في مواسم الطاعة
حين تمتلئ الطرقات بوفود الحجيج
وحين تتجه القلوب إلى مكة المكرمة كما تتجه الأرواح إلى موطنها الأول
نشعر أن بعض القصص لا تُروى .. بل تُبعث من جديد
وأعظم القصص التي لا تموت .. قصة امرأة
امرأةٍ لم تكن تملك في تلك اللحظة إلا رضيعًا صغيرًا .. وقلبًا ممتلئًا بالله
هاجر
ليست حكاية تُذكر في كتب السيرة فقط
بل مرآةٌ خفية ترى النساء أنفسهن فيها كلما أثقلتهن الحياة
فما مِن امرأةٍ إلا ومرّت بصحرائها الخاصة
صحراء خوف ..
أو وحدة ..
أو مسؤولية ..
أو انتظارٍ طويل أنهك القلب حتى ظنّ أنه لن يزهر بعده شيء
لكن الفرق العظيم
أن بعض النساء يعبرن الصحراء بأقدامٍ متعبة فقط
وهاجر عبرتها بقلبٍ يعرف الله حق المعرفة
أيُّ يقينٍ كان يسكن تلك المرأة؟
إبراهيم يمضي
والوادي موحش
والريح صامتة
ولا ماء
ولا بشر
ولا أيّ سببٍ واحد يطمئن قلب أمّ تُركت مع طفلها في أرضٍ لا حياة فيها
ومع ذلك
لم يكن سؤالها
كيف سنعيش؟
ولا لماذا أُترك هنا؟
ولا من سيحمينا؟
كان سؤالها الأول والأعظم
“آلله أمرك بهذا؟”
وكأن قلبها منذ البداية لم يكن ينظر إلى الصحراء .. بل إلى الله
فلما قال نعم
قالت الجملة التي ما زالت إلى اليوم تُربّي القلوب المتعبة
وتشدّ الأرواح المنكسرة
وتُعيد بناء اليقين في النفوس
“إذًا لن يضيّعنا الله”
يا الله
ما أعظم الفرق بين قلبٍ يرى الأحداث .. وقلبٍ يرى الله خلف الأحداث
لهذا لم تكن هاجر امرأةً قوية بالمعنى الذي يتحدث عنه الناس اليوم
بل كانت امرأةً ممتلئة بالله إلى الحد الذي جعل الخوف نفسه يخجل أمام يقينها
ولذلك خُلّد سعيها
امرأة تركض بين الصفا والمروة
مرة ..
ومرة ..
ومرة
أمٌّ مرهقة .. لكنها لا تستسلم
تبحث عن الماء لطفلها
لكن الله كان يكتب لها ما هو أعظم من الماء
كان يكتب لها الخلود
حتى صار العالم كله يسعى سعيها
ويكرر خطاها
وتبقى قصة تلك المرأة حيّةً في ذاكرة الأرض إلى قيام الساعة
وكأن الله أراد أن يقول لنا
إن السعي الذي يخرج من قلبٍ متوكل .. لا يضيع أبدًا
ولذلك
لم تتفجّر زمزم قبل السعي
لأن الله يُعلّم عباده أن اليقين لا يعني أن تتوقف
بل أن تبذل كل ما تستطيع .. وقلبك مطمئن بأن الله لن يتركك
وكم من امرأة اليوم
تسعى سعي هاجر دون أن يشعر بها أحد
امرأة تُخفي تعبها كي لا ينكسر بيتها
وأخرى تؤجل حزنها لتُربّت على قلب أبنائها
وثالثة تقف وحدها أمام قسوة الحياة بينما الجميع يظنها بخير
كم من امرأةٍ تبتسم .. بينما روحها تركض بين ألف صفا ومروة
لكن السؤال الذي يهزّ القلب حقًا
هل فينا من يقين هاجر؟
هل إذا أغلقت الدنيا أبوابها
وتأخر الفرج
واشتدّ التعب
وتكاثرت المخاوف
نقول من أعماقنا
“لن يضيّعنا الله”؟
أم أن أرواحنا تتعلق بكل شيء .. إلا بالله؟
هاجر لم تكن تملك أسباب النجاة
لكنها كانت تملك ربّ النجاة
وهذا وحده .. يكفي
في يوم عرفة
وفي مواسم عيد الأضحى
حين تضجّ الأرض بالتلبية
ربما نحن لا نحتاج فقط أن نتأمل شعائر الحج
بل أن نتأمل القلوب التي صنعت هذه الشعائر
قلب هاجر
الذي علّم الدنيا أن المرأة المؤمنة قد تبكي .. نعم
وقد تتعب
وقد ترتجف من الخوف أحيانًا
لكنها ما دامت تعرف الله
فلن تسقط أبدًا
اللهم إن كان فينا شيءٌ من تعب هاجر
فارزقنا شيئًا من يقينها
وإن كانت لنا صحارى نخوضها كل يوم
فأنزل على أرواحنا طمأنينتك
وإذا ضاقت بنا الحياة
فذكّر قلوبنا دائمًا
أن من كان الله معه
فلن يضيعه الله أبدًا
أثر لاينسى
جدة
الأحد ٧ ذو الحجة ١٤٤٧
٢٤ مايو ٢٠٢٦
● حين تشبهنا هاجر .. 🤎

