغبة والقدرة والإرادة .. بينما يضيف بعضها الآخر عنصر الفرصة .. ولم يتعامل مع هذه النماذج على أنها متعارضة .. بل جمع بينها في رؤيةٍ واحدة .. فرأى أن اكتمال الصورة يكون باجتماع الأركان الأربعة معًا .
ولم يقف عند نموذجٍ واحد .. بل جمع بين أكثر من طرحٍ قرأه .. حتى خرج بصورةٍ رآها أقرب إلى حقيقة النجاح كما تكشفها الحياة والتجربة .
فالرغبة وحدها لا تكفي ..
والقدرة وحدها لا تكفي ..
والإرادة وحدها لا تكفي ..
كم من إنسانٍ امتلأ شغفًا ..
وتسلح بالمهارة ..
وبذل من الجهد ما يبهر من حوله ..
ثم بقي في المكان نفسه ..
لماذا ؟
لأن هناك ركنًا رابعًا لا يقل أهمية عن الأركان الثلاثة السابقة ..
ركنًا لا يصنع النجاح وحده ..
لكنه يفتح له الباب ..
إنها ..
الفرصة ..
لكن الدكتور مسفر لم يقف حتى عند هذه الكلمة ..
فهو لم يتحدث عن الفرصة بوصفها شيئًا ينتظره الإنسان ..
بل بوصفها شيئًا يبحث عنه ..
ويقترب منه ..
بل ويصنعه إذا لم يجده ..
وهنا تغيّر معنى النجاح كله ..
فلم يعد النجاح أمنيةً يحملها القلب ..
ولا مهارةً يحملها العقل ..
ولا حماسًا تحمله الإرادة ..
بل أصبح منظومةً متكاملة ..
لا يكتمل بناؤها إلا إذا اجتمعت هذه الأركان الأربعة معًا ..
رغبة ..
وقدرة ..
وإرادة ..
وفرصة ..

أولًا : الرغبة .. البداية التي لا تكفي ..
كل إنسانٍ تقريبًا يريد أن ينجح ..
فالطالب يريد التفوق ..
والمعلم يريد أن يكون مؤثرًا ..
والمدرب يريد أن تمتلئ قاعاته ..
والقائد يريد أن يترك أثرًا ..
ورائد الأعمال يريد أن يرى مشروعه يكبر ..
لكن الرغبة وحدها لا تميز أحدًا ..
فهي أكثر عناصر النجاح انتشارًا ..
وأقلها قيمة إذا بقيت وحدها ..
لأن الأمنيات لا تبني مستقبلًا ..
ثانيًا : القدرة .. حين تتحول الأمنية إلى مهارة
هنا يبدأ الاختلاف ..
فبعض الناس لا يكتفون بالرغبة ..
بل يتعلمون ..
ويقرأون ..
ويتدربون ..
ويكتسبون الأدوات ..
لكن المفاجأة ..
أن امتلاك المهارة لا يعني بالضرورة امتلاك النجاح ..
فكم من معلمٍ يعرف طرائق التدريس ..
ولا يترك أثرًا ..
وكم من مدربٍ يملك المادة العلمية ..
ولا يملك الجمهور ..
وكم من قائدٍ يحفظ نظريات القيادة ..
ولا يستطيع قيادة فريقٍ واحد ..
فالقدرة تمنحك الوسيلة ..
لكنها لا تجعلك تتحرك ..
ثالثًا : الإرادة .. الفرق بين من يعرف .. ومن يفعل
وهنا يبدأ الغربال الحقيقي ..
الإرادة هي التي تجعل الإنسان يكرر المحاولة بعد الفشل ..
ويستيقظ حين ينام الآخرون ..
ويكمل حين يتعب الآخرون ..
ويتعلم حين يكتفي الآخرون ..
ولهذا تجد كثيرًا من أصحاب المواهب يقفون ..
بينما يتجاوزهم أصحاب الإرادة ..
فالقدرة تقول ..
“أستطيع .”
أما الإرادة فتقول ..
“سأفعل .”
رابعًا: الفرصة .. الركن الرابع في الصورة التي انتهى إليها الدكتور بعد جمعه بين أكثر من نموذجٍ فكري ..
وهنا اكتملت الصورة في رؤية الدكتور مسفر ..
فرأى أن الفرصة لا تقل أهمية عن بقية الأركان .
فحتى مع الرغبة .. والقدرة .. والإرادة .. يبقى سؤال لا بد أن يطرحه الإنسان على نفسه :
أين ستستخدم كل ذلك ؟
فالفرص لا تأتي دائمًا لتطرق الأبواب .
وأحيانًا تمر بجوار الإنسان .. بينما هو منشغل بانتظار فرصةٍ أكبر .. أو وقتٍ أنسب .. أو ظروفٍ مثالية لن تأتي أبدًا .

ولذلك لم يكن حديث الدكتور مسفر عن الفرصة بوصفها شيئًا ينتظره الإنسان .. بل بوصفها شيئًا يبحث عنه .. ويقترب منه .. بل ويصنعه إذا لم يجده .
وهنا يتغير معنى النجاح كله .
فلم يعد النجاح أمنيةً يحملها القلب .. ولا مهارةً يحملها العقل .. ولا حماسًا تحمله الإرادة .. بل أصبح منظومةً متكاملة لا يكتمل بناؤها إلا إذا اجتمعت هذه الأركان الأربعة معًا :
رغبة .. وقدرة .. وإرادة .. وفرصة .
وقد يظن الإنسان أن مشكلته ضعف القدرة .. بينما الحقيقة أن مشكلته ضعف الإرادة .
وقد يقضي سنوات يطوّر مهاراته .. لكنه لا يقترب من فرصةٍ واحدة .
وقد يمتلك الرغبة .. والقدرة .. والإرادة .. ثم يقضي عمره ينتظر بابًا لا يطرقه .
وهنا تتجلى قيمة هذا التقسيم .
فهو لا يخبرك لماذا نجح الآخرون .. بل يكشف لك أين تتوقف أنت .
فالنجاح ليس بابًا مغلقًا .. ولا لغزًا يحتكره العباقرة .
إنه بناءٌ له أربعة أعمدة .
فإذا سقط عمودٌ واحد .. مال البناء كله .
ولذلك لا تسأل كل يوم :
لماذا سبقني غيري ؟
بل اسأل نفسك بصدق :
أيُّ الأعمدة الأربعة ما زلتُ أهمله ؟
فربما كان نجاحك أقرب إليك مما تظن .. لكنه ينتظر منك أن تُكمل العمود الناقص .
ولا تظن أن هذا التقسيم خُلق للمدربين وحدهم .
فهو يصلح للمعلم داخل فصله .. وللقائد مع فريقه .. وللطالب في دراسته .. ولرائد الأعمال في مشروعه .. وللأب في تربية أبنائه .. وللأم في صناعة بيتها .
لأن الحياة كلها .. مهما اختلفت ميادينها .. لا تكاد تخرج عن هذه الأركان الأربعة .
وربما لهذا لم يبحث الدكتور مسفر عن تعريفٍ جديد للنجاح .. بقدر ما بحث عن طريقةٍ جديدة ليرى الإنسان نفسه .
فالرغبة تُشعل البداية ..
والقدرة تمنح الوسيلة ..
والإرادة تحفظ الطريق ..
والفرصة تفتح الباب .
فإذا نقص واحدٌ منها .. تأخر الوصول .. ولو كان الباقي مكتملًا .
ولذلك .. قبل أن تنشغل بمن سبقك .. انشغل بما ينقصك .
فقد لا تكون المسافة بينك وبين النجاح بعيدة .. وإنما ينقصها ركنٌ واحد لم تنتبه إليه بعد .
وهذا هو الفارق بين من يقضي عمره يفسّر أسباب نجاح الآخرين .. ومن يقضي عمره يبني أسباب نجاحه هو .
فالأول يراقب الطريق ..
أما الثاني فيسير فيه .
ولهذا لا يبدأ النجاح حين تتحسن الظروف .. بل يبدأ حين يكتشف الإنسان الركن الذي ينقصه .. فيشرع في بنائه .
وعندها فقط .. لا يعود النجاح صدفة .. ولا استثناء .. بل يصبح نتيجةً طبيعية لاجتماع الرغبة .. والقدرة .. والإرادة .. والفرصة في قلب إنسانٍ عرف ماذا يريد .. وكيف يصل إليه .

أثرٌ لا يُنسى
جدة
الأحد
٢٠ محرم ١٤٤٨
٥ يوليو ٢٠٢٦

