🧠 حين نستعير عقولنا ..

screenshot ٢٠٢٦٠٦٢٥ ٢٠٥٥٠٠ gallery


في كل عصر كان للإنسان ما يميزه عن سائر المخلوقات  ..
ليس قوته  ..
ولا ماله  ..
ولا مكانته  ..
وإنما عقله  ..
ذلك العقل الذي جعله الله مناط التكليف .. وموضع السؤال  .. وأداة التمييز بين الحق والباطل  .. وبين الطريق الذي يُسلك والطريق الذي يُترك  ..
لكنني كثيرًا ما أتساءل  :
هل يمكن للإنسان أن يفقد عقله دون أن يفقده ؟
ليس بفقدان الوعي  ..
ولا بالمرض  ..
بل حين يتوقف عن التفكير بنفسه  ..
ويمنح هذه المهمة لغيره  ..
وربما لا يحدث ذلك دفعة واحدة  ..
بل يحدث بهدوء شديد  ..
في كل مرة نضغط فيها زر الإعجاب دون أن نفكر  ..
وفي كل مرة نردد رأيًا لأن الجميع يرددونه  ..
وفي كل مرة نرفض فكرة لا لضعفها ..
بل لأن جماعتنا لا تحبها  ..
وفي كل مرة نستبدل البحث بالتقليد  .. والسؤال بالتسليم  ..
ربما نكون قد تنازلنا عن شيء أثمن مما نظن  ..
تنازلنا عن عقولنا  ..
وأثناء طرح الأستاذة سناء العليوي لموضوع “العقول المدربة والعقول المستأجرة”  .. شعرت أن القضية أعمق من مجرد مصطلح تدريبي  .. وأكبر من مقارنة بين نمطين من التفكير  ..
إنها في حقيقتها سؤال عن الحرية  ..
حرية العقل  ..
ولعل من أعجب ما يلفت النظر أن القرآن الكريم حين خاطب الإنسان لم يخاطب فيه الغرائز أولًا  .. بل خاطب العقل ..
أفلا تعقلون ؟
أفلا يتفكرون ؟
أفلا يتدبرون ؟
وكأن الرسالة منذ البداية تقول للإنسان :
لا تعش بعقل غيرك  ..
ولا تمنح أعظم ما وهبك الله ليديرك كما يشاء  ..
فبعض الناس يعيش عمره كله وهو يفكر .. ويسأل  .. ويبحث  .. ويحلل  ..
ويخطئ أحيانًا ثم يصحح خطأه  ..
ويغير قناعته إذا ظهر له الدليل  ..
هؤلاء لا يخافون من مراجعة أفكارهم  ..
لأن غايتهم الوصول إلى الحقيقة لا الانتصار لأنفسهم  ..
أما البعض الآخر فيرتاح لفكرة مختلفة تمامًا  ..
دع غيري يفكر  ..
وأنا سأتبعه  ..
ليس لأنه عاجز عن التفكير  ..
بل لأن التفكير متعب  ..
والبحث متعب  ..
ومراجعة القناعات متعبة  ..
أما الإجابات الجاهزة فأسهل بكثير  ..
ولهذا يصبح بعض الناس مع الأيام مجرد أصداء لأفكار الآخرين  ..
يرددون ما يسمعون   ..
ويتبنون ما يقال لهم  ..
ويعارضون ما يعارضه محيطهم  ..
ويؤيدون ما يؤيده من حولهم ..
حتى إنك لو سألت أحدهم :
هل هذه قناعتك حقًا ؟
ربما احتاج وقتًا طويلًا ليعرف إن كانت فكرته أصلًا له أم مستعارة من غيره  ..
وهنا يبرز سؤال موجع :
متى كانت آخر مرة غيّرت رأيك لأن الدليل أقنعك ؟
لا لأن الشخص الذي أمامك أقنعك ؟
متى كانت آخر مرة انتصرت فيها للحقيقة على حساب الألفة ؟
وآثرت الصواب على مجرد الانتماء ؟
ولعل أجمل ما طرحته الأستاذة سناء هو التفريق بين الاستفادة من الخبراء وبين استئجار العقول  ..
فالإنسان لا يعيش وحده  ..
ونحن جميعًا نتعلم من العلماء ..  والمعلمين ..
والمدربين  ..
وأصحاب الخبرة  ..
لكن الخبير الحقيقي لا يفكر بدلًا عنا ..
بل يعلمنا كيف نفكر  ..
ولا يصنع أتباعًا  ..
بل يصنع عقولًا مستقلة ..
ولا يفرح بكثرة من يسيرون خلفه  ..
بل يفرح يوم يمشون وحدهم  ..
ولهذا كانت عبارتها البديعة :
” المدربة لا تفكر نيابة عنا، بل تعلمنا كيف نفكر  ..”
جملة تبدو بسيطة  ..
لكنها تختصر الفرق كله ..
فالمدرب الحقيقي لا يريدك تابعًا له  ..
ولا يعيش على بقائك محتاجًا إليه  ..
بل يفرح يوم تصبح قادرًا على الاستغناء عنه  ..
كما أن المعلم الحقيقي لا يقيس نجاحه بعدد من يقلدونه  ..
بل بعدد من أصبحوا قادرين على أن يروا أبعد مما رأى  ..
ولهذا تستعين المؤسسات الكبرى  .. والشركات الناجحة  ..
والبنوك العالمية ..
وأصحاب المشاريع الضخمة بالعقول الخبيرة   ..
لكنها لا تبحث عن أشخاص يكررون ما قيل بالأمس  ..
إنها تبحث عمن يفكر  ..
عمن يرى ما لا يراه الآخرون  ..
عمن يحلل قبل أن يقرر  ..
وعمن يملك الشجاعة ليقول :
ربما نحتاج إلى طريق مختلف.
فالعالم لم يتغير يومًا بالمقلدين  ..
بل بالمفكرين   ..
ولعل أخطر ما نواجهه اليوم أن الإجابات أصبحت أسرع من الأسئلة  ..
فبضغطة زر نستطيع الوصول إلى آلاف الآراء  ..
لكن المشكلة ليست في كثرة الآراء  ..
المشكلة أن بعض الناس توقف عن ممارسة حقه الطبيعي في التفكير  .
وأصبح يبحث عمّن يقرر عنه ماذا يؤمن  ..
وماذا يرفض  ..
وماذا يحب  ..
وماذا يكره  .
حتى صار السؤال الحقيقي ليس :
من يقود هذا العقل ؟
بل :
هل ما زال هذا العقل يقود نفسه أصلًا  ؟
وأظن أن أعظم هدية يمكن أن يقدمها والد لابنه، أو معلم لطالبه، أو مدرب لمتدربه .. ليست معلومة جديدة  ..
بل عقلًا قادرًا على البحث عن المعلومة بنفسه  ..
عقلًا لا يخاف السؤال ..
ولا يقدس الأشخاص ..
ولا يرفض الفكرة لأنها جديدة ..
ولا يقبلها لأنها مشهورة ..
عقلًا يبحث عن الحقيقة ولو خالف الجميع  .
ففي النهاية  ..
ربما يأتي يوم يكتشف فيه الإنسان أن أخطر ما يمكن أن يُسلب منه ليس ماله  ..
ولا مكانته  ..
ولا حتى حريته الخارجية  ..
بل حريته الداخلية في التفكير
  .

فكل القيود يمكن كسرها يومًا ما  ..
إلا القيد الذي يعتاده العقل حتى يظنه جزءًا من طبيعته .
وقد يفقد الإنسان مالًا فيعوضه  ..
وقد يفقد منصبًا فيسترده  ..
لكنه إذا اعتاد أن يفكر الآخرون عنه  ..
فقد يخسر نفسه كلها دون أن يشعر  .
ولذلك لم تكن أعظم هدية يقدمها معلم أو مدرب أو مصلح للناس أن يعطيهم الأجوبة  ..
بل أن يوقظ فيهم القدرة على البحث عنها بأنفسهم  .
ويبقى السؤال مفتوحًا :
هل نحن حقًا نفكر ؟
أم أننا فقط نرتب الكلمات التي فكر بها الآخرون قبلنا
  ؟

gemini generated image lmng5lmng5lmng5l


أثر لا يُنسى

جدة
الخميس
عاشوراء لعام ١٤٤٨
٢٥ يونيو ٢٠٢٦

المقالات الموصى بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *